Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

المثقف المشتبك، أو النقطة صفر في الثقافة المعاصرة (ملفّ)

مقالات

 

 

تكمن بلاغةُ اللقب الذي كسبه باسل الأعرج، أي "المثقف المشتبك،" في أنّه نظريّةٌ في الثقافة لم تُكتَب بعدُ، بل بُثَّت مباشرةً، بالاقتباس والصورة والقصصِ المنقولة عن "حكّاء" فلسطين، إلى جمهورٍ لم ينقِّحْ منذ زمنٍ قاموسَ لغته. فمن هو المثقف المشتبِك؟

حتّى كتابة هذه الأسطر، نستطيع أن نلخّص بحثَنا في كلمتين: باسل الأعرج.

قدِم باسل إلى بيروت واثقًا بأنّ حدودَ دولة فلسطين، التي أعلنتها الشهيدة دلال المغربي من على باصٍ في تل أبيب يومًا، يجب أن تمتدّ حتّى نهر الأوّلي في جنوب لبنان. وهو يريد إعادتَنا، نحن أهلَ جبل عامل الذين سطا نيجر(1)  على لكنتهم، إلى فلسطين.

وماذا عن ضاحية بيروت الجنوبيّة؟ هل نترك الضاحية يا باسل؟

هي استراحةٌ من كسل التاريخ في شارع الحمرا، أو من سكونِه، كما يصف غرامشي فعلَ التشابه إنْ سيطر على مجتمعٍ ما. خارجَ التشابه في المرحلة العربيّة، وفي ضاحية بيروت الجنوبيّة، كان باسل يستفيض في تشريح فكرة "الشعوب الكامنة في شعبٍ واحد"؛ ويتحدّث عن "سيطرة السلطة الفلسطينيّة كثقافةٍ وأسلوبِ حياة،" تزامنًا مع سيطرتها الأمنيّة والاقتصاديّة، ومع فكرة "التعوّد على القبول" المزعجة.

فالسلطة الفلسطينيّة، في رأي باسل، ليست رئيسًا متخاذلًا يُقتل باسلٌ على بعد عشرة أمتارٍ من غرفته، الكائنةِ في الفندق الإسرائيليّ الكبير المسمّى "أوسلو." ولا هي جهازُ مخابراتٍ يكتفي بأن يرنَّ اسمُه في أكثر من فضيحةٍ وطنيّة، لو أنصفَ التاريخُ حكمَه. السلطة الفلسطينيّة هي تغييرُ العقيدة الفلسطينيّة ببطء: في المنهاج الدراسيّ (مثال: قضيّة الالتزام بـ"الحياد" في عقود تمويل مدارس الأونروا)، وفي المدرسة العسكريّة الرسميّة لِما يُفترض أنّه الوريثُ الشرعيّ لمنظومة منظّمة التحرير العسكريّة.(2) والسلطة الفلسطينيّة هي تغييرُ العقيدة الفلسطينيّة في العمل اليوميّ: عبر إلغاء القطاع الزراعيّ، وضربِ القرى التي تحصِّن الفدائيين في الضفّة، ونقلِ الفلسطينيّ إلى المصارف والخدمات ووظائفِ الجمعيّات المموَّلة أجنبيًّا. السلطة الفلسطينيّة، باختصار، هي دخولُ الفلسطينيّ في "غسّالة" البنك الدوليّ، والخروجُ منها عاريًا من قضيّته.

يرتّب باسل الأعرج الروايةَ الفلسطينيّة على طريقة غسّان كنفاني، أيْ بالتراكم الزمنيّ: من ضياع الهويّة في حيفا، إلى ضياع الخيار في الخزّان، فإلى تلقّفِ الحلّ عند أمّ سعد، وانتهاءً بالاشتباكِ الدائم مع حرّاس الهيكل من دون أن نُضطرّ إلى لعب "البطولة" على طريقة شمشوم (فلماذا نهدُّ الهيكل إذا كنّا قادرين على احتلاله على طريقة القرامطة الحُمر، وقادرين على قتال السلطة بوعي الناس، وقتالِ العدوّ بمعرفتهم؟).

هامش: يُحكى أنّ الشهيد السودانيّ عبد الخالق محجوب سُئل في المحكمة: "أنت شنو قدّمتْ للشعب السودانيّ؟" فأجاب: "الوعيَ... ما استطعتُ."

الوعيُ كثقافة يوميّة هو أن نَحفظَ لهجاتِنا، أسماءَ شوارعِنا، قصصَ كلّ زاوية، ألقابَ الشهداء وأعمارَهم وأحوالَ أهلهم. الوعيُ عند باسل الأعرج يعني الإعجابَ بالمقاتل اللبنانيّ الذي يشكّ الدخانَ في موسم التبغ، ويقاتل في موسم الحرب، ويستحيي أن يستعمل حقلَ الجيران لكمينٍ لأنّه يعرف شقاءَ الزرع.

هذا الوعي يَفرض على الكتل المتحرّكة، المثقّفة، أن تكون كتلًا متّصلةً لا منفصلة؛ ذلك لأنّ الخطر يكمن في تحوّل الثقافة إلى طبقةٍ مستقلّة، إلى "طائفةٍ" بالمفهوم اللبنانيّ، علاقاتُها الشخصيّة والثقافيّة والنشاطيّة مغلقةٌ على دائرتها الطبقيّة وسلوكيّاتها، بحيث تنفصل عن الصراع، وتصبح زبونةً لدى رأس المال. وهنا تبدأ الهيمنةُ الثقافيّة.

أمّا المثقّف العضويّ (الذي سـ"يشتبك" حتمًا مع قوى الاستعمار وفق سلّة المصطلحات القتاليّة التي تزخر بها أدبيّاتُ غرامشي)، فلا ينفصل عن طبقته الاجتماعيّة: لا يُنكر قيمَها وأفكارَها، ولا يتصادم معها، ولا يضع قناعَ طبقةٍ أعلى ليجاملها على أساس الوظيفة أو أسلوب العيش أو انحناءً للثقافة السائدة المهيمنة. يبقى المثقّف العضويّ إنسانًا كادحًا، ولا يستقلّ عن الجماعة؛ بل تنتفي برأيه ضرورةُ هذا التعريف ("المثقّف") أساسًا لأنّ الجميع كذلك: صاحب المهنة أو الحِرفة أو المعرفة الزراعيّة أو اليدوية أو الشعبيّة... لكلّ امرئٍ ثقافةٌ في أمر.

***

كيف نكرّس هذا الوعيَ في غياب تنظيمٍ جماعيٍّ عابرٍ للقرابات المحلّيّة؟

يصبح الوعيُ هنا مهمّةً فرديّةً أو خَلَويّة (على أساس خلايا عمل صغيرة): "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيّته." فنُبادر، ونخلق الأطُرَ، ونبدع الأفكارَ، ونذكّر بتواريخَ قديمة، ونعيد الأسماءَ والقضايا، ونسمّي القرى بأسمائها، ولا نحتفظ بأيّ معرفةٍ لأنفسنا. باختصار: نرفض القبول، ونمارس الرفضَ على أساس الجدوى المستمرّة: المقاومة.

وعيُ باسل الأعرج كان موجَّهًا بخطوطٍ أفقيّةٍ تمتدُّ من بلدته "الولَجة" إلى كلّ زاويةٍ في فلسطين، لا زواريبَ فيه ولا منعطفات. يُشبِهُ باسل الأعرج خلاصةَ مقالٍ للراحل جوزيف سماحة، أواخرَ الثمانينيّات من القرن المنصرم، في مجلة اليوم السابع، "هل تقبل تحالفًا في أفريقيا يا ناجي؟" في هذا المقال يتذكّر سماحة لعبةَ "ريسك" مع ناجي العلي في مكاتب جريدة السفير، عشيّة سقوط بيروت الغربيّة في يد الإسرائيليين صيفَ العام 1982، واصفًا مهاراتِ ناجي في نسج التحالفات من أجل بلوغ هدفٍ واضحٍ مباشرٍ لا مواربةَ فيه. يقول سماحة إنّ ناجي يعتبر أنّ الطريق إلى "الشجرة" (قرية ناجي) هو خطّ مستقيم من بيروت إلى رأس الناقورة، ولم يكن يفهم كلَّ المعارك الجانبيّة والداخليّة والشخصيّة؛ وكان يبني على أساس ذلك معاركَه: ضدّ "إسرائيل" وأعوانِها.

وهكذا كان مفهومُ باسل الأعرج للصراع. فلقد أتى ليلومَنا على تلهّينا بنقاشات الزواريب، وليقول إنّ الخلاص يكون في الحرب المعرفيّة على المحتلّ؛ وفي اختيار توقيت المعركة وزواياها وأدواتها، كما فعل أبطالُ عمليّة زقاق الموت (الخليل، 15/11/ 2002)؛ وفي القطيعة مع أدوات هذا المحتلّ المحلّيّة، من دون الاضطرار إلى الصدام الفتنويّ معها، بل عبر تعطيلها وعصيانها "الناعم."

لقد قرع باسل معذّبو الأرض كما تُقرع الأجراس، ووصّى به كلَّ من عرفه.(3) لعلّ ثمّة مَن يعقل فينجو من "التفاصيل،" ويعود إلى أولويّة الصراع: هزيمةِ المستعمِر قبل أيّ معركةٍ أخرى.

***

يستطيع باسل أن يناقش في أيّ حدثٍ فلسطينيّ في القرنين الماضييْن، مستندًا إلى عشرات البحوث والكتب، وإلى شهادات أناسٍ لم يتركْهم يومًا. ويكاد يشمل كلَّ قرية وكلَّ زاوية بقصّة. باسل الأعرج مؤرِّخٌ جوّال، متنقّل بين الكُتل، حجمُ حركته واضحٌ في شبكة علاقاته التي جعلتْ وقعَ استشهاده أوّلَ خبر فلسطينيّ يفعل هذا الفعل منذ زمن العدوان الأخير على غزّة.

لقد أصبح للثقافة دورٌ، بعد قلب باسل لكراسي مقاهيها. ودورُها ليس أن تجْمع عِلمًا فقط، بل أن تستخدمَه أيضًا: كأن تتعلّمَ معنى إطلاق النار من النقطة صفر في الثامنة عشرة من عمرك، كي تستخدمَ هذه المعرفة في الثانية والثلاثين إلّا قليلًا، من على سقيفة غرفةٍ، في الثانية صباحًا، من أجل الاشتباك مع جيشٍ بأكمله، لساعتين، وحولك أمّةٌ نائمةٌ.

المعرفة، عند باسل الأعرج، هي أن تصبح في نظر عدوّك كلَّ خاطف طيّارات، ومفجِّرَ باصات، وناسفَ دبّاباتٍ ومواقعَ معادية. هي أن تُحْسنَ حساباتِ النقطة صفر عند نصبك كمينًا للانقضاض على ثقافة الاحتلال: سرعة رياح انهيار السلام فوق رؤوس صنّاعه؛ اتّجاه الشمس من نافذة سجن السلطة؛ حركة المحتلّ من شارع إلى شارع، ومن فصيلٍ إلى فصيل.

باسل الأعرج اليوم هو "النقطة صفر" في ثقافتنا المعاصرة، أيْ نقطةُ البداية لتأسيس ثقافةٍ مقاتلةٍ حديثة. وقصّتُه هي الرصاصاتُ التي علينا أن نبذلَ كلَّ الجهد لتحسين هدفها، عبر استنهاض أبنائنا والشبابِ والجامعات والنوادي الثقافيّة، وجيرانِ الحيّ، ورفاقِنا في كلّ بلد، وأصدقائنا الافتراضيين.

وهنا مسؤوليّةُ كلِّ مَن عرفَه.

***

أستطيع أن أجزم أنّ باسل الأعرج اليوم، كما عرفتُه من خلف شاشةٍ منذ سنين، يسير بخطٍّ مستقيمٍ إلى فلسطين التي يريدها هو، لا التي أعطاها رابين غيرَه، حاملًا بندقيّةً في كلّ يدّ، وشنطةَ كتبٍ على ظهره سيُكمل قراءتَها بعد انتهاء المعركة.

لقد بدأ الاشتباكُ صباح السادس من آذار، ولم ينتهِ بعد.

بيروت

(1) حملة الجنرال الفرنسيّ نيجر على جبل عامل في أيّار 1920 لإنهاء مفاعيل مؤتمر وادي الحجيْر وضمّه بالقوة إلى "دولة لبنان الكبير"؛ راجع: نوال فيّاض، صفحات من تاريخ جبل عامل في العهدين العثمانيّ والفرنسيّ (بيروت: دار الجديد، 1998).

(2) راجعْ عقيدة/ خطّة الجنرال كيث دايتون، المنسّقِ الأمنيّ الأميركيّ بين الكيان الصهيونيّ وسلطة أوسلو، الواردة في محاضرة "حول صناعة الفلسطينيّ الجديد،" معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، 7 أيّار/مايو، 2009: https://paltoday.ps/ar/post/48813/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84-%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%AA%D9%88%D9%86-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

(3) فرانتز فانون،  معذّبو الأرض (بيروت: دار القلم، 1985، ترجمة/تحقيق: سامي الدروبي، جمال الأتاسي).

اتّصل بنا من نحن دار الآداب