Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

الحركة الشيوعية المصرية والقضية الفلسطينية (2 /2)

مقالات

 

هنا الجزء الثاني من مقال أحمد شعبان، كما يمكنكم قراءة الجزء الأول في العدد السابق من الآداب.

***

بتأثير الهزيمة العربيّة القاسية التى نزلتْ نزولَ الصاعقة على بلادنا وشعوبنا سنة 1967، بدأت القبضةُ الحديديّة لجهاز الدولة تضعف تدريجيًّا، إذ لم تعد للنظُم التي قادت ضياعَ ما احتلّته الصهيونيّةُ من أراضٍ عربيّةٍ شاسعةٍ، في مصر وفلسطين وسوريا والأردن، السطوةُ السابقة نفسُها. وجاءت وفاةُ الرئيس عبد الناصر لحظةً فارقة لكي تفتح الطريقَ أمام جهدٍ جديدٍ لإعادة بناءِ ما هدمته السجونُ والمعتقلاتُ والمنافي من بنًى تنظيميّة وإيديولوجيّة لحركة اليسار المصريّ عامّةً، وللحركة الشيوعيّة بوجهٍ محدّد، وبخاصّةٍ بعد أن اعتلى السادات سدّةَ الحكم، بما كان معروفًا عنه من ارتباطاتٍ داخليّة وخارجيّة تشير كلُّها إلى أنّه ينتظر اللحظةَ المناسبة كي يستدير مائةً وثمانين درجةً عن المسار الوطنيّ الناصريّ.

في 15 مايو 1971 أطاح السادات بـ"المجموعة الناصريّة" في السلطة، وسيطر على مقاليد الحكم منفردًا. ولمواجهة الضغوط الشعبيّة من أجل تحرير الأراضي العربيّة المحتلّة، أطلق السادات وصفَ "عام الحسم" على سنة 1971، واعدًا المصريين بأن يشهد ذلك العامُ نهايةَ العدوان واسترجاعَ التراب الوطنيّ .

كالعادة، كانت الحركةُ الطلّابيّة هي أكثرَ فئات المجتمع المصريّ تفاعلًا مع هذه المطالب الوطنيّة. وهذا ليس بجديدٍ عليها منذ بدايات القرن العشرين تحت قيادة الزعيميْن مصطفى كامل ومحمد فريد، وإبّان الثورة الوطنيّة الكبرى سنة 1919، وبعدها في العامين 1935 و1946. فحين تأسّست "اللجنة الوطنيّة للطلبة والعمّال،" كان الطلّاب في طليعة الصفوف التي رفعتْ شعاراتِ الاستقلال والدستور، أيْ طرد الاحتلال البريطانيّ وترسيخ الديمقراطيّة.

تُعتبر الفترة 1967 ــــ 1977 من أخصب سنوات صعود الحركة الشيوعيّة واليساريّة المصريّة. ومع أواخر عهد عبد الناصر تصاعدت الاحتجاجاتُ على الأحكام الهزيلة الصادرة في حقّ القادة العسكريّين المتسبّبين في كارثة 5 يونيو. ثمّ استمرّت طوال عصر السادات، قبل أن تتراجع في أعقاب "انتفاضة الخبز" في 18 و19 يناير 1977 وما أعقبها من قمعٍ ممنهجٍ من أجهزة القمع الساداتيّة التي ألقت بمسؤوليّة الأحداث على الشيوعيّين و"لابسي قميص عبد الناصر"!

هنا نقف عند مراحل أساسيّة: المرحلة الأولى هي مرحلة استجابة عبد الناصر لمطالب الحركة الطلّابيّة، وإصداره الأوامر بإعادة محاكمة المسؤولين عن تَحَطُّم الجيش المصريّ بغية تحقيق شعار "إزالة آثار العدوان"؛ وكان تجسيدُ هذا الوضع مقولة عبد الناصر: "الشعب يريد التغيير.. وأنا معه!" أمّا المرحلة الثانية، فكانت في أعقاب رحيله في 28 سبتمبر 1970، وارتقاء السادات إلى موقع رئاسة الدولة. وقد برزتْ "جماعةُ أنصار الثورة الفلسطينيّة،" التي تأسّستْ في كلّيّة الهندسة ــــ جامعة القاهرة أواخرَ العام 1970، وانتشرتْ أفكارُها وتنظيماتُها في جامعات مصر ومعاهدها العليا كافّةً.

