الإسلام والنيوليبراليّة في عالمنا الحاليّ: مقابلة مع عبد الصمد بلحاج
15-10-2016

 

أجرتها: بيانكا شبيدل

نقلها إلى العربيّة وقدّم لها: داني ناصيف 

يهرب اليوم اللاجئون، وأغلبُهم مسلمون، من الحرب كما يهربون من الفقر. معظمُهم يهرب من بلادٍ تختنق من فائض المال؛ بلادٍ يحكمها زعماء فاحشو الثراء باسم "الإسلام،" بينما يغرق شعبُها في الفقر والنسيان. يهربون بحرًا إلى أوروبا، في وقتٍ تُنفق فيه أنظمتُهم ملياراتِ الدولارات على بناء المساجد حول العالم. وبينما تحتضن أوروبا اللاجئين الجزائريين، تفتتح الجزائرُ جامعًا تقدّر كلفتُه ب 1.3 مليار دولار، وتتبرّع السعوديّة ببناء 200 جامع في ألمانيا وبتدشين بابٍ من ذهب للكعبة كلفتُه 3.6 مليون دولار. أما اردوغان فيفتتح المركزَ الثقافيّ الإسلاميّ في ميريلاند بكلفة 100 مليون دولار، وجامعًا في استنبول بكلفة 47 مليون دولار، وجامعًا في ألبانيا كلفتُه 38 مليون دولار، وقصره الرئاسيّ بكلفة 615 مليون دولار. وهذا غيض من فيض. والغريب أنّ جزءًا من هذا الشعب الهارب من الفقر والحاجة لا يزال مؤيّداً لهؤلاء الحكّام.   

تعيش شعوبُ المنطقة حاليًّا حالةً من التطرّف المذهبيّ في غياب أبسط الخدمات الاجتماعيّة، فيما ينعم زعماؤها بثراء مخيف. تحت أيّ نظام استطاعت دولُ الشرق الأوسط أن تجمع بين النيوليبراليّة والإسلام المتطرّف؟ لمحاولة الإجابة على هذا السؤال أنقل إلى العربيّة مقابلة كانت قد اُجريت مع الباحث المغربيّ الأصل عبد الصمد بلحاج الذي يدرّس في إحدى جامعات بلجيكا. أجرت المقابلة بيانكا شبيدل  http://gatesofvienna.net/2016/07/sharia-and-the-moral-economy-of-islam-in-the-west/:  

 

حاضرتَ مؤخّرًا في بروكسل عن علاقة المسلمين بالحاجات الماديّة، ووصفتَ كيفيّة استفادة الاقتصاد النيوليبراليّ من الشريعة التي تنظّم حياةَ المسلمين. كيف توصّلتَ إلى هذا الاستنتاج؟   

خلال دراستي لمظاهر الأشكال المختلفة للإسلام الأوروبيّ، عثرتُ على ظاهرة "الاقتصاد الأخلاقيّ" (moral economy). وبه أعني نظامًا اقتصاديًّا غير رسميّ، يَنظر إلى أعمال الرحمة الدينيّة والثقافيّة المطابقة للقوانين الإسلاميّة كأنها سلعٌ في السوق، ثم يَستخدم نجاحَه الماليّ لإثبات التفوّق الأخلاقيّ للإسلام. هذا النظام الاقتصاديّ كامن في صلب المبادئ الأساسيّة للإسلام وفي واقعه المجتمعيّ، ويعتمد على حبل أفكارٍ دائريّ: كلُّ ما يتمّ تنظيمُه من خلال الشريعة لا بدّ من أن يكون جيّدًا، ولذا يجب أن يكون كلُّ ما يعمل منظّمًا من خلال الشريعة. لكنْ يبقى الاقتصادُ الأخلاقيّ كتيمًا ومراوغًا، وإنْ شهر نفسه بأنه عادل وأخلاقيّ. أتتني الفكرة موضوعًا للبحث عندما شرحها أحدُ قادة المجتمع المسلم في بلجيكا كالآتي: "لئن أمكن تبريرُ الاصلاح في الإسلام بأعذارٍ أخلاقيّة، فإنّ أيّ انحراف عن الإسلام التقليديّ سيكون كارثيًّا على المجتمع [الإسلاميّ]". هذا ما أسمّيه اقتصادًا أخلاقيًّا، وهو ليس إلّا النموذج الاقتصاديّ للإسلام.

