الحبّ في زمن الزبالة
13-11-2016

 

 

صباحاتُ أيلول لطيفة.

جلستُ على شرفة منزلي في ساعةٍ مبكّرة، وقد أعددتُ فطورًا يليق بالأباطرة أمثالي ممّن لا يمتلكون الأسنانَ القادرةَ على القضم والطحن؛ وجبةً تذكّرني بأنّني ما زلت طفلًا: صحنًا من الحليب، أفتُّ فيه الخبزَ.

موقع بيتي استراتيجيّ، يطلّ على بنكٍ ومشفًى خاصّ وموقفِ تكسي. مع كلّ ملعقة من هذه الفتّة المقدّسة كنتُ أراقب الشارعَ الذي بدأتْ تدبّ فيه الحياة.

الحياة بنشاطها الرتيب يوميًّا.

الشارع بكلّ ما فيه من بشر متنوّعين،  يخفي كلٌّ منهم قصّةً مختلفة.

ولكنّهم جميعًا، في هذا الصباح، بدوا مبتسمين.

ولأنّني لا أعرف أسماءهم، فسأطلق عليهم أسماءً من عندي.

***

أمّونة، عاملةُ التنظيفات، في الخامسة والعشرين تقريبًا، كنست الشارعَ بإتقان، وجلستْ قرب حاوية الزبالة تلتقط أنفاسَها. رفعت الكمّامةَ القماشيّة عن فمها وأنفها. أشعلتْ سيجارةً وراحت تتأمّل الشارع. ابتسمتْ لنتيجة عملها، الذي سوف يتكرّر بعد قليل، إذ سيمرّ الكثير من البشر ويرمون بأعقاب سجائرهم ومناديلهم القذرة ونفاياتهم، وسوف تتساقط الأوراقُ الصفراء من الشجر كما تتساقط أعمارُ الناس. سوف تحدث أشياء كثيرة تُفسد نظافةَ الشارع. وسوف تعود أمّونة إلى عملها من جديد، وتبتسم من جديد.

***

شفيق شابّ وسيم رغم قذارة ثيابه. أوقف درّاجتَه التي علّق عليها الأكياسَ قرب حاوية الزبالة وبدأ ينقّب فيها، كخبير بترول، بحثًا عن قطع بلاستيك وعلب كولا فارغة. شفيق لا يفعل هذا من مبدأ "ترشيد الاستهلاك والمحافظة على البيئة"؛ بل تلك هي مهنتُه التي يعتاش منها: يجمع هذه الموادَّ ويبيعها، ليشتري بثمنها البرغلَ والخبزَ والزيتَ والسجائر.

كانت فرحة شفيق تشبه فرحةَ القرصان الذي وصل أخيرًا إلى جزيرة الكنز. فرح لأنّه عثر على بضعة أشياء مفيدة في حاوية الزبالة، وراح يضعُها في الأكياس التي خَصّص كلَّ واحد منها لنوع من الموادّ. تصنيف يشبه تصنيفَ أجهزة المخابرات لأنواع المواطنين.

جلس شفيق قرب أمّونة، وأخرج سيجارةً ليستريح هو الآخر. طلب منها أن تعيرَه قدّاحتها. دار حديث بينهما. من يدري، فقد تنشأ بينهما قصة حبّ. ربّما كان خرّيجَ كليّة الآداب، ثمّ جار عليه الزمن. وربّما يكتب في المستقبل روايةً يسمّيها: الحبّ في زمن الزبالة.

***

توقّفتْ سيّارة البوليس قرب بائع الكعك، واشترى الضابطُ كعكة.

فرح الضابطُ لأنّه أسكت جوعَه.

وفرح البائع وهو يتناول القطعة النقديّة من الضابط، بل فرح أيضًا لأنّ الزبون من الشرطة؛ وربّما همس في سرّه: "الشرطة، التي هي في خدمة الشعب، تأكل الآن من كعكاتي!"

***

مدخلُ المشفى يعجّ بالداخلين والخارجين.

لا بدّ من أنّ مدير المشفى، الدكتور عبد الرؤوف، فرحان في هذا الصباح. كلّما ازدادت آلامُ الناس ازداد فرحُه.

الخارجون من المشفى بدوْا فرحين أيضًا هذا الصباح:

ياسين بدا فرحًا لأنّهم ركّبوا له ساقًا اصطناعيّةً بدلًا من ساقه التي فقدها في الحرب.

الطفلة ليلى خرجتْ من المشفى فرحةً وقد أنهت اليومَ آخرَ حقنةٍ في بطنها بسبب كلبٍ عضّها عندما كانت في طريقها إلى بيت جدّتها. استقلّت ليلى وأمها سيّارة تكسي، ففرح السائقُ لأنّ المشوار طويل وسوف يتقاضى أجرًا جيّدًا.

السيّد عبد الجبّار تاجرُ مخدِّرات، وها هو يخرج من المشفى وقد ارتسمت ابتسامةٌ عريضةٌ على شفتيه لأنّ الطبيب أخبره أنّ الشخص الذي سيزوره قد مات. عبد الجبّار لم يأتِ إلى المشفى إلّا لكي يطمئنّ إلى موت الرجلِ الذي كان قد كشف بعضًا من أسراره، فأطلق عليه النارَ.

***

السيّدة ليندا، موظّفة البنك، تترجّل من سيّارتها بكامل أناقتها ومكياجها.

كانت فرحة جدًّا وهي ترى نظراتِ الإعجاب تنهال عليها من عيون المارّة.

سألتُ نفسي، وأنا أتناول الملعقة الأخيرة من فتة الحليب، منذ متى استيقظتْ هذه السيّدة لتقوم بكلّ أعمال الصيانة قبل أن تأتي إلى عملها؟

***

خرجت الحاجّة أمّ عمر من البنك والفرحةُ واضحة على وجهها؛ فلقد تسلّمتْ حوالةً أرسلها ابنُها اللاجئ في السويد.

السيّدة ليندا هي التي سَيّرتْ لها إجراءاتِ قبضها.

السيّدة ليندا أيضًا هي التي ستقوم، بعد قليل، بحساب الفائدة السنويّة والأرباح المتعاظمة لرصيد السيّد عبد الجبّار.

السيّدة ليندا هي ذاتها التي نقلتْ رصيدَ وجيه أفندي، الذي مات منذ قليل في المشفى المجاور، إلى رصيد السيّد عبد الجبّار، لقاء رشوةٍ ممتازة.

***

الحركة تزداد في الشارع.

جميعهم فرحون، من دون أن يعرف أحدُهم شيئًا عن الآخر.

أنا وحدي أعرف الجميعَ، وأعرف قصصَهم وأسرارَهم.

أعرفُ أنّ أمّونة لم تصل إلى هذا المصير إلّا لأنّها كانت إحدى ضحايا السيّد عبد الجبّار، حين غرّر بها واغتصبها، فنبذتْها العائلة، فتشرّدت في الشوارع، التي كانت أحَنَّ عليها من أهلها.

أعرفُ أيضًا أنّ ياسين لم يفقد ساقَه في الحرب، بل فقدها في حرب العصابات أثناء عمليّة تهريب صفقةٍ من المخدِّرات لحساب السيّد عبد الجبّار.

أعرفُ أيضًا أنّ الكلب الذي عضّ ليلى كان كلبَ السيّد عبد الجبّار.

أعرفُ أيضًا أنّ بائعَ الكعك عاش طوال حياته يتيمًا لا يعرف أنّه الابنُ غيرُ الشرعيّ للسيّد عبد الجبّار من إحدى ضحاياه.

أعرفُ أيضًا أنّ شفيق طُرد من سلك التعليم لأنّه وضع صفرًا لتلميذٍ غبيٍّ في مادّة الأدب، فكتب السيّد عبد الجبّار فيه تقريرًا لفرع الأمن، الذي ألصق به تهمةَ التآمر على أمن الوطن. وبعد خروجه من المعتقل اكتشف شفيق أنّ العمل في الزبالة أنظفُ من العمل في سلك التعليم هذا.

أعرفُ أيضًا أنّ الضابط الذي اشترى الكعكةَ من بائع الكعك هو الذي أجرى التحقيق مع شفيق.

***

أنا الوحيد الذي أعرف كلّ هذه التفاصيل... لا لأنني أفطرُ فتّةَ الحليب، بل لأنّني أنا المؤلِّف.  

دمشق

احمد قشقاره

ناقد مسرحيّ ومؤلف موسيقيّ سوريّ. حاصل على عدد من الجوائز وشهادات التقدير في مجال المسرح والموسيقى. يعمل حاليًّا المدير التنفيذيّ لراديو أفكار.