                                         (مظاهرات طلّابية في القاهرة)

تعود ظروفُ تأسيس هذه الجماعة إلى سبتمبر 1970، حين اتّفق أن انفجر الصراعُ بين الحكم الأردنيّ والمقاومة الفلسطينيّة مع زيارة مجموعةٍ من طلّاب الكليّة المذكورة إلى الأردن. فقد عايشت المجموعة وقائعَ "مذبحة أيلول،" وعادت من عمّان بشهاداتٍ حيّة عرضتْها على الزملاء في الكليّة، وتقرّر تأسيسُ جماعةٍ تَهدف إلى الإعلام بحقائق القضيّة الفلسطينيّة وضرورة دعم ثورتها. وسرعان ما بدأتْ في ممارسة نشاط واسع النطاق لمساندة الثورة الفلسطينيّة، وانتشرتْ أفكارُها ونفوذُها في العديد من المواقع الجامعيّة، ولعبت دورًا رياديًّا في تفجير الانتفاضة الطلّابيّة في السبعينيّات.

وكانت "الجماعة" تُصدر نشرةً بعنوان الثورة، تطرح من خلالها برنامجَها النضاليّ. وقد احتوى العددُ الأوّل (يناير 1971)، بمناسبة ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينيّة (يناير 1965)، على سبيل المثال، الموادَّ الآتية: البيان التأسيسيّ الأول للجماعة، ومقالًا بعنوان "أبعاد المؤامرة" (يحلّل الوضعَ السياسيّ ويُحدّد معسكرَ الأصدقاء ومعسكرَ الأعداء)، وموضوعًا عن شهيدٍ فلسطينيٍّ شابّ، وقصيدةً عن استشهاده، ودراسةً بعنوان "الكفاح الفلسطينيّ المُسَلّح بين النظرية والتطبيق،" ومقالات حملتْ عناوين: "العنف الثوريّ فى مواجهة الواقع الانهزاميّ،" "حول ما يُسمّى إيديولوجية غير مصريّة،" "بمناسبة العيد السادس للثورة... رحلة المضاد للطائرات."(1)

لجأت "الجماعة" إلى استخدام كلّ أساليب العمل الطلّابيّ: مجلّات حائط، بيانات، نشرات، بوسترات، أعلام، شارات، ندوات، مسيرات. واحتفلت بالمناسبات الفلسطينيّة، كذكرىانطلاقة الثورة ومعركة الكرامة ويوم الأرض. وشارك الفنُّ والإبداع مشاركةً فعّالة في هذا المجهود، وبرز في هذا السياق دورُ الشعراء الوطنيّين الكبار، أمثال: فؤاد حداد، وأحمد فؤاد نجم، وسميرعبد الباقي، وزين العابدين فؤاد، وفؤاد قاعود، ونجيب شهاب الدين، ومحمد سيف، ومحمود الشاذلي. كما لعب المنشِدون والملحّنون الوطنيّون، وفي مقدّمتهم الشيخ إمام عيسى وعدلي فخري، دورًا كبيرًا فى إيصال مضمون النضال المصريّ والعربيّ، وكفاح شعب فلسطين، إلى الطلّاب بخاصّة، وأبناءِ الشعب كافّةً.

ولإيضاح عمق هذه الجهود وغناها وتنوّعها، من المهمّ متابعة برنامج نشاط "الجماعة" في كلّيّة الهندسة ــــ جامعة القاهرة، لشهر يناير 1971، كما عرضتْه في العدد الأول من الثورة.

