Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

السفر مع الريح

قصة قصيرة

 

 ليس غريبًا أن تتعارض أفكاري مع أفكار أبي عرب. وليس غريبًا أن يحمّلني وزرَ ما حصل ويحصل في الوطن العربيّ. ولطالما حاولتُ تفادي النقاش معه، لعلمي أنّه لا يبحث عن حلول للمشاكل بقدر تصيّد الأخطاء وإلقاء اللوم. لكنّني أجد نفسي بغتةً في نقاش تاريخيّ معه:

ــــــــ هل معنى كلامك أنّنا أسيادُ ما حصل في القرن العشرين من هزائم ونكبات؟ لكنّكم، أنتم شباب القرن الحادي والعشرين، جيل السبعة وذمّتها، بدلًا من أن تتصافحوا بالأيدي، تصافحتم بالرصاص. أخذتم من الماضي أبشع ما فيه، وزدتم عليه الكراهيّة والطائفيّة.

ـــــــــ أليس واقعُنا انعكاسًا لبداياتكم وهزائمكم؟! ماذا خلّفتم لنا؟ صراعاتٍ ودولًا مقسّمة! ما أشدّ ألمي حين أتذكّر كيف كنّا نرسم بالطبشور على السبّورة وطنًا بلا حدود، وأصواتُنا تصدح "أجراسُ العودةِ فلتُقْرعْ ..."

ــــــــ وما الذي منعكم من أن ترسموا أحلامَ الطباشير في الواقع؟

من الصعب أن يُقرّ أبو عرب بهزيمته. وهو يدّعي أنّ آراءه تمثّل كلَّ العرب. عربدته هذه دامت فترة، إلّا أنّني فككتُ شيفرته؛ فعندما كنتُ صغيرًا، ظننتُ أنّ مفاتيح القدس في حوزته، وأنّ ملفّات البيت الأبيض في درج مكتبه. معروفةٌ عنه جملته الشهيرة بعد كلّ نقاش: "الله يرحمك يا فخري البارودي... قال بلاد العرب أوطاني!"

ابنه عدنان صديق مقاعد الدراسة. كان شفيعًا لتصرّفات والده الساخطة تجاهي. درستُ الاقتصاد والسياسة، بينما تخصّص عدنان في الهندسة المدنيّة، الأمر الذي جعلني كبشَ فداء لأبيه الذي لم يعتقني يومًا من الدخول في نقاشاته السياسيّة، فكانت الغلبة حليفه.

في الآونة الأخيرة، أصبح كالشوكة في حلق من يرغب في النقاش في ظلّ الموت الذي يخيّم على البلاد. قبل شهر دعاني عدنان إلى الاطّلاع على مخطّطه الجديد، وكالمعتاد اقتحم أبوه الجلسة وبيده صينيّة الشاي. جلس على الكرسيّ المقابل لي محدّثًا:

ــــــــ برأيك يا بنيّ، مَن وراء كلّ ما يحدث لنا في الوطن العربيّ؟

 احتدم النقاش. كان يصبّ الشاي ويرتشفه، وأنا أعبّ علبة سجائر "إيبلا" بعد إفراغ إبريق شاي. غدونا كثورين إسبانيّين: وجهيْن ينفثان النار. فعمد عدنان إلى تلطيف الجوّ بالعزف على العود، فبدا عزفُه كدعاية كريم تفتيح البشرة التي تتخلّل البرامج السياسيّة. عدتُ إلى بيتي، ولم يهدأ رأسي وأنا أفكّر كيف سأغلبه في المرّة القادمة.

تجوّلتُ في غرفتي طولًا وعرضًا، ونفسي الأمّارةُ تتمتم: "يا خسارة دراستك يا غسان. حتّى الآن، لم تهزم أبا عرب. ياحيف. يكفيك أن تغلبه مرّة واحدة."

فكّرتُ في تقمّص شخصيّته وانتحال آرائه. صفّقت لنفسي مشجّعةً: "داوها بالتي كانت هي الداء." دعوتُ عدنان ووالده إلى زيارتي. حضر المدعوّون. لم يكن دفءُ أيدينا من حرارة المصافحة قد زال بعد حتّى تناهى إلى سمعي سؤالُه المنتظر:

ــــــــ مَن وراء كلّ ما يحدث في الوطن العربيّ؟!

تمتمتُ:

ـــــــ الغرب ليس السبب الوحيد في كلِّ شيء، يا أبا عدنان، إلّا إذا كنّا أصفارًا.

ــــــــ لا بارك الله في جيلكم! الله يرحمك يا فخري البارودي، يقلبون الحقائق ويقفون مع الباطل.

ــــــــ ألم يكن هذا رأيك في المرّة الماضية؟!

ـــــــ هل تعلم حجمَ المستور الذي كُشف منذ المرّة الماضية، أم أنّك أصمّ وأعمى ترى ما تريد وتغفل عمّا لا تريد؟ أليس الذي يجري بكفيل بأن يقلب مجرّة كونيّة، فكيف برأسي الصغير؟! فكّر يابنيّ في كلّ كلمة قبل أن تنطق بها.

هكذا تحوّل هاجسي بقهر أبي عرب إلى سراب. لمَ إصراري وضياع وقتي؟! ومع ذلك، كان له الفضل بأن جعلني أعيد قراءة سياسات الدول وتاريخها. حفظتُ جملًا وعباراتٍ رنّانة لأتفوّق عليه. لكنْ يبقى السؤال: كيف أغلب رجلًا كالزئبق؟ عليَّ بالصمت. نعم سألتزم الصمت، لا مع ولا ضدّ. وهكذا، لن يجد أيّ ثغرة ليشنّ هجومه. ولأكن رِجلَ كرسيّ، فذلك خيرٌ من أن أكون شمّاعةً لكبته التاريخيّ.

مرّت الأيام، فتقابلنا في بيت صديق مشترك. كالمعتاد جلس قبالتي. وقبل أن ينطق، سمعتُ صوتي الداخليّ، كما أصوات الموجودين، تردّد سؤاله المعتاد: على ما يبدو جميعنا متحاملين. لكنْ، بما أنّ غسان نوى الالتزام بالصمت فلندعُ اللهَ له بالثبات.

ــــــــ ألا تسمعني أيّها الأصمّ؟

حاول جرّي إلى النقاش، فيما جلستُ "لا من فمي ولا من كمّي." انهال بالدعاء: "لا بارك الله فيكم يا مَن تدْرسون العلوم والاقتصادَ والسياسة ولا تفقهون شيئًا. يا خسارة التعب. لا عقل ولا منطق ولا مشاعر... تروْن الظلم وتخرسون كالشياطين. الله يرحمك يا ف...خ...ري..." فأنشد الحضورُ: "بلادُ العُرْبِ أوطاني." فاعتذرتُ وانسحبتُ من الجلسة يلفّني الإحراج.

بعد هذه الحادثة قلّ حديثي مع عدنان؛ حتّى تخيّلت أنّنا لن نتواصل مجدّدًا. لكنْ، ذاتَ صباح، كنتُ في طريقي لحضور مؤتمر، فمررتُ في الشارع الذي يقطن فيه عدنان. لمحتُ سيّارة إسعاف، ومجموعةً من الممرّضين يقتادون أبا عدنان، محاولين السيطرةَ على هيجانه. لحقتُ بهم إلى "مشفى الأمل للأمراض النفسيّة والعقليّة." وهناك علمتُ أنّه يتعالج منذ سنواتٍ طويلة.

يومها لم أحضر المؤتمر. رجعتُ إلى البيت ويداي معقودتان خلف ظهري. أجوب غرفتي ذهابًا وأيابًا مهدّدًا نفسي:

ــــ هص... ولا كلمة ولا تعليق... الحقّ ليس عليك، بل على مَن ينصتُ إليك كلّ هذه السنين. مضى العمرُ وأنا  أناقشك، وأنت تطارد المشافي النفسيّة.

وها هوذا صوتي يردّد: "الله يرحمك يا فخري البارودي... قال بلاد العُرْب أوطاني."

السعودية

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب