Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

أسرى السجون، وأسرى التقليد، وأسرى "التنسيق" (ملفّ)

الافتتاحية

 

 

لم يَكشف إضرابُ الأسرى الفلسطينيين عن الطعام، وهو إضرابٌ ينهي أسبوعَه الخامسَ اليوم، بطولتَهم الاستثنائيّةَ فحسب، بل كشف أيضًا هشاشةَ "ثقافة الدعم والإسناد" في مجتمعاتنا العربيّة. وإلّا فكيف نبرِّر محدوديّةَ تحرّكاتنا الداعمة للإضراب، وضعفَ تأثيرها، طوالَ هذه المدّة؟

فلننظرْ إلى ما فعلناه طوال هذه الأسابيع: اعتصامات قليلة، ندوات أقلّ، رسائل فيديو مصوّرة قصيرة، إضرابات فرديّة عن الطعام يومًا أو أكثر، منشورات على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وتحرّكات "رمزيّة" مماثلة. وهذه التحرّكات كلُّها مفيدةٌ نوعًا ما، ومعبِّرةٌ بالتأكيد، خصوصًا حين تأتي من شخصيّاتٍ مؤثّرةٍ من وزن رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق د. سليم الحصّ وبطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحّام، اللذيْن أضربا يومًا عن الطعام تضامنًا. وهي كذلك تحرّكاتٌ أفضلُ، على كلّ حال، من القعود، والمزايداتِ الفيسبوكيّة، والسخرية، واجترارِ النقّ، وجَلْدِ الذات، و"استعذابِ" الشقاء، وتأبيدِ عجزنا، بل ردِّه كذلك إلى أسبابٍ بنيويّةٍ كامنةٍ في "عقلنا" العربيّ. ومع ذلك فإنّها، أيْ تحرّكاتِنا، لا ترقى، بأيّ شكلٍ من الأشكال، إلى نضال الأسرى، وقد لا تفيدُهم كثيرًا للأسف.

فلنتّفقْ، أوّلًا، على أنّ قضيّة الأسرى ليست مطلبيّةً إنسانيّةً فحسب، وإنْ كان الدافعَ المباشرَ إلى الإضراب اليوم تدهورُ وضعهم المعيشيّ. الأحرى أنّ هذه القضيّة تندرج في صميم التحرّر الفلسطينيّ (والعربيّ) لأنّ حامليها يجسِّدون، بنضالهم اليوميّ على مدى عقود، عناوينَ هذا التحرّر الأساسيّة، وعلى رأسها: التمسّكُ بخيار المقاومة المسلّحة، وحقُّ العودة، وتوسيعُ إطار منظّمة التحرير، وتحريمُ الاقتتال الفلسطينيّ الداخليّ.(1) وعليه، فإنّ "إسنادَ" الأسرى ينبغي، ولو على المدييْن المتوسّط والبعيد، أن يُخْليَ مكانَه لمفهومٍ أوسع، يتجاوز "التضامنَ" الإنسانيَّ أو اللحظيَّ (الموسميّ)، ليعانقَ عناوينَ التحرّر الأساسيّة تلك. إنّ الأسرى الفلسطينيين هم، في مجموعهم، زبدةُ القضيّة الفلسطينيّة، وزُبدة النضال والمناضلين، وينبغي أن يكونَ تعاملُنا معهم على هذا الأساس من الاحترام والتقدير والحبّ والأولويّة، خصوصًا مع هذا التراجع الهائل والخيانات المتدحرجة على المستوى العربيّ.

فهل هذا ما فعلناه؟

هنا نأتي إلى بيتِ القصيد. إنّ إسنادَ "الطُّلَقاء" للأسرى تسري عليه كلُّ المآخذِ التي يمكن أن نطرحَها على أشكال عملنا القديمة. فهذه الأشكال ضعيفةُ التأثير، باهتةٌ في معظمها، بل مملّةٌ حتّى الموت؛ مملّةٌ لنا ــــ نحن الطلقاء الحزبيّين و"الناشطين" القائمين بها ــــ قبل أن تكونَ مملّةً لجمهورنا المنشود. أفلا تلاحظون أنّ كثيرين منّا باتوا يتظاهرون ويَعتصمون ويَخْطبون من باب "رفع العتب،" أو للتنفيس عن الغضب، أو للتخفيف من تبكيت الضمير، أو لمجرّدِ الاسترسال في العادات المتّبَعة ("ولوْ؟ معقول ألّا أشارك في التظاهرة بعد كلّ هذه السنين؟").