أولًا: الندوات. [1] الكفاح المسلّح بين النظريّة والتطبيق: (أ) خبرات الشعوب (كوبا، فيتنام،...). (ب) الخصائص المميّزة لكفاح الشعب الفلسطينيّ. [2] علاقة الثورة الفلسطينيّة بالثورة العربيّة وقوى التقدّم في العالم: (أ) الموقف العربيّ وفصائل الثورة الفلسطينيّة، وواجب قوى الثورة العربيّة. (ب) الموقف الدوليّ. [3] طبيعة الكيان الصهيونيّ: (أ) البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة. (ب) المؤسّسات السياسيّة والعلاقة بالحركة الصهيونيّة العالميّة. (ج) العلاقات الدوليّة للكيان الصهيونيّ بالإمبرياليّة، ودول العالم الثالث، ودول المعسكر الاشتراكيّ. [4] المشاكل التي تعترض الثورةَ الفلسطينيّة: (أ) في المحيط العربيّ. (ب) في المحيط الدوليّ. [5] استراتيجيّات الثورة الفلسطينيّة وبرامجها: (أ) الشعارات المطروحة. (ب) القوى التي تتحرّك لتحقيقها.

ثانيًا : الأفلام: عمّان بعد المذبحة، وأفلام تصوّر كفاح الشعب الفلسطينيّ.(2)

ولم يكن مفاجئًا أن تنتهي هذه المناسبات بإلقاء القبض على المنظّمين، وعلى أعداد غفيرة من الطلّاب والفنّانين المشاركين فيها، وبالذات الثنائيّ نجم/إمام، بعد مصادمات دامية مع قوات الأمن. وبعضُهم قُدِّم إلى محاكمات عسكريّة، وصدرتْ ضدّه أحكامٌ رادعة.

في الأوّل من يناير 1972، احتفلتْ جامعاتُ مصر بذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينيّة، وضغطت الحركةُ الطلّابيّة بكلّ قواها لدفع النظام والسادات إلى حسم تردّدهما في إعلان الحرب ضدّ "إسرائيل" ومن إجل انتزاع الأراضي المحتلّة من بين براثنها. وفي 13 يناير 1972 وجّه السادات خطابًا إلى الأمّة برّر فيه تأجيلَ تنفيذ وعده بأن يكون العام 1971 "عامَ الحسم" بأنّ "ضبابَ" الحرب الهنديّة ــــ الباكستانيّة حال دون ذلك! والحال أنّ هذا الخطاب كان القشّة التي قصمتْ ظهرَ البعير؛ إذ ما كاد ينتهي حتى انفجرتْ موجةُ غضبٍ عمّت جامعاتِ مصر. وبادرت "الجماعة" إلى إعلان الاعتصام في 15 يناير 1972، وانتقل الاعتصام من كلّيّة الهندسة يوم 17 يناير إلى قاعة الاحتفالات الكبرى في الجامعة، نزولًا عند إرادة الآلاف من طلّاب الكلّيّات الأخرى.

شكَّل الطلّابُ المعتصمون لجنةً عليا لقيادة الاعتصام، فاسترجعوا اسم "اللجنة العليا للطلبة والعمّال" التي تشكّلتْ فى الأربيعينيّات، مطْلقين على لجنتهم الجديدة اسم "اللجنة الوطنيّة العليا للطلاب،" تمثّلتْ فيها كلُّ كلّيّة جامعيّة بممثّلٍ لطلّابها. في البيان الأوّل للاعتصام الشامل (20 يناير 1972) دان طلّابُ جامعة القاهرة "منطقَ الاستخفاف بعقولهم، والوعود الخادعة، والتسويف، والمماطلة." ورصدت اللجنة أبرزَ مظاهر "الانفصال بين القول والعمل، ولاسيّما في ما يتعلّق بموقف أمريكا، عدوِّنا الأوّل، الذي لا نتوانى أبدًا عن تحطيم سمعتها على صفحات جرائدنا، بينما مصالحُها الاقتصاديّة تنمو وتزدهر بلا خوف من تأميمٍ ولا ضرب!" وعبَّر البيان عن استفزاز الطلّاب من العبارات الغامضة في بيان السادات الأخير (ألقاه في 13 يناير)، وطالبوه بالحضور إلى مؤتمرهم في الحرم الجامعيّ من أجل"الإجابة على استفساراتهم!"(3)

كان طبيعيًّا أن يَغضب السادات. وهو ما عبَّرَ عنه في خطابٍ ألقاه من قصر عابدين، قال فيه: "إنّ ما حدث في مصر في الأيّام الأخيرة، من إصرار الطلاب على أن يُقدّم كشف حساب، لم يحدثْ له مثيلٌ من قبل في تاريخ الأمم!" وردّت عليه "اللجنة الوطنيّة العليا للطلّاب" بإعادة نشر بيانها السياسيّ الأوّل، الذي شرحتْ فيه أنّ تحرير التراب الوطنيّ المحتلّ لا يتمّ إلّا بحزمة من الإجراءات، تتضمّن: "(1) إيقاف كلّ محاولات عقد حلول سلميّة مع العدوّ الأمريكيّ ــــ الصهيونيّ، وسحب كافّة المحاولات السابقة، وانتهاج مبدأ حربيّ متنام ضدّ العدو. (2) البدء فورًا في تعبئة الجماهير في شكلِ جيشٍ شعبيّ، قوامُه فِرقُ الطلّاب والعمّال والفلّاحين، لمواجهة احتمالات الحرب الطويلة المدى ضدّ العدوّ. (3) تعديل هيكل اقتصادنا، كي يُصبح اقتصادًا للحرب... (4) إعلام غير هزيل وديمقراطيّة غير مُزيّفة."(4)

واعتبرت الحركة الطلّابيّة أنّ الولايات المتحدة رأسُ المعسكر الإمبرياليّ والعدوُّ الرئيسَ لشعبنا. ورأت أنّ مواقفَ السلطة من هذه الدولة "مائعة"؛ فـ"إذا كانت الولايات المتحدة هى عدوَّنا الأول... فلماذا لم يُتّخذْ إزاءها موقفٌ عمليّ حتى الآن لضرب مصالحها في مصر أوّلًا والمنطقة العربيّة ثانيًا؟!"(5) و(6) وتضمّنتْ توصياتُ المؤتمر الطلّابيّ العامّ، المنعقد في كليّة الهندسة في جامعة عين شمس، في 19 يناير 1972، المطالبة بـ"تأميم المصالح الأمريكيّة في مصر ودول اتحاد الجمهوريات."**(7) وكرّرت "اللجنة الوطنيّة العليا للطلّاب" يقينَها من عدم جدوى مشاريع "الحلّ السلميّ" المطروحة، وطالبتْ برفضها وإعلان سحب الموافقة على "قرار مجلس الأمن 242، ومشروع روجرز، والمبادرة المصريّة."(8)

ومثلما ربط الطلّابُ بين الانتصار و"اقتصاد حربٍ" يتحمّل أعباءَ التحرير الشاقّة والمُكلفة، فقد ربطوا أيضًا بين الانتصار وتوفّر الديمقراطيّة: "إنّ قضيّة المعركة ترتبط بقضيّة الديمقراطيّة. ونحن نُطالب برفع كلّ أشكال الوصاية على التنظيمات النقابيّة والسياسيّة للجماهير، ونُطالب بحريّة الصحافة، وبرفع سلطة الرقيب إلّا في ما يمسّ المسائلَ العسكريّة."(9)

 

التأسيس الثالث للحركة الشيوعيّة المصريّة

بتأثيرٍ من تداعيات هزيمة 1967، والتحرّكات الواسعة في صفوف الطلّاب والعمّال والمثقّفين، تهيّأت الظروفُ لإعادة تأسيس موجة جديدة من التنظيمات الشيوعيّة. وشهدتْ سنواتُ ما بعد 1967 وحتى منتصف السبعينيّات تكوينَ ثلاثة تنظيمات شيوعية سرّيّة: حزب العمّال الشيوعيّ المصريّ، والحزب الشيوعيّ المصريّ 8 يناير (تيمّنًا بيوم توحيد الحركة الشيوعيّة في 8 يناير 1958)، والحزب الشيوعيّ المصريّ.

                                                        (لطيفة الزيّات)

اشتركت التنظيماتُ الثلاثة في موقفها المساند للقضيّة الفلسطينيّة، والمعادي للصهيونيّة، على تباين الرأي فى وسائل المواجهة. ففيما عكس موقفُ الحزب الشيوعيّ المصريّ "مواقفَ" الاتحاد السوفييتيّ السابق من تبنّي "العودة إلى حدود الرابع من يونيو 1967،" اقترب موقفُ التنظيمين الآخرين من انتهاج أسلوب الحرب الشعبية والتصدّي للمشروع الصهيونيّ من الأساس.

 

خمسة محاور للمواجهة

واجه السادات الانفجاراتِ الشعبيّة التي هدّدت استقرارَ نظامه، وبخاصّةٍ بعد انتفاضة 18 و19 يناير 1977، بالعمل على محاور خمسة: 1) استخدام القبضة الأمنيّة للتنكيل بالتنظيمات الشيوعيّة واليساريّة في الجامعات والمصانع وغير ذلك. 2) اتِّباع خطّة ممنهجة لتصفية المواقع الثقافيّة والمهنيّة من الكوادر الشيوعيّة واليساريّة، تحت شعار "الطالب طالب علم وبس" و"لا علم في السياسة ولا سياسة في العلم." 3) التحالف المباشر مع التيّارات الدينيّة، ولا سيّما جماعة الإخوان المسلمين؛ فقد أَطلق السادات سراحَ قادتها، ومرشدها العامّ عمر التلمساني، وأعضائها، من المعتقلات، وأعاد إليهم الممتلكات والمقرّات والأموال المُتَحَفَّظ عليها، وسَمح لهم بالعمل المعادي للشيوعيّين، وبإصدار المطبوعات، واستخدام آلاف المساجد منصّاتٍ للانطلاق فى مواجهة خصومه. 4) إعلانُ الحرب على "اشتراكيّة الفقر" التي جلبتْها إلى مصر، كما زعموا، سياساتُ عبد الناصر؛ والتخلّي عن دور الدولة القياديّ لصالح عصابات النهب العامّ، من رموز "رأسماليّة المحاسيب" المتحالفة مع بيروقراطيّة النظام وجماعاته الفاسدة، وغير ذلك من توجّهاتٍ واكبتْ سياسةَ "الانفتاح الاقتصاديّ" الفوضويّ الذي وصفه أحمد بهاء الدين بـ "انفتاح السداح مداح." 5) الإعلان عن تحوّل جذريّ في التوجّهات الاستراتيجيّة المصريّة التي أُرسيتْ بعد ثورة 1952، والانتقال إلى توجُّهٍ استراتيجٍيّ معاكس يُقر بأنّ "99% من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة،" فيسعى إلى خطب ودّها، ويعتبر أنّ حرب أكتوبر "آخرُ الحروب،" ويسلّم بالعجز عن مواجهة العدو الصهيونيّ، ويتوجّه إلى الصلح المنفرد، بالشروط الأمريكيّة/الإسرائيليّة، من خلال الزيارة المشؤومة إلى القدس المحتلّة، وتوقيع "اتفاقيّة السلام" وكامب ديفيد.

كان طبيعيًّا، إزاء هذا النهج المعادي لمصالح الوطن والشعب، أن تتصاعد المواجهةُ بين النظام والحركة الشيوعيّة المصريّة. ولعب حزبُ التجمّع الوحدويّ، وهو حزبٌ يساريّ تَشكَّل عام 1976، دورًا مهمًّا في مواجهة هذه السياسات، عبر جريدته، الأهالي، التي كثيرًا ما تعرّضتْ للمصادرة. كذلك جرى البطشُ بالنقابات المهنيّة، والاتحادات الطلّابيّة والفلاحية، وجماعات المجتمع المدنيّ المتأثّرة بالشيوعيّين. وامتدّ الأمر إلى المشاركة الفعليّة في دعم الكفاح الفلسطينيّ ــــ الوطنيّ اللبنانيّ في فترة الحرب الأهلية اللبنانيّة، من خلال وجود مباشر لأعدادٍ من الشيوعيّين واليسارييّن المصريّين في صفوف المقاومة الفلسطينيّة والوطنيّة اللبنانيّة.

ثم حلَّت نهايةُ السادات من خلال الرصاصات التي أطلقتها عليه التيّاراتُ الدينيّة المتطرّفة، التي وثق بها وتحالف معها في مواجهة الأعداء المشتركين: الشيوعيّين واليساريّين!

 

جدل الوحدة والصراع بين مبارك والإسلام السياسيّ

في أعقاب رحيل السادات، صعد إلى قمّة السلطة نائبُه حسني مبارك، الذي استقرّ هناك ثلاثةَ عقود متواصلة، ران عليها الركودُ والفساد والقمع. وقد اتّسم عصرُ مبارك باستمرار العداء لليسار، وبحدوث تقاسم موضوعيّ للسلطة مع تيّارات الإسلام السياسيّ: فاتّسع نطاقُ تأثير "الإخوان" وباقي الفرق الشبيهة التي وُصفتْ بـ "الاعتدال" (ومنهم السلفيّون، الوهّابيّون، المرتبطون عضويًّا ومادّيًّا بوهّابيّي الخليج والمملكة السعوديّة)، على الرغم من بعض الصدامات التي واكبتْ محاولاتِ "الإخوان" تجاوزَ حدود مساحة الحركة المتفق عليها.

ومع استمرار سياسة الانفتاح العشوائيّ، وكفِّ يد الدولة عن تقديم الخدمات الضروريّة إلى المجتمع، وتزايدِ النازحين إلى دول النفط، وبخاصّةٍ السعودية، وتزايدِ العائدين منها بقيمٍ وعاداتٍ متصلّبة، انتشر نفوذُ جماعات التكفير الدينيّ، التي اجتاحت ــــ تحت سمع الدولة وبصرها وتواطؤ النظام ــــ الجامعات واتحادات الطلّاب والنقابات المهنيّة والبرلمان. وانتشرتْ مؤسّساتُها الاقتصاديّة والإعلاميّة في طول البلاد وعرضها، واحتلّت مشاريعُها الخدميّة كلَّ المواقع التي تخلّت الدولةُ عنها؛ الأمر الذي كَرَّسَ تراجع الشيوعيّين واليساريّين والقوميّين ودورهم إلى درجة ملموسة.

ومع ذلك فقد ظلّت القضيّة الفلسطينيّة محلّ إجماعٍ واسع بين الفرقاء السياسيّين. وشهدتْ مصر العديد من الأنشطة الداعمة لنضال الشعب الفلسطينيّ، ولعبت التنظيماتُ والعناصر الشيوعيّة واليساريّة دورًا مهمًّا فيها، ومنها:

ــــ تأسيس "لجنة الدفاع عن الثقافة القوميّة،" وقد ترأّستها الدكتورة لطيفة الزيّات سنة 1979، واختصّت بالدفاع عن الهويّة الوطنيّة والعربيّة، وبالوقوف في وجه محاولات الغزو  الثقافيّ.

ــــ الوقوف في وجه دعاوى التطبيع السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ، و"التبادل العلميّ" بين طلّاب مصر وآخرين من الكيان الصهيونيّ، وفضح "مِنَح السلام" الأمريكيّة التي اشترطتْ تقاسمَ العمل مع أساتذة وطلّاب صهاينة.

ــــ التصدّي لاشتراك العدوّ الصهيونيّ في "المعرض الصناعيّ الزراعيّ الدوليّ" الذي يُنَظَّم في القاهرة كلّ عام، واعتقال العشرات، ومن بينهم كاتبُ هذه السطور.

ــــ التصدّي لـ"حلف كوبنهاجن،" الذي ضمّ مصريّين وإسرائيليّين وأردنيّين وفلسطينييّن، وآخرين من جنسيّات أخرى، بدعوى أنّ "السلام من الأهميّة بمكان بحيث لا يُترك للحكومات فقط،" بحسب وثيقة "إعلان كوبنهاجن بشأن إنشاء التحالف الدوليّ من أجل السلام العربيّ ــــ الإسرائيليّ" (كوبنهاجن، 30 يناير 1997).

ــــ جهْد القادة الشيوعيّين في فضح الفكر العنصريّ الصهيونيّ، والدفاع عن الحقّ الفلسطينيّ والعربيّ. وتمثّل ذلك في مئات المؤتمرات والندوات واللقاءات الإعلاميّة، وآلاف المقالات، وعشرات الكتب.

ــــ تنظيم حملات كبرى لدعم الشعب الفلسطينيّ المحاصر بعد اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، والانتفاضة الثانية عام 2000، وكذلك قوافل الأطبّاء لمباشرة مصابي الانتفاضتين، والتظاهر دعمًا لأبناء هذا الشعب في معركته.

ــــ إفشال مساعي التطبيعيّين إلى إنشاء "حركة القاهرة للسلام الآن" على غرار "حركة السلام الآن" الإسرائيليّة، عام 1998، واعتزامهم، بالتنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين، الإعدادَ لمؤتمر يُعقد في إحدى العواصم الأوروبيّة.

ــــ إنشاء "اللجنة الشعبيّة المصريّة لمقاطعة البضائع الأمريكيّة والصهيونيّة" دعمًا لكفاح الشعبيْن الفلسطينيّ والعراقيّ. وكانت لهذه اللجنة نجاحاتٌ عديدة داخل مصر؛ كما كانت عضوًا مؤسِّسًا في اللجنة الشعبيّة العربيّة للمقاطعة، التي تشكّلتْ من لجان المقاطعة فى عشر دول عربيّة.

ــــ تنظيم تظاهرات داعمة للشعب الفلسطينيّ، وتظاهرة كبرى احتلت ميدان التحرير، تحت شعارات "لا للعدوان على الشعب الفلسطينيّ، وللاحتلال الأمريكيّ للعراق،" فور اجتياح قوات العدوان الأمريكيّ للعراق.

ــــ تنظيم "الحملة الدوليّة ضدّ الاحتلال الأمريكيّ والصهيونيّ،" وشعارُها: لا للعولمة الرأسماليّة والهيمنة الأمريكيّة، ونعم للمقاومة في فلسطين والعراق. وقد نُظّمتْ هذه الحملة سنويًّا ابتداءً من ديسمبر 2003، ردًّا على استمرار العدوان الصهيونيّ على الحقوق الفلسطينيّة، والاجتياح الأمريكيّ للعراق.

هذا وقد استمرّت مواقفُ التضامن مع القضيّة الفلسطينيّة في مصر قائمةً حتى اليوم، ويؤدّي فيها الشيوعيون المصريون دورًا بارزًا، تَمَثَّلَ أخيرًا في الموقف من إجراءات نقل السفارة الأمريكيّة إلى القدس، ومن تزايد وتيرة التطبيع مع العدوّ الصهيوني، ومن زيارة عرّاب العلاقات مع الكيان الصهيونيّ، سعد الدين إبراهيم، إلى جامعة تل أبيب وإلقائه محاضرةً هناك (بادر الحزب الاشتراكيّ المصريّ إلى عقد مؤتمرٍ سياسيّ لاستنكار هذه الخطوة، وأصدر بيانًا وقَّعَ عليه المئاتُ من المثقفين والسياسيّين).(10)

كانت النتيجة العمليّة لتراكم هذه الجهود أن فشلتْ كلّ جهود فرض التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ، ونبذ العناصر التي شاركت في هذه الممارسات، وعزلهم عزلًا تامًّا.

هذا غيضٌ من فيض، يوضح دورَ الشيوعيّين المصريّين في الدفاع عن القضيّة الفلسطينيّة. وقد لفت هذا الدور انتباهَ الباحثين؛ حتى إنّ جينارو جيرفازيو، المستشرق الإيطاليّ، انتقد في رسالة الدكتوراه، الحركة الماركسيّة في مصر (1967 ــــ 1981)، "إفراطَ" الحركة الشيوعيّة المصريّة في الاهتمام بهذه القضيّة على حساب القضايا الاجتماعيّة والطبقيّة، قائلًا: "إذا كان علينا أن نوجِّه نقدًا إلى اليسار الراديكاليّ المصريّ في عمومه، فسيتركّز على رؤية القضيّة الوطنيّة [القوميّة] كصورةٍ وحيدةٍ للحركة، حتى عندما أظهرت الجماهيرُ، بشكلٍ تلقائيٍّ، سخطَها بعد تكثيف الانفتاح والتخلّي المتزايد عن الضمانات الاجتماعيّة وقيام الدولة ــــ واقعيًّا ــــ بفسخ العقد الاجتماعيّ الذي يربطها بالشعب."(11) ويتابع: "فعلى الرغم من أنّ معارضة الانفتاح وتأثيراتِه الاجتماعيّة كانت موجودةً في برامج كلّ المنظّمات الماركسيّة،"(12)، فإنّ "تَفجُّر الأسئلة الخاصّة بالهويّة بعد رحلة السادات إلى إسرائيل، والتحوّلات التي تبعتْهاحوَّلتْ أنظارَ الماركسيين في مجملهم عن التغيّرات العميقة التي بدأ المجتمعُ المصريّ يعيشها فى هذه السنوات."(13)

وعلى الرغم من صحّة هذا الرأي فى جانبٍ منه، إلّا أنّ الواقع يقول إنّه لا يمْكن الشيوعيّين المصرييّن، أيًّا كانت الظروفُ والمبرِّرات، تجاهلُ "القضيّة الوطنيّة،" وفي صلبها القضيّةُ الفلسطينيّة" وتأثيرِها الضاغط على المصالح الإستراتيجيّة للوطن والشعب. فالاشتباك في الصراع ضدّ العدوّ الصهيونيّ واقعٌ لا يمكن الفكاكُ منه، ليس لأنّه أمرٌ يخصّ شعبًا شقيقًا وحسب، وإنّما لفهمنا أيضًا طبيعةَ الدور الوظيفيّ للكيان الصهيونيّ في خدمة الإمبرياليّة ومستهدفاتها في المنطقة ومصر، ولمخاطر المشروع الصهيونيّ على مصر وأمنها ومستقبلها. وقد عبَّرَ القائد الشيوعيّ الراحل زكي مراد عن هذه الرؤية أبلغ تعبير:

"والآن تحدّدت الخنادق، وأصبح هناك خندقان متقابلان فقط: خندقُ أحبّاء الوطن ومخلصيه، وخندقُ أعداء الوطن وخائنيه. لا تقلْ لي لأيّ اتجاهٍ سياسيٍّ تنتسب! قلْ لي عمّ تدافع، أُشِرْ إلى أيّ الخندقيْن تقف!"(14)

مصر

(1) العدد الأول من نشرة الثورة، يناير 1971.

(2) نفسه.

(3) البيان 1، "اللجنة الوطنية العليا للطلاب،" 20 يناير 1972.

(4) البيان 3 للجنة المذكورة.

(5) البيان 4.

(6) البيان الصادر عن مؤتمر كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة بجامعة القاهرة، 18 يناير 1972.

(7) البيان الصادر عن مؤتمر كليّة الهندسة بجامعة عين شمس، 19 يناير 1972.

(8) البيان 4، "اللجنة الوطنية العليا للطلاب".

(9) المصدر نفسه.

(10) من بيان: "وقِّعوا معنا: استنكارًا لدور سعد الدين إبراهيم التخريبيّ، وزيارته المشبوهة للعدو الصهيونى، الحزب الاشتراكيّ المصريّ، 2 يناير 2018.

(11) جينارو جيرفازيو، الحركة الماركسيّة فى مصر: 1967 ــــ 1981، ترجمة: بسمه محمد عبد الرحمن (القاهرة: المركز القوميّ للترجمة، عدد 1406، ط 1، 2019)، ص 363.

(12) المصدر نفسه، ص: 373.

(13) المصدر نفسه، ص: 372.

(14) من كلمته فى الاحتفال بتأسيس حزب التجمع الوطنى الوحدوى، يوم 10 أبريل 1

اتّصل بنا من نحن دار الآداب