العصيان (ملفّ)
21-05-2017

 

 

اختُرِع السجنُ السياسيُّ لردع الطلقاء، لا لحَجْبِ الأسرى عن الناس. يَحبسون مَن لم يَخفْ، ليخافَ مَن لم يحبسوه. والجانب الفعّال من جدار السجن هو الجانب الخارجيّ. لذلك، إذا قام الأسرى، داخل السجن، بعملٍ يزيل الخوفَ عن الطلقاء خارجه، كالهرب أو التمرّد أو الإضراب، فإنهم يُفْقدون السجنَ وظيفتَه؛ لا يعود السجنُ سجنًا بعدُ، بل يصبح خليّةَ تنظيمٍ فدائيّ، أو مظاهرةً تدعو الناسَ إلى النزول من بيوتهم نحو الشوارع. يصبح السجن مصدرًا للشجاعة لا للخوف، ودعوةً إلى التمرّد لا وسيلةً للردع. إنّ الأسرى حين يتمرّدون يَقْلبون السجنَ على رأسه ويطفئونه، كما تفعل بالسيجارة في المنفضة.

والسجّانون، في أيّ سجن، أقلُّ عددًا من المساجين. في السجون الجنائيّة، يستند السجّانون إلى دعم المجتمع لهم، فيصبحون أكثريّةً معنويّةً. أما في السجن السياسيّ، ولا سيّما سجن الغزاة الأجانب لأهل البلد المغزوِّين، فإنّ هذه الأكثريّة المعنويّة للسجانين تنتفي؛ ذلك لأنّ المجتمع خارج السجن يقف في صفّ السجين، لا في صفّ السجان. ولذلك لا يألو السجّانُ جهدًا في عزل الأسرى عن مجتمعهم، بل عزل كلِّ أسيرٍ عن أخيه أيضًا. يريد السجّان أن يوهِمَ السجينَ بأنّه [أي السجين] قلّة، لا أهلَ له، لا شعبَ له، لا أمّة له. لذلك فإنّ كلّ تواصل بين أسير وأسير، أو بين أسير وطليق، يَهدم السجن هدمًا.

والتواصل لا يكون بالكلام فحسب، بل قد يجري الحوارُ بالأفعال. فحين يُضرب الأسرى عن الطعام، فيحتشد الناسُ في الشوارع مثلًا، يكون الحوارُ قد وقع، ويكون السجنُ قد فقد فاعليّتَه، بل بدأ ينقلب إلى عكس المراد منه: أيْ بدأ يتحوّل إلى أداة تحريضٍ لا ردع كما أسلفنا. هنا يعيد السجّانُ النظرَ في حاله، ويرى أنّ القيود التي يضعها في أيدي خصومه الأسرى تضرّه أكثرَ ممّا تضرّهم.

ثم إنّ السجن يُسقط الحجّة عن الطلقاء المعتذرين عن تقصيرهم بضعفهم. فإنْ كان الأسرى أنفسُهم قادرين، بالامتناع عن الطعام، على المقاومة، فإنّ الطليق أوْلى بالقدرة على المقاومة؛ إذ يمكنه أن يمتنع عن عمله مثلًا، أو عن إطاعة حاكمه، خصوصًا إذا كان حاكمُه هذا متعاونًا مع السجّانين المحتلّين.

إنّ إضراب الأسرى في فلسطين هذا العام ليس الأول، ولن يكون الأخير. وهو يحقّق انتصارًا معنويًّا منذ اليوم الأول، ويخلق قيادةً عابرةً للفصائل، ويوفّر سبلًا للمقاومة على الرغم من انسداد الأفق السياسيّ في هذه المرحلة. وهو، بقوة المَثَل والتكرار، يهزّ أساساتِ الاستبداد في المنطقة كلِّها.

لنتعلمْ، ولينظرْ كلٌّ منا ما يستطيع فعلَه، لا لتحرير الأسرى فحسب، بل لكي يحرّر كلٌّ منّا نفسه كذلك. فكلُّ ما في الأمر أنّ ظالمًا أمَرَهم فعصوْه، ولو كان فيها تركُ الطعام والشراب. ولو أنّ كلَّ مأمورٍ بظلم عصى آمرَه، ولو كان فيها تركُ طعامِه وشرابه، لما بقي في بلادنا ظالمٌ على كرسيّه.

كالعادة، الأسرى يحرِّرون الطلقاءَ.

بيروت

تميم البرغوثي

شاعر فلسطينيّ، وأستاذ للعلوم السياسيّة. من مواليد القاهرة. حاصل على شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة بوسطن.

ممّا صدر له: الوطنيّة الأليفة: الوفد وبناء الدولة الوطنية في ظلّ الاستعمار (2007) - الأمّة والدولة: الدولة الوطنيّة والشرق الأوسط العربيّ (2008).

من دواوينه: ميجنا (1999) – قالوا لي بتحبّ مصر قلت مش عارف (2005) – في القدس (2009) – يا مصر هانت وبانت (2012)