الفلسطينيّ الجديد (ملفّ)
11-03-2017

 

 

إذا كان الشهيد باسل الأعرج وجد أجوبتَه ومضى، فنحن ــــ الأحياءَ ــــ نقف الآن أمام جملةٍ من الأسئلة التي ينبغي أن نبذلَ الجهدَ الكافي للإجابة عنها؛ من قبيل: هل هذا الشابّ المتعلّم المثقّف الذي اختار ــــ بوعيٍ ــــ السيرَ عكس التيّار مجرّدُ حالةٍ عابرة، أمْ يمثّل ظاهرةً فلسطينيّةً شبابيّةً نضاليّةً جديدة؟ وإذا كان ظاهرةً فعلًا، فما هي معالمُها ونماذجُها؟ وإذا صحّ وجودُ مثل هذه النماذج الشبابيّة النضاليّة، فهل تشكّلتْ لأسبابٍ ذاتيّة، أمْ لأسبابٍ موضوعيّةٍ فرضتها البيئةُ الاجتماعيّةُ السياسيّةُ الاقتصاديّةُ الفلسطينيّة؟ وكيف نفهم ردّة فعل "الشارع" الفلسطينيّ الإيجابيّة على هذه النماذج؟ ثمّ كيف نفسّر التناقضَ الظاهرَ في ردّة الفعل هذه: فالشارع يشجّع شيئًا، ويخاف منه في الوقت نفسه؟ أهوَ انفصامٌ يعانيه الفلسطينيون، أمْ مرحلة متقدّمة من الإدراك والتململ؟

قد يصعب تقديمُ إجابات كاملة عن هذه الأسئلة، ولكنّ طرحها ــــ في حدّ ذاته ــــ أمر واجب. فلن نتحرّر من واقعنا إلّا إذا فهمناه وحلّلناه ونظرنا إليه بعيدًا عن العموميّات والكليشيهات المسبّقة التي تعزّز لدينا وعيًا زائفًا بأنّ الواقع "على حاله" وأنْ لا شيءَ في الأفق. وكشرطٍ مسبّقٍ للحصول على إجابة مختلفة، فإنّ علينا التحرّرَ من ميثولوجيا "الشهيد والبطولة" ــــ على أهمّيّتها بالنسبة إلى الوعي الشعبيّ ــــ والعمل على التحليل بتجرّد وموضوعيّة.

باسل المثقّفُ أوّلًا، والناشطُ المنخرطُ في العمل الاجتماعيّ ثانيًا، والمناضلُ الشهيدُ ثالثًا، يمثّل خطوةً متقدّمةً ونضجًا جديدًا في ظاهرةٍ تتنامى باستمرار. وهذه الظاهرة، وإنْ بدأتْ في التشكّل سنة 2014، اكتسبتْ نفَسًا جديدًا مع عمليّة الطالب الجامعيّ مهنّد الحلبي في أكتوبر من العام 2015، وأخذتْ بعدًا جديدًا مع عمليّة المثقّف والناشط الشهيد بهاء عليان في الشهر نفسه من ذلك العام. سيلٌ من العمليّات الفرديّة شهدتْه تلك الفترة فاجأ الجميعَ، على شاكلة مفاجأة الانتفاضة الأولى نهايةَ العام 1987، خصوصًا أنّ المنفّذين شبابٌ، متعلّمون ومثقّفون، معظمُهم من الطبقة الوسطى، ولهم نشاطُهم المجتمعيّ. بكلمات أخرى: ليسوا شبابًا محبَطًا أو يائسًا، وإنّما فعلُهم نابعٌ من إرادةٍ حرّةٍ ووعي.

على أنّ اعتبار حدثٍ ما "ظاهرةً" يحتاج إلى أكثر من مجرّد تكرارٍ للفعل نفسِه؛ إذ يجب توفّر سماتٍ مشتركةٍ بين الأفعال المكرَّرة، ويجب توفّر ظروفٍ وسياقٍ وعلاقاتٍ سببيّة بين هذه الأفعال، بحيث لا تبقى حالاتٍ عابرةً لا رابط بينها. والحقّ أنّ الرابط  الأبرز بين هؤلاء الشباب ــــ غير موقعهم الطبقيّ وسماتهم الاجتماعيّة ــــ وهو الذي جمعهم من دون أن يلتقوا، ووحّد نضالَهم من دون أن ينسّقوا في ما بينهم، وحوّلهم نموذجًا من دون أن يقصدوا ذلك، إنّما هو: وعيُهم المشتركُ بطبيعة الحالة الفلسطينيّة الراهنة، بكلّ تفاصيلها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وقد تجسّد هذا الوعيُ، أوّلَ ما تجسّدَ، في إصرارهم على التحرّر من الحالة الفلسطينيّة القائمة، بل التبرّؤ من ممثّليها أيضًا. لذا جاءت مبادراتُهم النضاليّةُ شخصيّةً تمامًا. وخوفًا من ألّا نفهمَها ــــ نحن الأحياءَ ــــ على ذلك النحو، فقد حرصوا على أن يتركوا لنا في وصاياهم أنْ لا حزبَ يمثّلهم، وأنْ لا انتماء لديهم... إلّا إلى فلسطين.