لقد ذكرت خلال المحاضرة أن " الحيازة [أو الامتلاك] أداةُ الدين [الإسلاميّ]". كيف يمكن أن يصبح اللاهوتُ اقتصادًا؟

للاقتصاد الأخلاقيّ شروط دينيّة واقتصاديّة مترابطة ومسبّقة. بشكل مبسّط: إذا كان لديك مالٌ، فإنّ الدين هو السبب؛ وحيث يكون الدينُ يكون المالُ أيضًا، بالاستناد إلى [سياسة] إعادة التوزيع من خلال الدين. ففي الإسلام كلُّ ممتلكات الدنيا ملْكٌ لله: حين يمنحها إنسانًا ما، فإنّه يتوقّع من المؤمن، في المقابل، أن يستعملها كلَّها لخدمة قضيّة الله. القانون الوحيد الصالح، الشريعة، يستحوذ على كلُّ الثروات، ثمّ يرصدها لأغراضٍ دينيّة، فتكون بذلك للشريعة سلطة تنظيم توزيع هذه الثروات. بالنسبة إلى المؤمن، الثروة تأتي من عند الله، لا ثمرةً للعمل المنتج. وكلّما زادت الثروة بين يديه، زاد اقتناعُه بضرورة إعادتها، على شكل هِبات إلى المسجد، ولمهمّات دينيّة، ولدعم الجهاد. بهذه الطريقة، ومن خلال التوسُّع والاستهلاك الدائميْن للموارد، يمكن تعزيزُ الاقتصاد الأخلاقيّ إلى أجلٍ غير مسمًّى. هذه العملية الدائريّة لها نتيجتان بالغتا الأهميّة: ثقةُ المؤمن بالله، وانعزالُه عن الدولة.

يعاني الناسُ الفقرَ في جميع أنحاء العالم الإسلاميّ. لماذا ما يزالون يثقون بهذا النظام؟

من منطق اقتصاد السوق والتفكير المتوجّه [حصرًا] نحو الربح، الوضع أكثرُ من مأساويّ. الفارق المهمّ في هذا التفكير هو أنّ المسلم المؤمن لا تراوده الشكوكُ التي يمكن أن تراودَ الرجلَ الغربيّ. أحد الأعمدة الأساسيّة للاقتصاد الأخلاقيّ هو عدمُ فصل الثقة بالذات، والصبرِ، والتفاني، عن الإيمان بالله. حصيلة ذلك أن نرى هذا اليُسْرَ في مختلف المؤسّسات الدينيّة، وفي بناء الجوامع. هذه العلاقة مع الثروة تفسّر عمليّة الأسلَمة التي بدأتْ في السبعينيّات، والتي موّلها ما يُسمّى اقتصاداتُ النفقة (allowance economies)، وارتكزتْ على مبيع البترول. اقتصاد النفقة هو استعمال الأرباح الناتجة من الموارد الطبيعيّة أوالخدماتيّة، وإعادةِ توزيعها. ايران والسعودية استعملتا هذه الثروة لأسلمة الجاليات المسلمة في أوروبا وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. تنظران إلى الأرباح  كأنها هديّة من الله يجب أن تُصرف على نشر الإسلام السياسيّ المحافظ. والنتيجة واضحة للعيان، وهي تفشّي السلفيّة والشيعيّة وتمويل [تنظيم] الدولة الإسلاميّة. إنّ في داخل الاقتصاد الأخلاقيّ عناصرَ مستقلّةً ومتباينةً، مثل: اقتصاد الهِبات (gift economy)، والنظرة الإسلاميّة إلى الثروة الماديّة، والمعاملات الدوليّة، والعلاقات التجاريّة العائليّة أو العشائريّة غير الرسميّة، وطبعًا أهميّة الزيادة السكانيّة.

ماذا تعني بـ"اقتصاد الهِبات"؟ الأرباح التي تخدم قضيّة الله؟

في اقتصاد الهِبات، الأشياء الثمينة لا تُستبدل ولا تُباع، بل تُقدَّم مجّانًا. يتبرّع أحدُهم بماله لبناء جامعٍ مثلًا، وهو ما يقوّي هويّةَ الجماعة، ويجعل ذلك الشخصَ مستفيدًا من الاقتصاد الأخلاقيّ. هذا يتعارض تمامًا مع اقتصاد السوق، حيث يُدفَع ثمنُ البضائع والخدمات. اقتصاد الهِبات اقتصادٌ "مقدّس،" بمعنى أنّ لكلّ نشاط اقتصاديّ دلالاتٍ دينيّةً: من التدبير المنزليّ، إلى السوق. إحدى نتائج ذلك أنّ بإمكان أحدهم إرسالَ مساعداتٍ إلى منظّمات متطرّفة في بروكسل من دون أن يعي أبدًا أنّ ما يقوم به فعلٌ ماليّ أو مخالف للقانون؛ ذلك أنه مقتنع بأنّ فعله واجبٌ دينيٌّ لا غير.

إذاً، قانون الدولة وأيُّ قانون علمانيّ لا يعنيان الكثير؟ 

مقارنة بالقوانين المقدّسة (أو المقدسة زعمًا)، يغدو القانونُ البشريّ بلا وزن. إنّ رفع الاقتصاد إلى مرتبة "المقدَّس" يقوم على الشكل الآتي: يجب تسخيرُ كلّ عمل، وكلّ معاملة تجاريّة، أداةً لنشر الإسلام، ولضمان بقاء المجتمع الإسلاميّ وقوّته. المظهر النموذجيّ لاقتصاد الهِبات هو الجمعيّات الخيريّة الإسلاميّة. في أوروبا عادةً يتحكّم المسلمون، وخصوصًا في محيط الإخوان المسلمين، بهذه الجمعيّات، ويتمتّعون بعلاقات دوليّة تمتدّ من الولايات المتحدة إلى أندونيسيا، ويمدّون حركاتِ الدعوة اللإسلامية بالدعم، ويموّلون "حماس" ومنظماتٍ إسلاميّة أخرى. ولديهم مجموعات بزنس ومشاريع عديدة في أنحاء العالم وفي أوروبا.

لماذا إذًا يعطون، فيما هم بحاجة إلى مساعدة؟

لهذا النوع من النظام الاقتصاديّ بعدٌ كاريزميٌّ يجذب المهتدين. يَظهَر الاقتصادُ الأخلاقيّ أفعالًا يباركها اللهُ. في اللغة العربيّة تعبيرٌ محدّدٌ لهذا النوع من العناية الإلهيّة: "الرزق." وهذا يمكن الحصولُ عليه والاستفادة منه من دون سبب معيّن، بل فقط لمجرّد عمل الأخ المسلم بوصايا االله. إنّ استراتيجيّة الرزق تبعث برسالةٍ إلى المهتدي، مفادُها: "إذا خضعتَ لله وانضممتَ إلينا فستكون حياتُك مباركةً." المهتدي الجديد سيتعلم بسرعة كبيرة أنّ عليه أن يتبرّع كي يحصلَ على الهِبات. هذا النظام الذي يعيد توزيعَ الأموال يمكّن [الأخَ المسلم] من العيش على الهامش، بلا عمل، لما يقارب الثلاثين سنة، فيما هو ينجب ويتكاثر قدرَ الإمكان.

أين دورُ السياسة هنا؟

أدّت الأحزابُ الاشتراكيّة والديمقراطيّة ـــ الاجتماعيّة دورها في اقتصاد الهِبات من خلال تقديم خدمات اجتماعيّة ومقايضتِها بأصواتٍ انتخابيّة. كما دعمتْ بناءَ المساجد بالطبع. هذا التحالف أبعد الجماعاتِ المسلمة من الانصهار والتوظّف [في المجتمع الجديد]. عندما استلم الإسلاميون إدارةَ الاقتصاد الأخلاقيّ طمسوا [بقوتهم وتأثيرهم] السياسيين اليساريين. ولكنْ مع تقليص الحكومات النيوليبراليّة للخدمات الاجتماعيّة، يفتقر الاقتصادُ الأخلاقيّ إلى مصدر دخلٍ مهمّ، فيلجأ البعضُ إلى الإسلام المتطرّف، فيما يلتحق البعض الآخر بتيّارات أكثر اعتدالًا أعطاها النظامُ النيوليبراليّ دور الوسطاء.

 ما نوع العلاقة بين النظام الاقتصاديّ النيوليبراليّ والاقتصاد الأخلاقيّ الإسلاميّ؟

النظام الأول، حيث تؤدّي الدولة دورًا إداريًّا في الحدّ الأدنى، يحتاج إلى مجتمعٍ متكيُّف مع الحدّ الأدنى للمعيشة، حيث لا يكلّف الشعبُ الدولةَ أيّ شيء، ولا يجني إلّا ما يُمَكّنه من الانخراط في الاستهلاك الدائم. التماسك ضعيف جدًّا في مجتمعٍ كهذا بسبب غياب النظام الاجتماعيّ الداعم للشعب، وغيابِ القيم الثقافيّة المشتركة. هنا لا شيء في الحقيقة يجمع الناسَ بعضهم إلى بعض، ويتقلّص دورُ الدولة. تضعضع الطبقة الوسطى أمر لافت جدًّا مع تقلّص الخدمات الصحيّة والتربويّة لأنّ النظام النيوليبراليّ يقيس كلّ شيء بمعايير الكلفة/الفائدة. وإذا حافظت الحكومة على قدرة الشعب على الاستهلاك، وعلى نظام سياسيّ تعدديّ ديمقراطيّ، أفْلحتْ في تعزيز ثقة الشعب بالنظام.

في الاقتصاد النيوليبراليّ، كلّ من يستطيع إنتاج بضاعة أرخص سيستفيد بشكلٍ غير محدود، ومن المهمّ الحصول على يد عاملة رخيصة غير محترفة (كاللاجئين). الآثار الجانبيّة لهذه العمليّة هي فرزُ المجتمع إلى قطبيْن، وزيادةُ شعبيّة الجناح اليمينيّ. هدف النيوليبراليّة هو إنشاءُ مجتمعٍ لا يؤدّي الفقرُ "المستدامُ" فيه إلى ثورات، لأنّها [اي النيوليبراليّة] تحافظ على قدرة الشعب على الاستهلاك فيما هي تضبطهم من خلاله. وهذا ما أسمّيه "الفوضى المبدعة المضبوطة."

ولكنْ أين الإسلامُ من كلّ هذا؟

من بين جميع الديانات، الإسلام هو الدينُ الوحيدُ القادرُ، بشكله الحاليّ، المتطرّف أو المعتدل، على العمل من ضمن قواعد اللعبة النيوليبراليّة. بل إنّ بعضَ المبادئ الإسلاميّة الأساسيّة تنسجم مع المنطق الاقتصاديّ النيوليبراليّ.

وما هي هذه المبادئ؟

لا توجد في الإسلام سلطةٌ معياريّة عليا تستطيع فرض السيطرة. فالإسلام ينظر إلى نفسه كنظام يَصْلح لأن يكون نظامًا عالميًّا، قامعًا بذلك المشاعرَ الوطنيّة. بدلًا من منع عدة أمور، فإنّ الشريعة، التي تؤدّي دور الضابط الأساس، متساهلة جدًّا، على ما نرى ذلك في العديد من المأكولات التي تحظى بترخيص دينيّ (حلال) أو باختراع "بيرة حلال." وبفضل الاقتصاد الأخلاقيّ، يعمل النظامُ على إبقاء عدد كبير من الناس على قيد الحياة وإنْ بمدخول زهيد. وبذلك تجد "اليوتوبيا" النيوليبراليّة بيئتَها الطبيعيّة في ضواحي الإسلام، حيث لا وجودَ للدولة. إنّ مغزى هذه المناطق وقوّتها يكمنان في قدرتها على حشر أعداد متزايدة من السكّان.

إذًا فالمجتمعات الموازية هي آثار جانبيّة مرغوبة في هذا النظام؟

من بعض النواحي أجل. أعتقدُ أنْ لا سرديّةَ للنظام النيوليبراليّ تُقْنع الشعبَ. حقوقُ الإنسان، والكرامة الإنسانيّة، وحريّة التعبير، والرعاية الاجتماعيّة (التي تركّز عليها بشكل خاصّ الأحزابُ المسيحيّة ـ الديمقراطيّة)، بالإضافة إلى طبقةٍ وسطى قويّة: كلّ هذه الآن مثاليّاتٌ من الطراز القديم للنيوليبراليّة، وقد لا توجد إلّا كشعارات. كلّها تبدو باهظةَ الثمن بالنسبة إليها. انظرْ إلى حماس المفكّرين ورجالِ الأعمال النيوليبراليّين الغربيين لدى ترحيبهم بهجرة اللاجئين، وإلى الإعلانات المتكرّرة أنّ الإسلام يتناسق مع قيم النظام الأوروبيّ. إنّ شراكةَ الإسلام والنيوليبراليّة بنيويّة،  لا مجرّد مصادفة.

إذًا، قام النظامُ النيوليبرالي "بزواج مصلحة" مع الإسلام؟ وهذه العلاقة الرومنطيقيّة لا تخرّبها سياسة العزل الذاتيّ التي يمارسها المهاجرون؟

الموارد المتوافرة في العالم الإسلاميّ ليست أبديّة. عندما لا يعود الفقر أمرًا محتملًا يهاجر بعضُ الناس، ليستكملوا نمطَ الحياة الدائريّ الطفيليّ نفسه، ولكنْ في مكانٍ آخر. في سرديّات المسلمين [الإسلاميين]، تُشكّل الهجرةُ بدايةَ أسلمة أوروبا: فهم سيأخذون "الأرض الغنيّة" وسيغيّرون مستقبلَ الإسلام بتحويله من دين الفقراء إلى دين الأغنياء. وهذا بالطبع  يتناقض مع الواقع، إذ إنّ الفقراء سيجعلون أوروبا أفقر. إنّ الهجرة إلى أرض غير مسلمة لا يمكن تبريرُها [في تلك  السرديّات] إلّا إذ أوّلتها الجماعة [المسلمة] انتصارًا [للدين]. إنّ القوّة المدمِّرة للاقتصاد الأخلاقيّ الإسلاميّ تكمن في كون نظام الهجرة هائمًا لا نظامُا محلّيًّا منظّمًا. هم [الإسلاميون] يستخدمون الدخلَ ليثبتوا التفوّق الأخلاقيّ للإسلام: بالفائض السكّانيّ، والهجرة الدائمة، والتحوّل إلى الأسلمة من أجل زيادة أعدادهم في المجتمع، فيما هم يستنزفون كلَّ الموارد ويبحثون من ثم عن مناطق أخرى للاستنزاف.

هل هذا النظام فاعلٌ داخل أوروبا أيضًا؟

يعتمد الاقتصاد الأخلاقيّ في المجتمعات الأوروبيّة المسلمة على مصدريْن هما: البلدان الإسلاميّة، حيث السكّان على استعدادٍ دائمٍ لتلقي الهِبات، والمسلمون الذين يعيشون أصلًا في أوروبا. هذه ليست مجرد عنل خيريّ، بل سوق مجتمعيّة. ذلك لأنّ المسجد يجلب أرباحًا للاقتصاد الأخلاقيّ للجماعة [الجالية]. المسجد يشيّد المدارسَ، ويخلق منظّمات، ويفتتح متاجر، ويمتلك حسابات مصرفيّة دوليّة، ويؤمّن فرصَ عمل للشباب، ويتعاون مع الدول الإسلاميّة أيضًا. إذن، الأسلمة مصنوعة من أناس يراهنون عليها: عائلات، وعشائر، ورجال أعمال، وهم ليسوا سلطات دينيّة ولكنهم يعملون في سبيل الدين. ولديهم أيضًا مصالح ماليّة: أئمّة ومحامين متدينين يمثّلون السلطة ويمتلكون رأسمالها الرمزيّ.  لقد تناقشتُ مع شباب مسلمين يعيشون في أوروبا، واتّضح لي أنّهم ــــ حتى إنْ كانت علاقتهم بالدين غير وطيدة ــــ ما زالوا يعتقدون أنّ الإسلام هو النظام الاجتماعيّ الأفضل في هذا العالم الذي يبدو على طريق الانهيار. أحد الأمثلة هو اعتقادُهم أنّ عليهم أن يرسلوا أكثرَ من 4 بلايين دولار سنويًّا إلى المغرب لبناء البيوت والمساجد، وللمحافظة على العائلات الكبيرة، ولإيداع الأموال في حسابات مصرفيّة هناك، بينما هم يعيشون في أوروبا على الحدّ الأدنى من خدمات الدولة.

يعيشون في الفقر، بينما يبنون المساجد؟

إنّ البناء المستمرّ للمساجد هو مثال آخر. هذه الأموال لا تأتي من الدولة، ولكننا نستطيع أن نرى أنّ مجموعة صغيرة من المؤمنين قادرةٌ على بناء مسجد لهم خلال سنوات قصيرة فقط. كيف؟ من الهِبات [التبرّعات]. وبذلك تصبح آليّةُ الأسلمة هندسةً اقتصاديّة: تجنِّد الشبابَ للانضمام إلى الاقتصاد الأخلاقيّ والجهاد في الشرق الأوسط، وتتسبّب في نهوض طبقة إسلاميّة رأسماليّة في تركيا ومناطق أخرى من العالم الإسلاميّ. هذه كلها مظاهر من الاقتصاد الأخلاقيّ الإسلاميّ.

ما هي صلةُ الجهاد بالاقتصاد الأخلاقيّ؟ في بادئ الأمر يبدوان ظاهرتين مختلفتين.

كان لدى تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) مليارا دولار في ذروة نجاحه. تحفِّز الحركاتُ الراديكاليّة على الفوضى المنظّمة، وتُشدِّد على وعي الجماعة وأهميّة خنوع الفئة التي تعيش على الهامش، فيما هي أيضًا تبشّر بالفردوس في الحياة الآخرة، وبالنصر في الحياة الدنيا. المكافأة ليست نظريّة أو عصيّةً على الفهم، بالنسبة إلى الغربيّ. ففوضى الجهاد واقتصاد الحروب "مقدّسان،" وأمراء الحروب قدّيسون، والجرائم أعمالُ رحمة. وإذا أردتُ إعادة صياغة نظريّة بينيامين باربر،Jihad vs Mc-World ، لقلت إنّ الجهاديين يحبّون عالمَ الماك الميّت، ثمرةَ الاقتصاد والمجتمع الغربيّين. الحركات الإسلامية والهجرة الإسلامية تبيّن كيف ان عالم ماك يروق لـ"الجهاد." فجزئيًّا تَحْضر [لدى الجهاديين] الرغبةُ في الغرب الأنيق ونمط حياته المسرِف؛ ولكنّهم ــــ كما تُظهر كارثةُ الجيلين الثاني والثالث ــــ لا يستطيعون أن يمتلكوا ذلك. هذا سبب قوة [خيار] العنف. فالجهاد تحفّزه سرديّةٌ دينيّة وقياميّة، تركّز على تدمير الغرب الكافر والنصر النهائيّ للإسلام. والواقع أنّ ذلك كلّه يخدم مصالحَ اقتصاديّةً، فيما هو يَخلق وهم تحقيق الذات الدينيّ. إنّ خلق الرعب يقوّي الاقتصادَ الأخلاقيَّ الإسلاميّ، ويُظهر تفوّقه لأتباعه، فيما هو يحضّر للنصر الموعود منذ زمن طويل.

وهل ما زالت النخبة النيوليبراليّة تريد المهاجرين المسلمين؟

الهجرة مفيدة جدًّا لنموذج نيوليبراليّ عالميّ من أجل إزالة الحدود بين الأوطان، وإيجاد مجتمعات الحدّ الأدنى. غير أنّها مُضِرّة جدًّا للمواطنين الأوروبيّين. تبيّن التكلفةُ المبدئيّة لاستضافة الملايين العديدة من اللاجئين مردودًا متوسّطَ الأجل مع أجور منخفضة، في حين يصبح المواطنون الأوروبيون الأصليون أفقرَ لأنّ متوسّطَ ​​الأجور سوف ينخفض وترتفع البطالة. وبحسب قواعد النيوليبراليّة سيَحكم السوقَ المنتِجُ الأرخصُ، ولذلك يتطلّع النظامُ إلى هجرات المسلمين مصدرًا قليل الكلفة للربح.

إذًا يقع الإرهابُ في خانة الآثار الجانبيّة السلبيّة؟       

تمامًا! إنّهم [أي النيوليبراليين] يستخفونّ بمنبع عامليْن خطريْن، ولا ينظرون إليهما إلّا في وصفهما مشكلتين إضافيتيْن. الأول حقيقة أنّ اعتماد الاقتصاد الأخلاقيّ الإسلاميّ على استنزاف الموارد أمرٌ خارجٌ عن السيطرة، ويدمّر المجتمعَ، ويسبّب انحلالَه، ومن ثم انهياره. الثاني هو أنّ الجهاد يشكّل جزءًا لا يتجزّأ من الاقتصاد الأخلاقيّ للإسلام، ما يبين بشكل واضح جدًّا أنّ العنف وسيلةٌ لا غنى عنها للرزق والبقاء. النيوليبراليون يستهينون بهذين الخطرين، ويرحّبون بمكاسب السوق الآنيّة التي تجنيها الجالياتُ [الإسلاميّة] الانعزاليّة التي تعتمد إعادة توزيع الأموال وتموّلها دولٌ تمتدّ من ماليزيا إلى الولايات المتحدة بعد انتهاء الخدمات الاجتماعيّة الحاليّة.

أظهر تحقيقٌ نُشر في المانيا منذ مدّة ليست بالبعيدة أنّ المسلمين المقيمين في ألمانيا يهتمون باتّباع الشريعة أكثر من قوانين الدولة. ما هي الأدوات التي تملكها الحكومات؟

أولًا، يَلزَم الدولةَ سلوكٌ جديد: عليها أن تخاطب الفردَ، لا الجماعات. يجب ألّا تتكيّف مع مطالب الإسلاميين، مثلما أنّ عليها ألّا تتكيّف مع مطالب اية مجموعة مهاجرة لأخرى. على المهاجر كفرد، أن يتكيف مع البلد المضيف. وهذا يتطلّب استراتيجيّة متماسكة من قِبل الدولة، تتضمّن عقدَ انصهارٍ صارمًا يشدّد على أهميّة الانصهار الثقافيّ والإجتماعيّ، وأهميّة القوانين، والمعاييرِ الأخلاقيّة، ونمطِ الحياة المقبول المتوقّع من قبل هذا المجتمع المضيف. لقد بنت المجتمعاتُ [المضيفة] اقتصادَها على معايير تعدُّد الثقافات، وهي الآن في صدد تقبّل الفوضى التي تحْدثها أفواجُ المهاجرين. وهذا يَخدم فقط نظامَ التحكّم ضمن اقتصادَ النظام النيوليبراليّ، فيما هو يقود أوروبا إلى الانهيار.

داني ناصيف

كاتب لبنانيّ. يعدّ أطروحة الدكتوراه في الأدب العربيّ الحديث في مونستر، ألمانيا.