Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

إنتاج المعرفة التحرّريّة في سياق استعماريّ (ملفّ 2)

مقدّمة ملفّ

 المساهمون (ألفبائيًّا): أباهر السقا، أميرة سلمي، وسام الرفيدي

 

يواجه المثقفُ العربيّ والفلسطينيّ حالةً من الاغتراب تستوجب البحثَ في أسبابها قبل أن تتجذّر فيصعبَ اقتلاعُها.

عند التمعّن في أسباب هذا الاغتراب يمكن أن نبدأ بموضوع غياب المثقف المشتبك أو العضويّ، المسؤولِ عن تشخيص المرحلة وتحديدِ المعوِّقات الفكريّة والبنيويّة، خصوصًا لأنّ الاستعمار يَستهدف ــــ ضمن ما يستهدف ــــ الثقافةَ العربيّةَ من أجل إحباط فاعليّتها في مواجهته. فالثقافة المعولمة تحاول أن تُحلّ محلَّ الثقافة الوطنيّة ثقافةَ الخضوع والاندماج في سيرورة العولمة، وتحاول أن تُحلَّ محلَّ المثقف العضويّ أو المشتبك (أمثال الشهيديْن باسل الأعرج وغسّان كنفاني) الباحثَ التقليديَّ الذي يقوم بالأبحاث من أجل الترقية الأكاديميّة أو الرزق فقط.

إنّ الغزو الأمريكيّ المعولم على منطقتنا لا يهدف إلى استغلال الموارد الماديّة والبشريّة فحسب، بل يهدف أيضًا إلى إعادة صياغة المنطقة العربيّة على المستوى الجيوسياسيّ والفكريّ ليتلاءم مع مصالحة واستراتيجيّته. وهذا ما يحدث الآن في الوطن العربيّ نتيجةً لغياب الأنظمة الوطنيّة والديمقراطيّة، ونتيجةً لتبعيّتها لقوى الاستعمار.

ثمّ إنّ اغتراب الباحث والمثقف يمكن أيضًا أن يكون مصدرُه الدمارَ الشاملَ لما هو مضيءٌ في مجتمعاتنا. فالحضارة العربيّة والإسلاميّة، والثقافة الوطنيّة التي تمثّل تراكمًا تاريخيًّا لتجربة الشعوب ووجدانها ومقاومتها، يجري تدميرُهما من خلال الحروب الاستعماريّة المفتعلة بالوكالة. هنا يختار بعضُ المثقفين العزلةَ، وتستمرّ قلّةٌ أخرى في إنتاج المعرفة النقديّة والتحرّريّة التي تهدف إلى إيجاد حلول للتغيير الاجتماعيّ الإيجابيّ.

***

تشبه أزمةُ المثقف الفلسطينيّ أزمةَ المثقف العربيّ، ولكنها تختلف عنها إلى حدٍّ ما أيضًا. فالوضع الفلسطينيّ يتّسم بتشابكِ مرحلتين:

ــــ مرحلة تحرّر وطنيّ لم تنجِز استقلالًا وطنيًّا.

ــــ ومرحلة "بناء مؤسّسات الدولة الفلسطينيّة." وهذه الأخيرة شهدتْ تقزّمَ الدولة إلى مجرّد "حكمٍ ذاتيّ" يَعتمد كلّيًّا على التمويل الخارجيّ؛ حكمٍ مسلوبِ الإرادة السياسيّة والاستقلال والسيادة.

في هذه المرحلة من التاريخ الفلسطينيّ، إذن، تختلط المقاومةُ الوطنيّةُ التحرّريّة بمأسسةٍ مزّيفةٍ لـ"الدولة الفلسطينيّة" على أجزاءٍ من الضفّة الغربية وقطاع غّزة؛ أجزاءٍ محْكمةٍ بالإغلاق والحصار والجدار العنصريّ. فالحق أنّ "النشوة الماليّة،" المتمثّلة اليوم في العقارات والبنوك والفنادق والمقاهي في بعض المدن الفلسطينيّة، تشترط استقرارًا سياسيًّا ونموًّا اقتصاديًّا ــــ وكلاهما غائبٌ بسبب الاستعمار الاستيطانيّ الكولونياليّ الذي لا يَترك أيَّ فرصةٍ حقيقيّةٍ لبناء دولةٍ ذات سيادة تتحكّم بمواردها البشريّة والماديّة.

هذا الاشتباك المزدوج أثّر في الباحثين والمثقفين:

ــــ فمنهم مَن أصبح بوقًا للسلطة في مشاريعها الليبراليّة الجديدة لتبرير خطط المموِّلين (وأهمُّهم البنكُ الدوليّ) من أجل ضخّ الأمل الواهم في نفوس الفقراء بأنّ "الفرجَ" بات قريبًا فانتظروه؛

ــــ ومنهم مَن عُزل وهُمِّش لأنّ خطابه لا يتناسب مع المرحلة.

إنّ ضياع (أو ضعف) نموذج "المثقف المشتبك" مع الواقع من أجل تغييره مشكلةٌ حقيقيّةٌ لمستقبل العلوم الاجتماعيّة ولعمليّة إنتاج المعرفة التحرّريّة. ففي هذه الحالة يَستدخل المثقفُ الواقعَ كما هو، ويعيد إنتاجَ الخطاب المهزوم لأنّه يرى المرحلةَ "أكثرَ تعقيدًا" ممّا يمكن أن يقدّمَه من وعي سياسيّ ووطنيّ واجتماعيّ ومن تطوير لآليّات المواجهة. هذا ناهيكم بفكّ الارتباط بين الوعي والممارسة، أو بين العلوم الاجتماعيّة والسياسة. ففي معظم الأحيان، يكون البحثُ خاضعًا لتمويلٍ أجنبيّ، فتمنعه شروطُه من أن يكون موضوعيًّا؛ أو تغيب عن الباحث أهميّةُ اعتبار البحث آليّةً للتغيير والمقاومة، فلا يَخدم المواطنَ في نضالاته اليوميّة؛ أو تكون "المعرفةُ الوازنة" التي يستند إليها هي التقاريرُ الدوليّةُ عن المجتمعات العربيّة وفلسطين، مع أنّ التشخيص فيها كثيرًا ما يخفي الحقائقَ أو يشوّهها.

***

ومع ذلك ثمّة قلّةٌ من المثقفين والباحثين الجدّيّين الذين بقوا مخْلصين لإنتاج معرفة تحرريّة تعبّر عن مآسي شعبهم، وتنتقد السياساتِ التنمويّةَ التي تعمّق التبعيّةَ وتسلِّع التعليم. ولقد استمرّت هذه القلّة في دورها الوطنيّ، مع أنّها في مواجهة مستمرّة مع المؤسّسات التقليديّة التي تسعى إلى التقليل من قيمتها البحثيّة، وإلى استثنائها من الفعّاليّة والتأثير. وهذا الملفّ يعبّر عن جانب من هؤلاء الباحثين.

فمثلًا تحدِّد ورقةُ وسام الرفيدي سِماتِ الباحث المشتبك في الحالة الكولونياليّة، وذلك في جوانب مختلفة، منها: المشروعُ الاستعماريّ الصهيونيّ في فلسطين، والتطبيعُ مع المشروع الصهيونيّ، والحزبيّة في مواجهة العائليّة والجهويّة والأنجزة (المنظّمات غير الحكوميّة)، والعنفُ الشعبيّ كممارسة سياسيّة/ اجتماعيّة. وتتناول ورقة أميرة سلمي إشكاليّة "ثوريّة" المثقف، وتبحث عن العوامل التي تحدّ من روحه الثوريّة. أما ورقة أباهر السقا، فتعرض بعض سمات العلوم الاجتماعيّة في فلسطين، وتحلِّل بعضَ السجالات الدائرة حول الالتزام المعرفيّ والمجتمعيّ في فلسطين.

                                                                                   جامعة بيرزيت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب