Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

أقلتَ لي: اليوم العالمي للمرأة؟؟

موقف

 

وكان أن خرجت النسوةُ العاملاتُ من مصانعهنّ، وقمن بإضراب ومظاهرة لتخفيض عدد ساعات العمل، وتحسين الأجور، ووقفِ عمالة الأطفال. فكان يوم المرأة.

 

كلّه بدأ من المصنع. خرج منه قبلًا العمّالُ المضربون. فكان يوم عمّال.

الشرطة ارتكبتْ مجزرةً في العاملين والعاملات، على حدّ سواء.

***

شهقت المرأةُ عندما عرفتْ أنّ زميلتها ذاهبةٌ إلى إيطاليا. ابتسمتْ بغنج أفلام السبعينيّات، وأوصتها بألّا تنسى أن تستمتع بأرض الشباب الإيطاليّ الذي لا يقاوَم.

- لكنّني متزوّجة!

- ما المشكلة؟ لو كان زوجُكِ هو مَن ذهب، ألم يكن ليفعلها؟

- ربّما...

- إذًا، بلا هبل. فرصة لا تعوَّض لكي تستمتعي بشابٍّ إيطاليّ. الرجل الإيطاليّ معروف...

***

في روما، الفندق الجميل. المسبح والشمس.

يبتسم الشابُّ الإيطاليّ. ينظر من تحت نظّارتيْه السوداويْن. يقوم بحركاتٍ من أفلام السبعينيّات أيضًا.

يمرّ بجانبها. يجلس على الكرسيّ إزاءها. ينفض شعرَه الأسود. يرطن بكلماتٍ إنكليزيّة، يتعمّد إبرازَ لكنته الإيطاليّة فيها.

كان يقوم بحركاتٍ مدروسة، وكأنّه يضع إشارة  X على لائحة تفقّد (Check List) للحركات:

 

 هل ابتسمتُ وأظهرتُ بياضَ أسناني؟

 

 هل تكلّمتُ بصخبِ الطليان؟

 

 ماذا عن النبرة؟

 

 هل حدّقتُ في عينيْها حتّى أربكتُها؟

 

 هل أريتُها مؤخّرتي المشدودة؟ بطني؟

...

شعرَتْ بالملل حقًّا، وكأنّه زوجها أوّلَ ما التقيا. لكنّها كانت أكثرَ تقبّلًا لهذه الحركات يومها.

أحقّا تنفض شعرَكَ بهذه الطريقة أمامي؟

يا كلّ القديسين والأولياء، الرحمة!

***

في ليلة الاحتفال الذي أقامته الجمعيّةُ بمناسبة يوم المرأة العالميّ، اجتمعت النسوةُ ورجالهنّ.

كرّمت الجمعيّة أختَ رئيس مجلس الوزراء في هذه المناسبة. ألقت كلمةً عصماءَ، بلغةٍ لا تشوبها شائبة.

جلستْ تحدّق في المائدة. استرعى انتباهَها ورقُ العنب. مَن لفّ ورقَ العنب هذا؟ أهي امرأةٌ عملتْ طوال النهار لتحتفلَ النساءُ بيومهنّ؟

ماذا سأقول للمحتفى بها؟ يجب أن أقول شيئًا...

غرزت الشوكةَ في لفافة ورق عنب. رفعتْها أمام عينيها. تُرى، لماذا تنصحني زميلتي بالرجل الإيطاليّ؟ وما كانت تلك النظرةُ في عينيها، وكأنّني أفهم ما تقصده؟

لمَ لم تنصحني بالأفارقة؟ أعرف أنّهم أكثر رجولة... أين قرأت ذلك يا ترى؟

من يصنّف الرجال بالأحجام؟ وزوجي...؟ المسكين!

شطرت اللفافةَ بأسنانها. لاكَتها على مهلٍ، متلذّذةً بعصارتها الحامضة.

فلنجرّبْ إيطاليا. يحقّ لي.

***

في الغرفة، كان الإيطاليّ كسمكةٍ كبيرةٍ بين ساقيْها.

ساقاها باتتا مرفأ صور القديم، ولم تكن الملكة. كانتا مزلاجَ بوّابة المرفأ الضخمة: تُفتحان وتُغلقان منعًا من الصدأ.

نظرتْ إلى وجه الشابّ الإيطاليّ الذي لا يُقاوم. إنّه يشبه معظم الرجال، يخشى قوّةَ الجَوف الغامضة بين ساقَيّ. يريدني أن أعلو بآهاتٍ ليُسرّ بفحولته. وها أنا بانتظار تلك اللحظة التي سيكشّر فيها تلك التكشيرة المضحكة وينهار فوقي بوزنه. أساسًا، لماذا تُصدر كلّ هذه الأصوات؟! عزيزي، سينتهي المهرجانُ كانقطاع الكهرباء، وستنظر إليّ كطفلٍ ساعد أمَّه في حمل الأغراض، ويجب أن تقبّله وتقول له: "أنت الرجل."

ليتني أعرف ماذا أفعل هنا...

***

على الهاتف أُخبرُ زوجي أنّنا في حفلةٍ خاصّةٍ بعيد المرأة العالميّ.

يسألني ببرودة السمك فيه: مَن يخدم الحفلة؟ رجالٌ أمْ نساء؟

يريد أن يوقعني بفخٍّ كالعادة. رجال... كلّهم رجال! (أجيب مع ابتسامة نصر).

عظيم، أخبريني: في مجتمع كالنمل أم النحل؟ أين تصنّفين هؤلاء الرجال الذين يخدمونكنّ؟

هل هم حرّاس؟ لا.

ملكة؟ لا.

عاملات؟!

اللعنة عليكَ مجدّدًا.

***

تركت قاعةَ الاحتفال متوجّهةً إلى الحمّام.

على باب الحمّام كرسيٌّ صغير. فوقه امرأة داكنة البشرة، تضع على فخذيْها علبة محارم ورقيّة.

تبًّا، كان المنظرُ مؤذيًا. وفي عيد المرأة؟!

فتحت البابَ بقوّة فلم يُغلق. وفي المرآة، بدا بابُ حمّام الرجال.

فُتح الباب. خرج رجلٌ ببشرةٍ داكنة يحمل أغراضَ التنظيف. وضعها في مكانٍ يخفيها.

أقعى جالسًا على كرسيّه، واستراحت في حضنه علبةُ المحارم الورقيّة.

قبل أن تغلق باب الحمّام، لمحتْه ينظر إلى المرأة الجالسة. في عينيهما شبحُ ابتسامة.

***

على باب قاعة القادمين في المطار استرعى انتباهَها إعلانٌ ضخمٌ لعطرٍ فاخر، مع عبارة تحثّ الرجل على شرائه هديّةً بمناسبة اليوم العالميّ للمرأة. كانت الشركة قد تركته لأنّ عيدَ الأمّ قادم، وهو ينفع في الحالين.

خرجتْ. وجدتْ زوجَها وأطفالها ينتظرون.

هجموا عليها. بدأ مهرجانُ القبل الفائضة.

ابتسم زوجُها، واعتذر على وقاحته، وغمز الأطفال.

قدّموا لها هديّةً وصاحوا: عيد امرأة سعيد يا أغلى النساء.

كانت الهديّة عطرَ الإعلان.

كان عيدَ أصحاب شركة العطور، والإعلان، ووكالة السفر، والفندق، وكلّ الباقين...

أحسّت بطعمٍ صدئ في فمها. لكنّها اضطرّت إلى تقبيل زوجها، وشكرِه، والابتسام.

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب