Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

إستعارات جسديَّة

قصائد

 

النرجسيّةُ جرحٌ في القصيدةِ، أمْ في القلبِ؟
أمْ هيَ ظلُّ الذئبِ في جسدِ الأُنثى؟
أمِ النايُ في أضلاعِها، وعلى أجفانِها حبقٌ يبكي لأتبعَهُ؟
أمْ ماردٌ في كتابِ البحرِ؟
أمْ نزقُ الغاوينَ في كلِّ وادٍ لا تمرُّ بهِ إلَّا الفراشاتُ والغزلانُ؟
أمْ أثرٌ لا يُقتفى،
كان قبلَ الحُبِّ ضيَّعهُ فمُ المُحبِّ على عينيْ حبيبته،
وجئتُ من ظلمةِ الرؤيا لأرفعَهُ؟

***

وكأنّ زهرَ البرتقالِ على أظافرَ كالمحارِ.
كأنّها جورجيَّةٌ؛
وكأنّ شمسَ الساحلِ السوريِّ في دمها
وما من شاعرٍ يومًا رآها أو أحبَّ صفاتِها
أو نثرَها الرعويَّ
إلَّا واستقالَ من الكتابةِ والندى البلديِّ.
كان محمد الماغوطُ يشهدُ أنّها أحلى نساءِ سلميّة الصحراءِ.
والقمحُ الحزيرانيُّ
والرُمّانُ
والعنبُ؛
العبيرُ،
أصابعُ الزيتونِ،
ليمونُ الخريفِ،
الطائرُ الليليُّ في غاباتِ عينيها،
ورائحةُ الصدى والحبرِ؛

تشهدُ أنّها أحلى نساءِ سلميةَ.

الفرسُ المجنَّحةُ
القصيدةُ
والصديقة
والحديقةُ في الجسدْ.

***

النايُ قلبي
والصدى المجروحُ هاويتي.
أقولُ: لعلَّ شخصًا آخرَ ارتجلَ الغناءَ
وأوقدَ الحنّاءَ في امرأةٍ
لها خصرٌ من البلَّورِ والصدفِ المضيءِ.
لعلَّ ظلًّا في الظهيرةِ
هبَّ من قمصانِ رغبتها

ليطردَ عن دمائي النومَ.

كان عبيرُ نهديها على مرمى احتراقِ
العوسجِ البشريّ
هل لصليبها أمشي؟
وهل بأظافر قزحيَّةِ الألوانِ تستهدي دمائي؟
أو أرى وجهي ليصبحَ قبضَ ريحٍ؟
تأكلُ الطيرُ الغريبةُ خبزَ أشعاري
وتشربُ خمرَ أسراري وترحلُ فجأةً عنّي.
انطفأتُ من الحنينِ،
من السرابِ،
ومن شموعٍ لا تضيءُ،
ومن قصائدَ لا تجيءُ،
ومن عصا الرؤيا،
ومن شبقِ التفتُّحِ في ورودِ الصيفِ؛
من عصبيَّةِ الشعراءِ في الفشلِ الذريعِ،
وفي اجتراحِ المعجزاتِ.
إذنْ سأكتبُ ما أُريدُ:
لجيدِ تلكَ المرأةِ الذهبيِّ،
للنسيانِ.. للحُبِّ السريعِ،
لشاعرٍ فوقَ الصليبِ،
لجهلةٍ في الأربعينْ.

***

كمن يعانقُ عنقاءً

وينفضُ عن عينيهِ ذرَّ غبارٍ من حرائقها
ينسى قصائدَها الزرقاءَ

يكسرُ صلصالَ استداراتِها الأولى كعاشقها
يضمُّ أوركيدةً في جسمِها فيرَى
ما لا يَرى في سواها من حدائقِها.
كمن يُقبِّلُ عينيها على ظمأٍ
لملحِ ليلكها أو شهدِ دافقها.

***

هل أتركُ القمرَ المحطَّمَ في سريرِ الحُبِّ
كامرأةٍ تزنِّرُ خصرَها بالزعفرانِ وبالكنايةْ؟
لا الماءُ في العُشبِ القليلِ
وفي قصائدِ شاعراتِ الليلِ؛
لا ولهُ العناقِ،
ولا المزاميرُ الحديثةُ؛
لا التململُ في الظهيرةِ؛
لا الكلامُ الفوضويُّ عن الصداقةِ؛
لا الصداقةُ؛
لا الحنينُ الهامشيُّ
ولا الغوايةْ؛
تكفي لأجمعَ من حدائقِها الكثيرةِ ما اشتهى نحلي
من الزهرِ المعلَّقِ في جهنمَّ!
هل رجيمًا صرتُ يا امرأةً
تفسِّرُ حزنَها الدهريَّ بالنعناعِ؛
فتنتَها بطعمِ الشهدِ بالليمونِ؛
سُرَّتَها بشمسِ بحيْرةٍ خضراءَ؛
قهوتَها برائحةِ ابتداءِ الصيفِ؛
رغبتَها بضوءٍ لا يُرى ويُمسُّ؟
آهًا منكِ يا امرأةَ النهايةْ.

***

أتبعُ أنفاسي وهي تخرجُ على هيئةِ فرسٍ تارةً،
وعلى هيئةِ شجرةِ ليمونٍ تارةً أُخرى.
أتبعها مغمضَ العينين،
كما يتبعُ العاشقُ خيالَ المعشوقِ،
والشاعرُ قصيدتَهُ،
والبحرُ غيمةً عطشى.

***

حكمةُ اليومِ:
لو كنتِ سيَّدةً ليتامى الكلامِ،

إذن لتعاليتِ عن جرحكِ العاطفيِّ
كما تفعلُ الملكاتُ.
ولو كنتِ سيَّدةً للرمالِ وللأبجديَّةِ،
لو كنتِ.. لو...
لسمعتِ المحارَ الذي في دمي

وأنينَ الرخامْ!
ولو كنتِ سيِّدةً للمرايا التي يستحمُّ بها مطرٌ هامشيٌّ
وتطفو زنابقُ أوفيليا فوقها في الظلامْ،
لأحببتِ لي ولنفسكِ ما تشتهينَ لنفسكِ!
لو كنتِ.. لو...
لأضأتِ بعينيكِ قلبَ الرماديِّ،
أو لسكنتِ هديلَ الحمامْ.

***

لي صديقٌ يفكِّرُ كيفَ يقايضُ خمسةَ آلافِ شاعرة افتراضيَّة بامرأةٍ حقيقيَّةٍ

لا تكذِّبهُ حينَ يحلمُ أو حينَ يقصُّ رؤياهُ ليلًا عليها؛
يناولها الماءَ؛
يمسحُ عنها الغبارَ النظيفَ الذي لا يُرى،
ويغازلُها في طريقِ الغدوِّ القصيرِ؛
يشدُّ على يدها ويقبِّلُها في السُرى.
لي صديقٌ جميلٌ غريبٌ عن الحيِّ
يحلمُ طولَ النهارِ،

وينسى العصافيرَ خلفَ السياجِ

وزنبقةً في كتابِ المزاميرِ
أو أثرًا لأصابعِ قارئةٍ في الخريفِ
تحاولُ أن تمسحَ الحزنَ من دونِ جدوى ببعضِ ذرورِ الفراشاتِ
أو تشعلَ الشهوةَ المطفأةْ.

***

حلمتُ ليلةَ البارحة بالجواهري؛
كان يجلسُ على كرسيٍّ هزّاز،
وكنتُ أضغطُ بكلتا يديَّ على يدهِ اليمنى،
فيما ركبتايَ تلتصقانِ بالأرض.
نسيتُ ما قالهُ لي،
ونسيتُ قصيدتي التي أعجبتْهُ.
قبلها بيومين، حلمتُ بفيدريكو غارسيا لوركا
كُنَّا نتناولُ قهوةً بالحليبِ على إحدى شرفاتِ غرناطةَ
وسقيفةٌ من اللبلابِ تعرِّشُ فوقنا.
قال لي بعذوبة بالغة:

"القصيدةُ أبسطُ ممَّا تظنُّ يا صديقي
القصيدةُ حمامةٌ تهدلُ على نافذةِ قلبك
أو قمرُ نعناعٍ يضيءُ وحدتك النهاريَّة."
حلمتُ قبلَ شهرٍ بامرأةٍ شَعرُها طويلٌ وشديدُ السوادِ
تشبهُ دليلةَ شمشون
دوَّختني برقصِها وبرائحةِ تبغها.
وعندما نمتُ،

قصَّتْ ضفائرَ قصائدي كلَّها وغادرتني.
تركتْ رسالةً صغيرةً تقولُ فيها:
"الحُبُّ وردةٌ تتفتَّحُ في الدركِ الأسفلِ من الجحيمِ."
حلمتُ قبلَ عامٍ بوطنٍ مهجورٍ
يدلُّني على رغباتي البعيدةِ بفراسةِ بدويٍّ؛
عندما يضحكُ ينهمرُ الملحُ من دموعهِ البيضاء
ليسقي نخلتهُ اليتيمةَ.
الشيءُ الوحيدُ الذي لم أحلم بهِ بعدُ
هو بحرٌ بلا آخرٍ

 يسكبهُ اللهُ على أعصابِ شاعرٍ تحترق
مثلَ جميزةٍ في الأساطير الفرعونيَّة.

***

أُحاولُ أن أهدأَ الآنَ
بعدَ انهياراتِ روحي على الرملِ،
بعدَ احتراقاتِ قلبي على الماءِ،
بعدَ الندمْ

على ما أضعتُ من الشِعرِ والفرَحِ المختلسْ؛
بعدَ ظلِّ الصراخِ المكمَّمِ؛
بعدَ نداءِ الغريقِ على امرأةٍ في أعالي الجمالِ.
أحاولُ أن أتماثلَ للحزنِ أو للألمْ؛
بما قد يُعيدُ توازنَ روحي إليَّ،
ويُصلحُ ما أفسدَ الدهرُ من كهرباءِ الدماغِ وكيمياءِ قلبي،
وما في القصيدةِ من ضغطِ دمْ.
أُحاولُ إطفاءَ ما هو مشتعلٌ في دمائي،
وتهدئةَ الوردةِ الأنثويَّةِ ما بينَ نهدينِ بعدَ الهياجْ؛
ولا أستطيعُ سبيلًا لذلكَ يا امرأةً مزَّقتْ كلَّ قمصانِ عشَّاقِها ذاتَ ليلٍ؛
فنفسيَ أمَّارةٌ بالتنهُّدِ أو بالهوى،
ونفسُكِ أمَّارةٌ بالتوحُّدِ أو بالزواجْ.

***

جسدانِ من زيتِ الشموعِ
وراءَ نافذةٍ من اللبلابِ يشتعلانِ.
مزولتانِ: واحدةٌ لمعنى الماءِ
والأخرى لرصدِ الظلِّ في الألوانِ.
بوصلتانِ للفوضى،
ونرجستانِ للنسيانْ.

***

مَن تلكما الحوراءُ
سيَّدةُ القلوبِ
محارتي الزرقاءُ؟
مَن بضفائر جعديَّةٍ شعَّتْ على عينيَّ؟
مَن بقصائد سحريَّةٍ نزلتْ من الأعلى؟
ومَن لبياضها وهجٌ غنائيٌّ
لمشيتها الزنابقُ والوعولُ
وغيمةٌ ضلَّت طريقَ البحرِ؟
كلُّ معذَّبٍ بكلامها ضلِّيلُها الأبديُّ
عبدُ جمالها
وسليلُ خيبتها
وحارسُ وردها الليليِّ في شمسِ الرخامْ.

***

للظهيرةِ،

أمْ لهواءِ الزنابقِ
أمْ لأصابعِ تلكَ الفتاةِ الجليليَّةِ ارتجَّ قلبي عليَّ؟
سأمسكُ أطيافها بيديَّ
سأقبضُ يومًا على ظلِّها
باشتهائي وبالنزقِ العاطفيِّ.
الجليليَّةُ ابنةُ وردِ الخريفِ
تُسمِّي الغصونَ بأسمائها
وتربِّي الفراشةَ في صدرها
ربَّما صادفتني على درجِ الحيِّ
أو ربَّما غرَّرتْ بي
ولم أنتبهْ للسنابلِ في شَعرها.

***

أُحاولُ ألَّا أُحبَّ التي لا تُحَبُّ
وأن أكتبَ الآن شيئًا خفيفًا
كإلقاءِ زهرِ التحيَّةِ قبلَ المنامِ على الساهرينَ.
ولكنَّ كلبًا شريدًا
إذا ما أتتْ فكرةٌ للقصيدةِ يطردها بالنباحِ،
وشخصًا من السُكرِ يجأرُ في الشارعِ العامِ،
وامرأةً لستُ أعرفها في دمائي تئنُّ.
سأسهرُ حتى الصباحِ
لأكتبَ من دونِ جدوى،
وعندَ انتهائي سأرمي القصيدةَ في سلَّةِ المهملاتِ
وأذهبُ للنومِ.

فلسطين

اتّصل بنا من نحن دار الآداب