وقد عبّروا أيضًا عن قطيعتهم مع الحالة الفلسطينيّة القائمة بعملهم الناشط على تأسيس مرحلةٍ جديدةٍ بوعي جديد. وتأتّى لهم ذلك عبر الانخراط في العمل المجتمعيّ، والنشاط الثقافيّ، وعبر قيادة مبادراتٍ شبابيّةٍ وتطوّعيّةٍ في مجالاتٍ مختلفة. كما أعادوا ربطَ هذا العمل المجتمعيّ والثقافيّ والتطوعيّ، عن قصدٍ وإدراكٍ عميقيْن، بالبعد الوطنيّ والنضاليّ للقضيّة الفلسطينيّة ــــ وهو الرابط الذي كانت قد شوّهتْه، خلال السنوات السابقة، أغلبُ المؤسّسات الأهليّة المموَّلة أجنبيًّا. لذلك، حين اختار بهاء عليان أن ينظّم أطولَ سلسلةِ قراءةٍ للأطفال والشباب، اختار لها أسوارَ القدس مكانًا. أمّا باسل، فراحَ ــــ من دون تنسيقٍ مع بهاء، بل ربّما من دون أدنى معرفةٍ به ــــ يحمل معه التاريخَ السياسيَّ والنضاليَّ كلّما نَظّم زياراتٍ إلى منطقةٍ ما في فلسطين، على عكس "المؤتمرات الشبابيّة السياحيّة" المموَّلة.

بمعنًى آخر، فقد ربط هؤلاء الشبابُ ــــ بوعيهم المشترك الذي نتحدّث عنه ــــ بين نضالهم الوطنيّ من جهة، ومحاولات ترميم الوعي الفلسطينيّ الداخليّ وإعادة بنائه من جهة ثانية، بسبب معرفتهم بمدى الترابط بين الجبهتين. وبالمناسبة، فإنّ هذه المبادرات تمثّل أيضًا قطيعةً مع مرحلة سابقة يمكن أن نسميَها "مرحلةَ النضال بالوكالة،" وذلك حين وصل الناسُ إلى درجة من  السلبيّة أقعدتهم عن مجرّد التحرّك ضدّ جدارٍ يُبنى على أرضهم، وتحت شبّاكِ بيتهم، على اعتبار أنّ هنالك سلطةً فلسطينيّة "تتوّلى الأمر"!

***

هنا، علينا أن نتتبّع، ولو بعجالة، ثلاثَ مراحل مرّت بها السلطةُ الفلسطينيّة في الوعي الشعبيّ، حتّى وصلنا أخيرًا إلى المرحلة التي توفّرتْ فيها الشروطُ الموضوعيّةُ لظهور هذا الفلسطينيّ الجديد الذي ينتمي إلى المستقبل، رافضًا الحاضرَ.

في المرحلة الأولى كان الشارعُ الفلسطينيّ منقسمًا حول ما إذا كانت هذه السلطة تمثّل، فعلًا، مشروعًا سياسيًّا يمكن أن يوصلنا إلى حقوقنا الوطنيّة. وقد استمرّ هذا الانقسام حتّى الانتفاضة الثانية صيف العام 2000. بعد هذه الانتفاضة سقطت الجدوى الوطنيّةُ لهذا المشروع من وعي الفلسطينيين.

ولكنّ السلطة سرعان ما أدخلتنا في المرحلة الثانية، ألا وهي: وهْمُ الجدوى الاقتصاديّة. فظهرتْ مجموعةٌ من أشدّ الشعارات قبحًا وخداعًا في تاريخ القضيّة الفلسطينيّة، مثل: "بناء مؤسّسات الدولة،" و"التنمية تحت الاحتلال،" و"لنثْبتْ للعالم جدارتَنا"... إلخ. وقد مثّل سلام فيّاض عنوانَ هذه المرحلة. ولم تمضِ سنواتٌ قليلة حتّى استفاق الناسُ ليجدوا أنفسَهم يرزحون تحت ديونٍ وهمومٍ معيشيّة لا نهايةَ لها. وهنا سقط أيضًا وهمُ الجدوى الاقتصاديّة.

نحن الآن في المرحلة الثالثة والأخيرة، قبل أن يحصل التحوّلُ الجذريُّ المنشودُ، وتُطوى هذه الصفحةُ الكالحةُ من تاريخنا المعاصر. وعنوانُ هذه المرحلة: الفراغُ السياسيّ التامّ، وموتُ الشرعيّات الفلسطينيّة الداخليّة بكلّ أشكالها. اليوم، يشعر الفلسطينيُّ بأنّه وحيد، وبأنْ ليس هناك مَن يمثّله أو يمثّل مصالحَه. كما لم يعد لديه حدٌّ أدنى من الثقة، لا بالخطاب السياسيّ السائد فحسب، بل بـ"المثقّف" السائد وبخطابه الثقافيّ السائد أيضًا؛ فالجميع ــــ في رأي الناس ــــ في فلك المصلحة يَسْبحون. بل بدأ الناس يشاهدون، بوضوح، ظاهرةً جديدةً عنوانُها: "الاحتلال يصيب الفقراءَ وحدهم"؛ ذلك أنّ النخبة السياسيّة والاقتصاديّة التي أفرزها وهمُ السنوات السابقة انسلختْ عن الشعب، حتى باتت تعيش بعيدًا عن أذى الاحتلال (وبموافقته بطبيعة الحال)... بل هي لم تعد تسمع شكوى الناس من هذا الأذى.

حالةُ الفراغ هذه، وموتُ الشرعيّات، واستنفادُ المشاريع الوهميّة، هي التي تفسِّر موضوعيًّا ضرورةَ ظهور بديل، تطبيقًا لمبدأ "الطبيعة تكره الفراغَ." والفراغُ هذا، بكلّ إفرازاته السيّئة المذكورة، يفسِّر ببساطةٍ هذا التعاطفَ الشعبيَّ الكبيرَ مع ظهور "الفلسطينيّ الجديد" صاحبِ المبادرة؛ مع العلم أنّ العمل النضاليّ قبل أقلّ من عشر سنوات لم يكن يحظى بكلّ هذه الشعبيّة. الفلسطينيّ اليوم يعاني الفقرَ وانعدامَ العدالة وتعمّقَ الطبقية من جهة، والذلَّ والقتلَ ووقاحةَ المستوطنين من جهةٍ أخرى. وكلما زاد خنوعُ الفلسطينيّ لظروفه الداخليّة، زادت وقاحةُ المحتل. لذلك، ليس مصادفةً أن تظهر العمليّاتُ الفرديّةُ في أعقاب تكرار حوادث الحرق: من الطفل أبو خضير إلى عائلة الدوابشة.

والشارع الفلسطينيّ الآن يعيش نزاعًا داخليًّا: بين قناعته بسوء حاله وضرورةِ تغييرها، ومدى قدرته على فعل ذلك. فالقناعة بالشيء لا تتجسّد في سلوكٍ مباشر، ولا سيّما إذا أدركنا كمَّ السياسات النيوليبراليّة ونوعَها وتجذّرَها خلال السنوات الماضية. من هنا، جاء ظهورُ "الفلسطينيّ الجديد،" الواضحِ بخياراته وقراراتِه وأجوبتِه، وكأنّه بوصلةٌ للاتّجاه الذي ينبغي على "الشارع" أن يحسمَ عبورَه. ولأنّ الحسمَ سيقع لا محالة، ولأنّ الاشتباك "جايْ جاي،" فإنّ دورَ هذا الفلسطينيّ الجديد لن يقتصرَ على إخراجنا من هذه الحالة، بل سيكون قيادةَ المرحلة الجديدة كذلك.

***

يبقى أن نقول إنّ كلَّ ما كُتب وقيل في باسل، وكلَّ ما كُتب وقيل في مَن سبقوه من الشهداء، سيعزّز في وعي الشباب هذا النموذجَ الجديد، الذي سيُسقط في النهاية نموذجَ الاستسلام والاستهلاك.

رام الله

معز كراجة

صحافيّ وأكاديميّ فلسطينيّ.