فإذا كنّا قد فقدْنا ثقتَنا بأساليبنا و"تحرّكاتنا" المساندة، فكيف سنقْدر على إقناع غيرنا بها؟

وفي المقابل، تنشط في العالم، وفي بعض الأقطار العربيّة أيضًا، حملاتٌ لمقاطعةِ كلِّ ما يَدعم "إسرائيلَ" اقتصاديًّا وثقافيًّا وأكاديميًّا وفنّيًّا ورياضيًّا. وقد حقّقتْ هذه الحملاتُ إنجازاتٍ كبرى في النروج وهولندا والمملكة المتّحدة وجنوب أفريقيا وكندا والولاياتِ المتّحدة وعشراتِ البلدان الأخرى؛ إنجازاتٍ أرعبتِ العدوَّ، إلى حدّ تخصيصِه ملايينَ الشيكلات لمواجهتها وإلى حدّ اعتبارِها "خطرًا استراتيجيًّا" وتهديدِ قادتِها بـ"الإلغاءات المدنيّة الموجَّهة."(2) ولقد كتبنا مرّاتٍ كثيرةً في هذا الموضوع على امتداد السنوات الخمس عشرة الأخيرة. لكنّ المدَّ التقليديّ في "ثقافة الدعم والإسناد،" بل "ثقافة المقاومة" عمومًا، ما زال هو الطاغي في ساحتنا، وهو الذي يَحُول دون انتشارها في المجتمع، بما يتخطّى جمهورَها المعروفَ سلفًا.

لقد أهدانا الأسرى الفلسطينيون فرصةً جديدةً، نحن الطلقاءَ، من أجل الإسهام في تحويل مطالبهم الحياتيّة والوطنيّة إلى شرارةٍ جديدةٍ تعيد إلى قضيّة فلسطين ألقَها، وتستعيدها إلى قلب المشهد الشعبيّ العربيّ. لكنّ استجابتَنا، كما ذكرنا، جاءت تقليديّةً بسبب ترهّل أُطُرنا الحزبيّة والتنظيميّة، وإدمانِها الأساليبَ القديمةَ في المقاومة، واعتمادِها الموسميّةَ في "فوراتها" التضامنيّة... فضلًا عن أسبابٍ أخرى لا مجالَ للغوص فيها هنا، وعلى رأسها: تضعضعُ العصَب النضاليّ لدى قسمٍ كبيرٍ من "الكتلة" الثقافيّة العربيّة القوميّة واليساريّة، وتبعيّتُها الذيليّةُ لمشاريع الأنظمة والطوائفِ والمنظّماتِ غيرِ الحكوميّة.

في كلّ الأحوال، ما هي إلّا أيّامٌ على انطلاقة إضراب الأسرى حتّى خفتتْ وتيرةُ استجابتنا، الخافتةِ أساسًا؛ وهو ما كان متوقّعًا، وتركْنا الأسرى يناضلون بأمعائهم الخاويةِ وحدهم. وصار جلُّ ما يفعله بعضُنا هو أن "يَحْسدَ" الإيرلنديّين على إغلاقهم شارعًا كبيرًا بأجسادهم المطروحة أرضًا تضامنًا مع أسرى فلسطين؛(3) أو أن يُهلّلَ بعضُنا الآخر لأكبر نقابةٍ في النروج (أكثر من مليون عامل وعاملة) لأنّها قرّرتْ مقاطعةَ إسرائيل في جميع المجالات؛(4) وكأنّنا عاجزون الآن ــــ وأبدَ الدهر ــــ عن فعلِ ما يماثل هذه التحرّكات.

لكنّنا غيرُ عاجزين بتاتًا!

خذوا، مثلًا، الاستنكارَ العفويّ الشعبيّ الذي واجه شبكةَ مطاعم "بيتزا هات." فالمعلوم أنّ فرعَها في الكيان الصهيونيّ نشر على موقعه الإلكترونيّ صورةً قديمةً (من الأرشيف) لأحد قادة الإضراب، الأخ مروان البرغوثي، وهو يتناول الشوكولاتةَ في زنزاته، وكأنّها صورةٌ حديثةٌ من زمن إضرابه الحاليّ عن الطعام، وعقّب المنشورُ على الصورة بكلامٍ ساخر. الاستنكار العربيّ الكبير أَجبر الشركةَ الأمَّ على الضغط على وكيلها الإسرائيليّ كي يَسحب المنشورَ المهين، الذي اعتذرتْ عنه (وإنْ لم تُذكّر بأصل المشكلة)، وألغت تعاقدَها مع شركة الإعلان الإسرائيليّة.(5) كان ذلك تحرّكًا بسيطًا، غيرَ منظَّم، أجبر شركةً على الاعتذار من جمهورها كي لا تَخسرَ جزءًا من أرباحها في البلدان العربيّة ولدى أنصار فلسطين في العالم. كان تحرّكًا بسيطًا فعلًا، ولكنّه لا يخلو من الدلالات والعِبر، وأهمُّها: أنّ أنصارَ فلسطين قادرون على التأثير حين يتوحّدون وينتصرون لقضيّةٍ ما. تصوّروا الآن لو نجح العربُ في المشاركة بحملةٍ واسعةٍ، بدأتْ عالميًّا قبل سنوات، لمقاطعة شركتيْ هايوندايْ وكاتربيلر اللتين تجرفان البيوتَ والمخيّماتِ الفلسطينيّة.(6) تصوّروا وتخيّلوا لو قالوا: سنقاطعُكما أينما وجدناكما، ما لم تتوقّفا عن بيع جرّافاتكما إلى قاتلِنا ومدمِّرِنا وباني الجدارِ العنصريّ!

لكنْ، لماذا نبقى في إطار التصوّر والتخيّل؟

خذوا ما نفّذتْه فعلًا حملةُ مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان خلال السنة الماضية ضدّ شركة G4S الداعمة للسجون الإسرائيليّة. فقد استطاعت هذه الحركةُ الصغيرة، لكن المثابرة والمتفانية، أن تضغطَ، بقوةِ الحجّة وزخمِ الإيمان بعدالة فلسطين، على عددٍ من المؤسَّسات الكبرى العاملة في لبنان من أجل وقف تعاملها مع الشركة المذكورة، ونجحتْ في مسعاها بنسبةٍ معقولةٍ جدًّا.(7) وها إنّ هذه الشركة قرّرتْ وقفَ عملها في سجون العدوّ قبل شهور، لا بسبب نشاط الحملة اللبنانيّة وحدها طبعًا، بل بسبب تراكم النشاطات العالميّة ضدّها، من كلّ حدبٍ وصوب، بما في ذلك مِن لبنان. تُرى، أليس وقفُ هذه الشركة الأمنيّة عن العمل في السجون الإسرائيليّة(8) أجدى، بالنسبة إلى فلسطين عمومًا، وإلى الأسرى خصوصًا، من كثير من النشاطات "الرمزيّة" أو التقليديّة؟

واستنادًا إلى إنجازنا ضدّ G4S تخيّلوا الآن لو استطعنا أن ننشئَ حملةً، على المستوى العربيّ، ضدّ شركةٍ أخرى، هي هوليت باكارد (HP)، المتورّطةُ في صيانة الأنظمة الحاسوبيّة في سجون العدوّ، من بين ارتكاباتٍ كثيرةٍ أخرى ضمن الجيش الإسرائيليّ والمستوطنات الصهيونيّة؛(9) أفلن يكون ذلك أجدى، لفلسطين عمومًا، وللأسرى خصوصًا، من عشرات البوستات الفيسبوكيّة التي لا تعدو أن تكون "فشّةَ خلقٍ" عابرةً؟

طبعًا، نحن لا نقول إنّ المقاطعة ستكون وحدها كفيلةً بتحرير الأسرى، وإلحاقِ الضرر بالسجّان مادّيًّا ومعنويًّا؛ فالحقّ أنّ "العلاجَ" الأسرعَ والأكفأَ لتحريرهم هو، بلا أدنى شكّ، أسْرُ جنودٍ إسرائيليين ومبادلتُهم بأسرانا. ولكنْ، مع تراجع العمل المسلّح اليوم، قد تبدو مقاطعةُ العدوّ وداعميه (ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا) خطوةً عمليّةً وناجعةً؛ والأهمّ أنها حركةٌ توعويّةٌ ذاتُ نفسٍ نضاليّ طويل، وتتخطّى "دعمَ" الأسرى، وتُكسِبُ معتنقيها ثقافةَ مقاومةٍ شاملةً وحلفاءَ دوليّين فعليين.

