Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

أنتظرُ موتكَ لأكتملَ بجمالي

قصائد

 

 

              -1-

أحاولُ عبثًا أن أكتبَ نصًّا حزينًا
أو أن أحزنَ خارج النصّ ــــ
أنا البهجة المنشقّة عن لغةٍ لعوبٍ 
تستبدلُ القاصَّ بالشاعر، والشاعرَ بالراوي؛
عن لغةٍ جامحةٍ متواطئةٍ مع صعاليكها ومريديها.
أحاولُ عبثًا أن أكتبَ نصًّا سعيدًا 
أو أن أفرحَ خارج النص.
هي لغةٌ سقطتْ سهوًا في ضحكتي 

فتجمَّرْت.

 

              -2-  
في المنام لا أحدَ يتخلّفُ عن موعده: 
أشباحٌ مأخوذةٌ بالمجيء المتكرّر، 
كائناتٌ مرتبكةٌ بأجسادٍ مثقوبة .
كلَّ مساءٍ،

يسرق الليلُ الفساتينَ المنسيّةَ على حبالٍ باردةٍ،
يلتفُّ بعباءةٍ لها استدارةُ امرأةٍ، وطولُ ماردٍ .
المناماتُ أقبيةٌ لا تخونُ أحزانَها،
ذاكرةٌ بلا مطاراتٍ، ولا مرافئَ، ولا سككِ حديد.
لم يأتِ أحدٌ باكرًا... لم يأتِ أحدٌ متأخّرًا.
الحبُّ استدارةُ امرأة؛ 
طولُ ماردٍ؛ 
 فستانٌ مسروقٌ من منامِ ليلٍ حزين.

 

              -3-
الذين ودّعونا مرّةً بعد مرّة؛
خُدّامُ الأسى؛
المهلِّلون للعجائب والمعجزات كأبرارٍ في موكبِ أشرار.
المؤمنون بالدمع إلَهًا،
وبالجرحِ عافيةً؛
المولودون من ندبِ الأمس في أرحامٍ مخذولة؛
ندامى العنبِ الذابل؛
سُمّارُ الافتراض؛
الذين أودعونا مُرًّا بعد مُرّ

تأشيرة خروجهم منّا،

أحبّاؤنا.

 

              -4-
قليلٌ من الأسى
ليشتدَّ عودُ الحبّ في الأغاني،
ليُغرزَ اسمُكَ وشمًا كقسوةٍ غافية؛
لنكتبَ في الفراغ،
لنسمعَ دويّ الصراخ ونحن نهذي.
أبلغُ ذروةَ الدوران من شدّة الحبّ
ومن شدّةِ الحبّ أهوي،
كسكّيرٍ مدمن.

دمي مزجُ مُسكرات 
وأنا لم أشربْ سوى حزنٍ واحد.
نسدّد ديونَ القرّاء بنصوصٍ غالية،
نحن الشعراء المساكين،
لا بيت يؤوينا، لا عناق.
نتأرجح بين الصبا والبيات

 من أعلى سلّم الموسيقى حتّى آخر مقامٍ في يأسنا.

 

              -5-
أنْظمُ للربابة كلامًا خافتًا؛
أنا الوترُ الوحيد، 
أنا الوتد الأخير،
أُسندُ ما تبقّى من هذا الليلِ بمواويلَ حزينة،
كي أُلقي بحملِ الصوت في صدى مَن أحببتُ،
فأرجع
أرجع 
أرجع.

 

               -6-
أبحثُ كلّ صباح عن خبر موتِكَ في صحفِ بيروت التي لم تعد تصدر،
في حاناتِها المهدَّدة،
وفي أزقّتها المرمَّمة فوق جماجم أهلها.
أحملُ في جيبي اسمَكَ،
في الآخَرِ حفنةَ آلهةٍ،

وكمّا هائلًا من الملائكة.
أنا ربّةٌ حين أكتبُ،
ربّةٌ حين أُحبُّ،

النسّاكُ في مغاور الجبال عِبادي،
أملكُ أرضًا وبحرًا وسماءً
لكنّي أنتظرُ موتَكَ لأكتملَ بجمالي!
أستمعُ كلَّ مساءٍ إلى نشراتِ الأخبار:
قتلى وجرحى وحروب.
غير أنّك آمنٌ كحبلٍ سرّيّ،
آمنٌ كشاعرٍ على منصّة،
متواطئٌ مع التصفيق الحارّ لقصيدةٍ باردة، 
ولموتٍ ناقصٍ بين مخالب هذا النصّ الحزين.

جونية

اتّصل بنا من نحن دار الآداب