Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

المدينة العتيقة: إنشادٌ على مقام الرخام

مقالات

 

إنشادٌ لهديلِ الحمام

 

أكانت ذكرى أمْ رجْعَ حنين؟

لأيّ هوًى كان الشجى؟

أَللأسوارِ والبوّابات

أمْ للدروبِ والحارات

وحكاياتِ الجدّات

في الليالي الماطرات

أجنحةَ أحلامٍ لبنينٍ وبنات؟

 

كانت حكاياتٍ من زمنٍ مضى، يأبى الامِّحاءَ مادامتِ المدينةُ العتيقة حروفًا من حجرٍ ورخامٍ تتحدّث إلى عشّاقها ومريديها كلَّ اللغات؛ وإنْ كَتَمَتْ حزنَها من عابرين بها، أو من كائناتٍ إسمنتيّةٍ تُطاول القباب كالألِفات العرجاء.

المدينة العتيقة دائرةُ أسواقٍ ومصانعَ ودُورٍ وخانات. تحفّها الأسوارُ، وتحميها الأبوابُ والأبراج، وتُدثِّرها جِنانُ نخيلٍ وزيتونٍ وتينٍ وليمونٍ ورمّان. هي كتابةٌ من طينٍ وترابٍ وخشبٍ وزجاجٍ ونحاس، تحاور الشمسَ عندما تنسج عليها رداءَ الدفء والحياة، وتحكي للقمر في ليالي اكتماله سِرَّ استمرارها على قيد الرواية.

وإِذْ رأيتَها من عَلِ، خِلتَها دوائرَ من موجٍ مختلفةٍ ألوانُه، بين البُنّيّ والأخضر والأحمر والأبيض والأزرق، أو عيونًا تُباغتُكَ بالسؤال الصعب: أحقًّا نحن مَن نسكن المدن، أمْ هي التي تسكننا وترحلُ فينا على امتداد الزمان والمكان؟

كلما دخلتَ المدينةَ القديمةَ شنّفت أسماعَك بالموسيقى وقصائدِ الملحون؛ فالقبابُ والصوامعُ والأبراجُ مفاتيحُ لطُبوع الإيقاعات الثلاثة، الحَضّاري والكَبّاحي والميزان المُصَرَّف(1)؛ تنويعاتٍ نغميّةً تعزفها الدروبُ والسواقي والحاراتُ والشرفاتُ والممرّاتُ المسقوفة بين الدُور والرياضات، في تناغمٍ أخّاذٍ مع تغريدِ الطير وهديلِ الحمام على جنبات أسقف القرميد وأشجارِ التوت.

تستضيف الدُّورُ والمساجدُ والباحاتُ ضوءَ الشمس على إيقاع الفناءات المفتوحة على السماء، فينزرع الضوءُ واللونُ من خلال زجاج العَشّاقي، الأزرقِ والأصفرِ والأحمرِ والأخضر، في ما يشْبه لوحاتٍ وظيفيّةً تعيد تشكيلَ الضوء والظلال بين الليل والنهار؛ فينشئُ ــــ مع الفسيفساء والزليج وأعمدةِ الرخامِ والمرمرِ والنقوش ــــ مقاماتٍ من موسيقى تتعانق فيها حاسّتا النظر والسمع، لتطير بك في ملكوتٍ أندلسيّ زار المكانَ يومًا ولم يعد كما كان.

فكلّ المصنوعات الطينيّة والفضّيّة والنحاسيّة والصوفيّة والجلديّة والمعماريّة لم تُصنعْ لتزيّن جدارًا في ركنٍ منسيّ، ولا لتوضع في زاويةٍ ليُتَباهى بمجدها التليد. هنا، الأواني والمصنوعاتُ والأدواتُ ذاتُ وظيفةٍ حياتيّةٍ وحضورٍ ينعم بالعيش اليوميّ، حيث تندمج الوظيفيّةُ مع جماليّة التناسب، مستدعيةً أشكالَ الدائرة والمعيّنات والمخمَّسات والمثمَّنات والتوريق والخطوط والزخارف، لتعلن هويّتَها الوجوديّةَ عن إنسانٍ يستدعي من أعماق ذاكرته الأستقساطَ الأربعة، بما فيها من ماءٍ وهواءٍ وترابٍ ونار، ويعيد تشكيلَها بخبرته لاستمرار الحياة، ويحدّد موقعَه من الجهات الأربع.