***

على أنّنا نضيف، أخيرًا، أنّ مقاطعة العدوّ وداعميه لن تكون ذاتَ جدوى كبيرةٍ إنْ سكتتْ عن السلطة الفلسطينيّة المتواطئة مع الاحتلال. لا يمكن أن نواجِهَ السجّانَ ونسكتَ، في الوقت نفسِه، عمّن "ينسِّقُ" معه سياسيًّا وأمنيًّا. صحيح أنّ مقاطعة العدوّ ستقوِّض تلقائيًّا شيئًا كبيرًا من شرعيّة التعامل مع "المنسِّقين" المحلّيين؛ لكنّ علينا، على الرغم من ذلك، أن نتجنّبَ، قصدًا وعمدًا، القيامَ بأيّ تصرفٍ قد يَخْدم السلطةَ الفلسطينيّةَ المتعاملة.

فمثلًا: إنّ ترويج فكرة "كسْر العزلة" عن الشعبِ الفلسطينيّ و"التضامنِ" مع الأسرى من خلال المشاركة العربيّة في مؤتمراتٍ ثقافيّةٍ برعاية السلطة الفلسطينيّة أمرٌ مضلِّل جدًّا. إنّ جلَّ ما تفعله هذه المؤتمرات هو أنّها تُضفي "شرعيّةً" ثقافيّةً عربيّةً على سلطةٍ متعاملةٍ مع الاحتلال (ناهيكم بأنّ قدومَ العرب إلى المناطق التي تديرُها هذه السلطة لا يتمّ من دون موافقة الاحتلال نفسه ــــ وهذا هو معنى "التصريح" الذي لا يختلف كثيرًا في رأينا عن "تأشيرة الدخول" الإسرائيليّة). وللتذكير، فإنّ "الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل،" وهي حملةٌ حليفةٌ لحملة المقاطعة في لبنان على الرغم من بعض الاختلافات، نصّت على أنّ "الأولويّة القصوى لأيّ أكاديميّ/ فنّان/ مثقّف عربيّ يرغب في فكّ الحصار عن الشعب الفلسطينيّ هي لدعم حملة المقاطعة العالميّة لإسرائيل ولزيارة غزّة عبر معبر رفح الحدوديّ مع الشقيقة مصر"؛ كما طلبتْ إلى "الفنّانين/ات العرب الزائرين/ات تبنّي مبادئ نداء المقاطعة ورفْض التطبيع، تفاديًا لإعطاء أيّ انطباعٍ زائفٍ بأنّ زيارتَهم/نّ تندرج تحت برامج التطبيع، ممّا قد تستغلّه إسرائيلُ في محاولة إضعاف المقاطعة العالميّة الآخذةِ في التنامي ضدّها."(10)

وكمثالٍ آخر، فإنّ تهافتَ بعض الفنّانين والمثقّفين العرب (بغضّ النظر عن تاريخهم الوطنيّ) على تلقّي "أوسمةٍ" و"جوازاتِ سفر" من السلطة الفلسطينيّة اليوم هو تلميعٌ لصفحة هذه السلطة المتواطئة، والمنسِّقةِ مع الاحتلال، والفاسدةِ فوق ذلك كلّه، وسيقوِّض شيئًا من منطق مقاومة "إسرائيل" ومقاطعتِها.

إنّ فلسطين يمثّلها المناضلون من أجل تحريرها، أكانوا أسرى أمْ طُلقاءَ، لا المنسِّقون مع الاحتلال من أجل بقائهم!

بيروت

1- نص-وثيقة-الأسرى-الفلسطينيين-للوفاق-الوطني:

http://www.aljazeera.net/news/arabic/2006/5/26/

2- https://goo.gl/s5dZ2k

3- http://knowterrorists.com/nakba-day-catastrophe-day-thousands-of-irish-people-lie-on-the-streets-in-solidarity-with-palestinians/knowterrorists-com4/

4- http://www.presstv.ir/Detail/2017/05/13/521677/Norway-trade-union-LO-Israel-BDS

5-راجع: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10213226973735935&set=p.10213226973735935&type=3&theater

6- https://electronicintifada.net/blogs/ali-abunimah/palestinians-call-boycott-hyundai

7- من بين هذه المؤسّسات: اليونيسيف، والبنك العربيّ، وفندوق كراون بلازا، وبيت الطبيب. راجع: http://boycottcampaign.com/newsletter/issue1/

8- http://www.boycottcampaign.com/index.php/ar/our-guide/375-g4s

9- http://www.boycottcampaign.com/index.php/ar/our-guide/382-hewlett-packard

10- http://www.pacbi.org/atemplate.php?id=181

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب