الصمتُ والكلام
04-05-2016

 

يقال إنّ الصمت عار؛ وهذا صحيح. إذ حين تُرتكب الجرائمُ وأنت تشاهدُها صامتًا، مع أنّ كلامَكَ لم يكن سيُعرّضُكَ (وأحبّاءك) للأذى، فأنتَ متواطئٌ معها.

لكنْ، حين يتشاركُ المتقاتلون في الجرائم، فإنّ مناصرتَكَ لأحدهم عارٌ أيضًا، ويكونُ كلامُكَ ـــ من ثمّ ـــ عارًا. ولا يخفِّفُ من هذا العار تأكيدُكَ أنّ مناصرتَكَ تعود إلى أنّ جرائمَه "أقلُّ" من جرائم الآخر، ولا أنّها جاءت محضَ "ردّ فعلٍ" على جرائم هذا الآخر.

فإذا أدنتَ المجرمين جميعًا، بالدرجةِ نفسِها، أو بدرجاتٍ متفاوتةٍ (على أساسٍ من الذرائع أعلاه)، فذلك لن يَشْفعَ لك عند المدنيّين الأبرياء: إمّا لأنّ إدانتَكَ لن تنقذَهم من الموت، أو لأنّ أقسامًا لا يُستهانُ بها منهم لا تصدِّق (أو لا تريدُ أن تصدّق) ما تقوله لها.

وهنا، لن ينفعَكَ الاستشهادُ بالتقارير والشهادات والفيديوهات والتسجيلات. فلو سألتَ أولئك المدنيين الأبرياءَ عنها جميعِها، وجمعتَ آراءهم معًا، لخرجتَ بالاستنتاج الآتي:

لا حقيقةَ في ما تراه أيّها الباحث عن "الحقيقة." كلُّ الإعلام مشبوهٌ. قلْ لي أين تَكتب (أو تَبثّ)، أو مِن أين تَكتبُ (أو تَبثّ)، أقلْ لك لحسابِ أيِّ جهةٍ تعمل!

والحقّ أنّ هذا الاستنتاج ليس مغاليًا في بعض الأحيان. فكم من صورةٍ، لجريمةٍ أو دمارٍ، تداولتْها وسائلُ الإعلام على أنّها في هذا البلد، فتبيّنَ بعد تحقيقٍ سريعٍ أنّها في بلدٍ آخر، أو أنّ آليّات الفوتوشوب تدخّلتْ بكفاءةٍ عاليةٍ لتشويه الأصل. وكم من تقريرٍ يشكّكُ في صحّةِ خبرٍ أو مشهدٍ ما، ليتّضحَ فيما بعدُ أنّ صاحبَ التقرير نفسَه مشكوكٌ في أمره! حتّى بعضُ المؤسّسات الدوليّة الإنسانيّة، التي لم يكن يرقى الشكُّ إلى صدقيّتها لدى غالبيّتنا، إذ بها، فجأةً، تتعرّض للانتقاد والاتهامِ والتهشيم.

هكذا بتنا، نحن المشاهدين، أسرى الكذبِ والكذبِ المضادّ، وراحت "الحقيقةُ" تتسلّل على استحياءٍ من تحت ركام الدمار والأكاذيب. وقد يأتي يومٌ، بعد سنواتٍ وسنواتٍ من الضخّ الإعلاميّ المتعدّدِ المصادر، نتوقّف فيه عن تصديق "أمّهات أعيننا."

***

في حالاتٍ كهذه، وهي متكرّرةٌ بسبب تماهي كثيرٍ من "المعارضات" المجرمة مع السلطاتِ المجرمة، سياساتٍ وإعلامًا، يكادُ لا يكونُ ثمّة معنًى للكتابة عن الجريمة في الحاضر.

أتكتبُ، إذن، لكي يقال إنّكَ "لم تصمتْ" عن الجريمة؟

أتكتب لكي تُرضيَ بعضَ الفسابكة الذين يطالبونكَ بـ "موقفٍ" ضدّ الجريمة، علمًا أنّه لم يؤْثَرْ عنهم موقفٌ واضحٌ واحدٌ من جرائمَ أخرى ارتكبها مجرمون آخرون أو ارتكبها المجرمُ نفسُه في الماضي؟

أتكتبُ لتُرضيَ مَن يتّهمكَ (زورًا) بـ"المعايير المزدوجة،" في حين أنّه لم يلتزمْ بمعيارٍ واحدٍ في حياته، بل نقّل البندقيّةَ من كتفٍ إلى كتفٍ، بلا كللٍ ولا تعبٍ ولا حياء؟

أتكتبُ لكي تسجّلَ "موقفًا للتاريخ"؟ وماذا سيفيدُ ذلك، اللهمّ إلّا في مقطعٍ (أو هامشٍ) من أطروحةٍ، يُعدُّها طالبٌ جامعيٌّ، بعد عقودٍ ربّما، وفيها يقول: "...غير أنّ فلانًا الفلانيَّ لم يلتزمِ الصمتَ أثناء الجريمة، بل شهَر قلمَه لإدانة المجرمين من كلّ الأطراف"؟

أصلًا، ألا تشعرُ أنّكَ عاجزٌ عن الكتابة حين تشاهدُ طفلًا مهشّمَ الرأس، بقذيفةٍ من هذا المجرم، أو بصاروخٍ من ذاك المجرم؟

***

ومع ذلك، فنحن نكتبُ ضدّ الجريمة لأنْ لا معنى لوجودنا ككتّاب إنْ لم نفعلْ ذلك. فالكتابة، في نهاية المطاف، مهنةٌ كسائر المهن، وإنْ كان مجالُها الأفكار، وهدفُها الوقوف في وجه الظلم.

ونكتبُ ضدّ الجريمة كي نسهمَ، ولو قليلًا، في بناء وعيٍ يَرفض طمسَها أو تلميعَها.

ونكتبُ ضدّ الجريمة لكي نقولَ إنّنا نرفضُ ذرائعَها، وعلى رأسِها ذريعةُ: "كلّ الحروب وسخة، أهناك حربٌ نظيفة؟"

ونكتبُ ضدّ الجرائم المتفاقمة في الداخل العربيّ لأنّها تحْرفُ أنظارَنا وتشتّتُ جهودَنا عن مواجهةِ جريمةِ العصر الكبرى الممارسة منذ العام 1948.

***

الصمتُ عار.

بعضُ الكلام عار.

 

بيروت

سماح إدريس

رئيس تحرير مجلة الآداب الورقيّة (1992 ـ 2012) والإلكترونيّة (2015 ـ...). له كتابان في النقد الأدبيّ، وأربعُ رواياتٍ للناشئة، وإحدى عشرة قصّة مصوّرة للأطفال، وعشراتُ الدراسات والمقالات والكتب المترجمة. عضوٌ مؤسِّسٌ في "حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان" (2002 ـ ...). ينتهي خلال أعوام من إنجاز معجم عربيّ  ضخم صادر عن دار الآداب.