Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

إعادة إعمار بيروت:هل ينقلب السحرُ على الساحر؟

مقالات

 

 

بقي إرثُ رفيق الحريري حيًّا حتى يومنا هذا، بسياساته الاقتصاديّة التفقيريّة، كما بالثقافة النيوليبراليّة التي مازالت تحْكم الكثيرَ من القيم الاجتماعيّة وعلاقتنا بالملْكيّة وبالدولةِ وبالآخر. في بيروت بالذات، بعد أكثر من عشرين عامًا على بدء ورشة إعادة الإعمار، يبدو "البلد،" أيْ وسطُ بيروت "التجاريّ،" ميتًا خاويًا، إلّا عندما تحْييه الحراكاتُ السياسيّة.

 

حين انتهت الحرب، جاء رفيق الحريري بمشروعه "لإنقاذ" الاقتصاد، ولاسيّما عبر الاستيلاءِ على وسط المدينة وأسواقِها العتيقة، وفرضِ خطّته لـ "إعادة الإعمار."

كنتُ في العاشرة من عمري، وكان أبي المهندسُ المدنيّ يفسّر لي ــــ مشغوفًا بالخطّة وبصاحبِها ــــ الخرائطَ والرسومَ والصورَ، حاشدًا شرحَه بكلّ ما أوتي من توق المواطن البيروتيّ إلى رؤية مدينته تعود "أجملَ ممّا كانت" قبل الحرب. كنتُ أنظر إلى الخرائط وأقارنُها بما أراه أمامي في جولاتنا على "البلد،" غيرَ قادرةٍ على استيعاب كيف سيتحوّل كلُّ هذا الدمار إلى مساحاتٍ لامعة. وزاد في صعوبة تصوّري أنّ أهلي المحبّين لهذه المدينة كانوا يروْن فيها، شأنَ كثيرين وكثيراتٍ من معاصريهم، بقعةً عربيّةً داعمةً للقضيّة الفلسطينيّة؛ وكغيرهم من مواطني تلك الحقبة ضُرِبوا في الصميم حينما تحوّل الصراعُ القوميُّ مع "إسرائيل" إلى صراعٍ طائفيٍّ داخليّ. لذا تلقّف العديدُ من المتعبين من الحرب مشروعًا كان بمثابة التخلّص من هذه الحرب وغسلِ ذاكرتهم ــــ وربّما أيديهم ــــ منها أيضًا. وقد عمل الحريري، بكلِّ ما أوتي من قوةٍ ماليّة وإعلاميّة وأمنيّة، على تنفيذ هذا المشروع.

لم يَسْعَ [المخطّط]، مذ رُسِم على الورق، إلى جذب رؤوس الأموال وأصحابِها فحسب، وإنمّا سعى أيضًا إلى إقصاء الفقراء من الحيّزيْن الخاصّ والعامّ. وقد حاول فعلَ ذلك مستخدمًا أدواتٍ ثلاثًا: سُوق العقارات، والأمن، وإعادة كتابة تاريخ وسط بيروت.

اليوم، وبعد ربع قرنٍ تقريبًا على البدء بالإعمار، تمتدّ أمامنا أحياءٌ وأسواقٌ لا نفهمها. لقد فَقدت المدينةُ تعريفَها الخاصَّ لـ "الحيّز العامّ" حين تناثرَ وسطُها، الذي كان يوزِّع الحياةَ على أرجائها، إلى قسميْن مستقلّيْن، يجمعهما فراغٌ من جدرانٍ تغلق بينهما. هكذا أكملتْ "إعادةُ الإعمار" ما بدأته الحربُ من انقسام، وثبّتت القسميْن "مدينتيْن" لا مدينةً واحدة. والحقّ أنّ هذا الوسط لم يوحّدْ قسميْ بيروت، ويا للمفارقة، إلّا في اغتراب سكّانهما عن أنفسهم، وعن بعضهم بعضًا، وعنها.

طوال سنوات، نجح الخطابُ التسويقيُّ لبناة "الداونتاون،" وبات، كما أراده مهندسوه: جاذبًا للسيّاح العرب بشكلٍ خاصّ. وقد اختبأ وراء هذا الشكل مخطّطٌ سياسيٌّ بامتياز، لم يَسْعَ، مذ رُسِم على الورق، إلى جذب رؤوس الأموال وأصحابِها فحسب، وإنمّا سعى أيضًا إلى إقصاء الفقراء من الحيّزيْن الخاصّ والعامّ. وقد حاول فعلَ ذلك مستخدمًا أدواتٍ ثلاثًا: سُوق العقارات، والأمن، وإعادة كتابة تاريخ وسط بيروت.

عمد المخطِّطون (متّبعين أهواءَ السياسيين الرأسماليين ورجالِ الأعمال) إلى فرضِ مقاييسَ عالميّةٍ تتخطّى ما كان موجودًا في لبنان في ذلك الوقت، من موادِّ بناءٍ وأساليبَ لإعادة الترميم. وبهذا ضمنوا أن يرمِّم أصحابُ المحالّ والمباني في وسط البلد ملْكيّاتِهم تبعًا لهذه المقاييس، ما يؤدّي إلى مضاعفة سعر العقار عشراتِ المرات؛ فإذا عجزوا عن الإيفاء بما اتُّفِق عليه، عمدتْ شركةُ "سوليدير" التي أنشأها الحريري وسلّمها عمليّةَ ترميم "البلد" ــــ في مثالٍ صارخٍ على تضارب المصالح بين السياسيّ ورجل الأعمال ــــ إلى تحديد السعر الذي تحدّده، ومن ثمّ تقوم هذه الشركةُ بترميم العقار بحسب هذه المقاييس أيضًا.

أذكرُ أنّ والدي عمل على عددٍ من مباني الشوارع المتفرّعة من البرلمان، وكان يشرح لي دفترَ المواصفات، مفنِّدًا الإسرافَ الفظيعَ المفروضَ على "تجميل" المباني. كان الهدف من وضع هذه المقاييس مضاعفة أسعار العقارات، فضلًا عن تحديد معايير "جماليّة" جديدة للمباني وللمدينة. وكنتُ أنظر إلى الرسوم المنظوريّة التي يريني إيّاها أبي (بفخر) وأتساءل: "من سيعيش هناك؟" وهذا بالضبط ما فعلتْه المقاييسُ المفروضةُ حين حدّدتْ أيضًا أسعارَ العقارات الجديدة: فحدّدتْ مَن يستطيع أن يعيش هناك، ومَن يمكن أن يبيع، وما يمكن أن يباع هناك؛ وحدّدتْ من لا يستطيع أن يعيش هناك، ومَن لا يمكن أن يبيع، وما لا يمكن أن يباع هناك؛ وبذلك عزلتْ قلبَ بيروت عن باقي المدينة والمناطق عامّة.

هذا في ما يتعلّق بالملْكيّة الخاصّة. أمّا الملْكيّة "العامّة" فلم تعد عامّةً تمامًا بعد أن فقدت الدولةُ سلطتها على الأرصفة والشوارع والجنائن والساحات حتى نهاية فترة العقد مع "سوليدير،" وعَهدتْ بها إلى موظّفين جدد، رأيناهم للمرّة الأولى بعد الحرب: إنّهم موظّفو الأمن.

بحجّة حماية الأماكن العامّة من "التخريب" وحفظِ أمن المواطنين، ذكورًا وإناثًا، أصبح لموظّفي الأمن الحقُّ في منع إدخال مَن لا يروْنهم "مؤهّلين" لذلك، بحسب المظهر واللكنة وأيِّ مؤشِّرٍ آخرَ يمكن أن يَدلّ على أنّهم ينتمون إلى طبقة الفقراء أو إلى مخيّمٍ فلسطينيٍّ مثلًا. وقد برّر مديرو المشروع وداعموه هذا الإقصاءَ الانتقائيّ بأحقّيّة الطبقة العليا من المجتمع بالاستجمام والاستمتاع، لا ضمن ملكيّتها الخاصّة فحسب، بل تعدّى ذلك إلى ما يحيط بها أيضًا. كما برّروا ذلك بالاعتماد على سرديّةٍ تاريخيّةٍ جديدة، زاعمين أنّ "المعرض" و"الأسواق" و"ساحة الشهداء" كانت دومًا أماكنَ ارتيادِ الطبقة الأرستقراطيّة. وهذا ما زاد من إحساس الفقراء، ذكورًا وإناثًا، بعدم انتمائهم إلى هذه المنطقة، وعدمِ وجوب زيارتها.

حاول هذا المشروع، بالإضافة إلى منع استخدام الفقراء لهذا المكان بشكل يوميّ، أن يمنع وجودَهم السياسيّ، أن يكون "معقّمًا" منهم، عصيًّا على التغيير، وخارجًا عن النشاط والواقع السياسيّ للبلد ككلّ. لكنْ خاب ظنُّ المخطّطين؛ ذلك لأنّ المظاهرات، حين تحصل، تتوجّه إلى البرلمان، أو السرايا الحكوميّ، أو ساحة عصّور (أصلها "على السور" وأصبحتْ فيما بعد "ساحة رياض الصلح")، أو ساحةِ الشهداء، أو أيٍّ من المباني الحكوميّة الموجودة في "البلد." وكان على الحكومات المتتالية أن تغلق أجزاءً مختلفةً من "البلد" من أجل حماية نفسها وسكّانِ المنطقة والمحالِّ ذاتِ البضائع الفاحشةِ الثمن.

حدث، إذًا، ما كان رأسُ المال يخشاه ويعمل جاهدًا على منع حدوثه: فقد تحوّل "البلد" إلى مكانٍ سياسيٍّ بامتياز، واحتلّه"الفقراءُ" (ومَن معهم من مستضعفين ومستضعفاتٍ ويساريين ويساريّات)، مرّاتٍ ومرّات، وأصبح ــــ رغمًا عن مخطَّطات ناهبيه ــــ مكانًا حيًّا متنوّعًا مستجيبًا لحاجاتهم وحاجاتهنّ.

أذكرُ أنّني كنتُ خارجةً، لاهثةً، من إحدى المظاهرات الأخيرة التي كنّا نواجَه فيها بالضرب وقنابلِ الغاز المسيّلِ للدموع. بعد أن ارتحنا قليلًا قلتُ لصديقي، وقد خلا المكانُ من الجموع:

"لم يكن هذا المكانُ حقيقيًّا قبل أن نأتي إليه. لم أره يومًا منتميًا إلى الناس، وطيّعًا بين أيديهم، كما هو اليوم بعد نزولنا إلى الشوارع. كم تغيّر "البلد" بعد المظاهرات؛ لقد أصبح وسطَ المدينة وقلبَها حقًّا!"

لكلٍّ منّا علاقةٌ خاصّةٌ ببيروت، وإنْ لم  نَعِها. وبينما ننشغل تحت ضغط الحياة اليوميّة والاهتماماتِ العديمةِ المعنى، تتسرّب المدينةُ من بين أصابعنا كالرمل الأبيضِ الرقيق، فننسى ما كانته، وما صارت عليه، وكيف صرنا بسبب ذلك التحوّل.

لقد أعاد رأسُ المال "إعمارَ" المدينة بشكلٍ يمنعنا من الاستمتاع بها إلّا حين نصرفُ المال من أجل أبسطِ الحقوق. فلقد حوّل المساحاتِ العامّة إلى سلعة، وحدّد حقَّ استعمال المساحات الخاصّة (من منازلَ ومحلّاتٍ ومكاتبَ وغيرِ ذلك) بحفنةٍ قليلةٍ أجنبيّة أو "نخبةٍ وطنيّةٍ" من حاشية السلطة ومموّليها وبعضِ المغتربين اللبنانيين في الخليج وأفريقيا بشكل خاصّ. التغيير الذي طرأ على بيروت بسبب رأس المال لم يغيّر شكلَ العمران وحده، بل وظيفتَه وعلاقتنا به وبالحيّز العامّ أيضًا. لكنّ رأس المال أفلح أيضًا في جعل "البلد" المكانَ الأوّلَ والأساسَ للاحتجاج عليه، وللتحرّك السياسيّ ضدّه.

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب