Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

الإمبراطور والديكتاتور وحقّ تقرير المصير

الافتتاحية

 

 

الإمبراطور

يحقّ للإمبراطور ما لا يحقّ للديكتاتور. يحقّ له، وهو قابعٌ في منتجعٍ باذخٍ، أن يلتهمَ "أجملَ قطعةِ حلوى بالشوكولا،" وأن يأمرَ بإطلاق صواريخ التوماهوك الفتّاكة (المسمّاة كذلك تيمّنًا بسكّانٍ أصليين أبادَهم أسلافُه) على بعد آلافِ الأميال، ومن ثمّ أن يتباهى بذلك أمام رعيّته (وإن اختلطَ عليه اسمُ الدولة المستهدَفة)، فتصفّق له أبواقُ الإعلام، وتضفي عليه صفةَ الرياسة، بعد أن كانت تَحْسبُه في عِداد المجانين.

يحقّ للإمبراطور أن يعِدَ الرعيّةَ، قبل تطويبه، بعدم خوض حروب خارجيّة، وأن يخوضَها بعد جلوسه على الكرسيّ... شرط أن يُضَحّي بأرواح "البرابرة" لا الرعيّة (ولاسيّما الميسورة).

يحقّ للإمبراطور أن يرسمَ الحدَّ الفاصل بين الخير والشرّ ليحدّد مَن هي "الدولة المارقة،" وأن ينعتَ حاكمَها بـ"الحيوان،" وأن يحثّ المتحدّثَ باسم الإمبراطوريّة على شيطنة هذا "الحيوان" تبريرًا لأيّ عدوانٍ آنيٍّ أو مستقبليّ ــــ وهي وصفةٌ سحريّةٌ لم تخيّبْ ظنَّ أسلافه قطّ.

يحقّ للإمبراطور أن يبيدَ مئاتِ الأطفال والعائلات في إحدى مدن المشرق، بينما يدين قتلَ أترابهم في مدينةٍ أخرى بسبب تأثّر ابنته بالحدث.

يحقّ للإمبراطور أن يستمرّ في تسليح المرتزِقة، والسماح لأمراء النفط وسلطان آسيا الصغرى بحرف مسار الصراع بحسب أهوائهم ومصالحه.

سيجد الإمبراطور دومًا مَن يهلّلون له ويستسيغون الاستنجادَ به. وسيَتّهم هؤلاء كلَّ من يشكّك في نوايا الإمبراطور، وفي جدوى سياسته، بالخيانة أو بدعم الديكتاتور.

لا يهمّ هؤلاء المهلِّلين، كلًّا لأسبابه الخاصّة، أنّ أيّ عملٍ عسكريّ سيؤدّي إلى مزيد من الدمار والقتل، باعتراف مسؤولي الإمبراطوريّة أنفسهم. لا يهمّهم أنّ للإمبراطور دوافعَ سياسيّةً محلّيّة، ودوافعَ إمبرياليّة، لا تأتي من دون ثمن إنسانيّ وسياسيّ باهظ. لا يهمّهم أيضًا أنّ كلَّ تدخّلات الإمبراطوريّة، على مدى نصف قرن، بما فيها في البلدان المجاورة، لم تجلبْ سوى الخراب، ولم تكن في سبيل التخلّص من الاستبداد، بل هي ساهمتْ في توطيد دعائمه على حساب شعوب المنطقة وحقّها في تقرير مصيرها. لا يهمّهم أنّ الإمبراطور، فورَ بلوغ أهدافه، سيرمي بأعوانه لقمةً سائغةً لديكتاتورٍ جديد، أو وقودًا مشتعلًا لفوضًى جارفة، أو دمًى خانعةً لخدمة مصالحه، لا خدمةِ شعبهم.

ولمَ لا؟ يحقّ للإمبراطور ما لا يحقّ للديكتاتور.

الديكتاتور

يحقّ للديكتاتور ما لا يحقّ لشعبه.

يحقّ له أن يَخفضَ سنَّ الترشّح للرئاسة لا سنَّ الاقتراع (حتّى لا نتحدّث عن حقّ الاقتراع)، كي يرثَ الحكْمَ عوضًا من أن يتولّى السلطةَ مَن يستحقُّها.

يحقّ له أن يَعِدَ الإصلاحيين بالإصلاح ليَحتويَهم في أيّام السلم، وأن يتوعَّد الطائفيين ليُهمِّش الوطنيين في أيّام الحرب.

يحقّ له أن يقمع الأكثريّة بحجَّة حماية الأقلية، فيهلك الفريقان، ويبقى.

يحقّ له أن يخيِّر شعبَه بين الديكتاتوريّة والفوضى، وبين التدخّل الخارجيّ والقمع الداخليّ.

يحقّ له أن يذودَ عن سيادةٍ تتآكل في وجه إمبراطورٍ من الغرب، ليضعها ــــ ولو رويدًا ــــ في تصرّف قيصرٍ من الشرق.

يحقّ له أن يسحبَ من رصيدِ مقاوماتٍ في الجوار ليسترَ إفلاسَه، مهما كانت التكلفة.

يتقبّل الديكتاتور المساءلةَ عن حكمه من قِبل صحافيّي الإمبراطوريّة ليحجبَها عن صحافيّي الوطن.

للديكتاتور قاعدةٌ من المؤيّدين، لكنّه يراهن في الأساس على ميزان القوى الخارجيّة لا على قوّة شرعيّته الشعبيّة.

يجول في مناطقَ مهجورةٍ من أهلها ليعلن تحريرَها من الغرباء (ويُنشر الخبر على وقع موسيقى أجنبيّة لفرقةٍ بعنوان "خطوتين من الجحيم"!).

يحذّر الديكتاتور القوى الخارجيّةَ من التدخّل في شؤون بلاده، ثمّ يحذّرُها من وجود إرهابيين بين شعبه المشرَّد.

يقبع الديكتاتور في قصرٍ معلوم، بينما يرسل جنده إلى حتفهم المشؤوم.

يراهن الديكتاتور على الخوف من المجهول لإدامة الموجود، وعلى دماءِ الحاضر لغسل خطايا الماضي.

سيجد الديكتاتور دومًا مَن يبرّر له أفعالَه، ويستسيغُ الركونَ إلى سطوته، فيتّهم كلَّ مَن يدينه بدعم قاطعي الرؤوس و"تهديد وحدة الوطن." وكأنّ علاقة الحاكم بالمحكوم، وطبيعة النظام السياسيّ في أيّ مجتمع، ليستا عاملًا بنيويًّا جوهريًّا في تحديد مصير الشعوب ومناعة المجتمعات من التفكّك والتآمر الخارجيّ. وكأنّ التوريثَ السياسيّ، والاستئثار العائليّ والزبائنيّ بالسلطة والثروة لعقودٍ وبلا محاسبة، وزجَّ المعارضة الوطنيّة في السجون، والتعذيبَ الممنهجَ لكلِّ مَن تخوّلُ له نفسُه التظاهرَ، والقصفَ الجوّيّ المستمرّ للمدنيّين (بغضّ النظر عن نوعيّة السلاح)، وتشريدَ الآلاف، والاعتمادَ المتزايدَ على قوًى خارجيّة لحسم المعركة على حساب أيّ تعديلٍ في السلطة؛ كأنّ هذا كلَّه لا يُسهم في "تهديد وحدة الوطن،" وتجذيرِ الانقسام الداخليّ، وإطالةِ أمد الحرب الدائرة.

كيف لا؟ يحقّ للديكتاتور ما لا يحقُّ لشعبه.

 

حقّ تقرير المصير

بالنسبة إلى مَن يهلِّل للإمبراطور، ومَن يبرِّر للديكتاتور، لا صوتَ يعلو فوق صوت المعركة، ولو امتدّت سنوات، وأضحت حدودُها وأهدافُها وعواقبُها خارج السيطرة. فنحن في زمنٍ بات فيه الموقفُ السياسيّ وليدَ اللحظة، أو الانفعال، أو المصلحةِ الشخصيّة، أو المزايدةِ الإيديولوجيّة المنسلخة عن الواقع، أو المبارزة الأخلاقيّة الفارغة من أيّ بعدٍ سياسيّ. وكلّما زادت الأزمةُ تعقيدًا، غدا الجدالُ أسيرَ ثنائيّةٍ مقيتة ("أنت معنا أو ضدّنا")، وزاد منسوبُ التبسيط والتخوين والتهكّم تعويضًا من غياب التحليل والحجّة والرؤية السياسيّة الناضجة.

لا غرابة، إذًا، أن تأتي غالبيّةُ ردود الفعل ــــ احتجاجاتٍ وابتهاجاتٍ على حدّ سواء ــــ من أيّ تطوّرٍ ميدانيّ، أكان تدخّلًا أجنبيًّا أمْ غير ذلك،  في سياق جدالٍ لاعقلانيّ أو انتهازيّ أو كَيديّ. أبلسةُ الآخر تعكس إفلاسَ الذات.

في ظلّ الدمار والخراب المتفاقميْن، وحمّام الدم المتدفّق، والشعور المتنامي بالعجز لدى قطاعات واسعة من الناس، بات ملحًّا كسرُ هذه الثنائيّة التي تتحكّم بالجدال الدائر، وإنْ لم تجد محاولاتٌ كهذه آذانًا صاغيةً حاليًّا. وكسرُ الثنائيّة يعني، برغم الاتّهامات الباطلة بـ"السذاجة" أو "المثاليّة،" الوقوفَ على الأسباب البنيويّة للأحداث بالتزامن مع درس الوقائع المتغيّرة. كسرُها يعني الغوصَ في كلّ الاحتمالات، ووضعَ هذه الوقائع في السياق العامّ للصراع، والسماحَ لها بالتأثير في قراءتنا للأحداث، بدلًا من حصرها في لحظة واحدة أو اللجوء الى نظرية المؤامرة كي تخدمَ السرديّة التي نريد.

وكسرُ الثنائيّة يتطلب، أوّلًا وأخيرًا، القبولَ بوجود تناقضات على أرض الواقع تُفضَّل مواجهتُها على التعامي عنها.

وإذا كانت لدى بعض القابعين تحت القصف والقتل والتهجير مبرّراتُهم في عدم النظر في أسباب الأمور، أو كانت للأطراف المنخرطة في الصراع المسلّح دوافعُها في إذكاء حروب البروباغندا، فما هي حجّةُ النشطاء والإعلاميين والباحثين ــــ وبخاصّةٍ من غير المنتفعين ــــ في تدعيم سرديّة هذا الفريق أو ذاك؟ ما هي حجّتُهم في إفناء وقتهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ لتقريع الآخر المختلف، بدلًا من المساهمة في تقّصي الحقائق بمسؤوليّةٍ وتواضع، وإنتاج فكرٍ بديلٍ يتخطّى اللحظةَ الآنيّةَ ليستشرفَ مستقبلًا مغايرًا؟

قد يعكس التخبّطُ الفكريُّ التخبّطَ الحاصلَ على أرض الواقع. الاعتراف بذلك خطوةٌ أولى نحو عقلنة النقاش. لكنّ التخبّط الحاصل يصبح مُضرًّا عندما يعكس غيابَ الموقف الأخلاقيّ المبدئيّ الذي لا يستوي من دونه أيُّ موقفٍ سياسيّ أو ثوريّ يدّعي أنّه يصبّ في مصلحة الشعب والوطن.

ليس القصدُ اختزالَ السياسة في موقفٍ أخلاقيّ مجرّد، كـ"رفض الحرب والعنف بالمطلق،" أو اعتبارِ "كلّ التدخّلات الخارجيّة سواء" من حيث دوافعُها ونسبةُ تأثيرها في الأحداث، أو الوقوفِ على مسافةٍ واحدةٍ من الموالاة والمعارضة، أو لومِ كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ على الإمبراطور أو الديكتاتور؛ فذلك يدخل من باب التجهيل بآليّة الصراع (وهي غيرُ عبثيّة)، والتعمية على مسؤوليّة كلّ الأطراف (وهي غيرُ مجهولة).

القصد هو قراءةُ المستجدّات والوقائع من خلال العودة إلى  ثوابتَ وطنيّةٍ ثوريّةٍ يُراد طمسُها في أتون المعركة، مع أنّها هي التي تحدِّد إطارَ فهم هذه المستجدّات، واتّخاذ الموقف من كلّ اللاعبين السياسيين من دون استثناء أو استنسابيّة. ولعلّ أكثرَ المفاهيم تعبيرًا عن هذه الثوابت، في المرحلة الحاليّة من الصراع التي أصبحتْ فيها البلادُ مستباحةً بالكامل من جميع الأطراف، هو حقُّ تقرير المصير، وما يعنيه ذلك، بدايةً، من رفضٍ لتوأمَي الاستبداد والاستعمار في آنٍ.

يحقّ للشعب وحده تقريرُ مصيره.

هيوستن

اتّصل بنا من نحن دار الآداب