المدينة العتيقة هِبَةُ الصُنّاع؛ فهم الذين تكلّفوا ببنائها وزخرفتها وإخراجها صرحًا حضاريًّا، وسجلًّا للوجود الإنسانيّ، قبل خروج المهندسين والمعماريين. ولا غرو في ذلك الارتباطِ الغريب والعجيب بين الصُنّاع التقليديين وفنّ الملحون؛ فالصانع التقليديّ إمّا أن يكون شاعرًا من شعراء هذا الفنّ، أو يكونَ من فرقة الناشدين. ولكَم اجتمع فيهم الولعُ بفنونٍ شتّى من الطرق الصوفيّة. ومن هذا المخزون القوليّ والجماليّ تجد ذلك الانسجامَ بين أجزاء القصيدة ومقاطعِ المعمار وتفاصيله: من أبواب كبرى تخترِق الأسوار في كلّ مدينة مغربيّة عتيقة، تليها ممرّاتٌ طويلة، تقابلها "السرابة،" وهي مقطوعة شعريّة تسبق إنشادَ قصيدة الملحون وتُؤَدّى بشكلٍ سريع على إيقاع "الكباحي." ومتى بلغ الزائرُ الدائرةَ الأولى كان وسط ورش الصنّاع وخانات الزائرين، التي فُصلتْ بين دوْرٍ أرضيّ وآخرَ عُلويّ، وتنوّعتْ بتنوّع التجّار وبضائعهم: بين خان الحنّاء، وخان التمر، وخان الملح، وهكذا دواليك.

ومتى تجاوزتَ الدائرة الأولى، كنتَ في دائرة الدور والرياضات، تترنَّم مقاطعَ القصيد، بدءًا من لازمتها، أو "الحَرْبَة،" تقابلها على مستوى المعمار الأقواسُ ومداخلُ الحارات. فيأخذك المكانُ بين دروبٍ طويلةٍ وتجمّعاتٍ سكنيّةٍ تفوح برائحة الحنّاء والنخيل، القادمةِ في ركب ثقافة الصحراء. فهندسة الدور ومداخلُها هي ذاتها ما يُنعَت بالقصور(2) المنتشرة في واحة تافيلالت بالجنوب المغربيّ، التي استقدمها البنّائون الأوّلون، مع ما يحملون من مخزون وخبرات في التعامل مع الطين والخشب والجير والحجر لصناعة العمارة المدنيّة العتيقة، وهم يترنّمون فنَّهم التليدَ من مدوّنة فن الملحون.

وما بين الخاصّ والعامّ، والقصرِ وامتداداته، يرتبط شريانُ الحياة بدائرة المعيش اليوميّ في سوق الفواكه والخضر واللحوم والدواجن، لتَنشَدّ الأشعّةُ إلى مركز الدائرة، ممثّلةً في الجامع الكبير، وما يحيط به من مدارسَ عتيقةٍ ومراكزِ الخدمات الوقفيّة. عندها يبلغ الشاعرُ والمنشِدُ آخرَ مقطع من قصيدة الملحون، وهو مقطع التوسّل والدعاء.

إنّ المفردات الزخرفيّة المنبثّة على الجدران والقباب والأبهاء والسقايات هي عنوانُ التواصل الإنسانيّ، ودلالةُ التثاقف الحضاريّ المجمّع في بوتقة المعمار المغربيّ، المستمَدِّ من فنّ المعمار الأمويّ الذي ما زال قائمًا في الحواضر الإسلاميّة بالأندلس، والمُحاوِرِ بطبيعته الجغرافيّة لفنّ المعمار القوطيّ، والممتزجِ بالعمارة الصحراويّة. وهذا ما يجعل من المدينة المغربيّة العتيقة قطعةَ فسيفساء متناسقةَ الأجزاء، وأيقونةً تاريخيّةً تتحدّى الأزمنة، جاعلةً كلَّ حجرٍ أو نقشٍ أو خطّ عربيّ كوفيّ أو أندلسيّ مغربيّ بلوراتٍ وعيونًا على المستقبل، ومعلنةً في الوقت ذاتِه ولعَ الإنسان هنا بذلك الارتباط الحميم بين الماديّ والروحانيّ.

وإذا كان بناءُ المدينة العتيقة إنجازًا عامًّا لم يوثَّقْ إلّا باسم الآمِر بإنشائه، فإنّ قصيدة الملحون نصٌّ يحمل سماتِ صاحبه وبطاقةَ تعريفه. لذلك لم يتوانَ شاعرُ الملحون في توقيع اسمه في ذيل القصيدة شعرًا، يلازمها في الحفظ والإنشاد. ولأنّ المكان موحشٌ من دون الإنسان، فقد أضفى عليه هذا الأخيرُ بأنفاسه وتحوّلاته الوجدانيّة حرارةً تحتفي به في أماسي الأعياد والمناسبات، وتمنحه الشخصيّة اللائقة به عندما تطلي جدرانه بالجير والأصباغ، وتهديه قبسَ الحضور بالشموع والقناديل، وتعطّره بالماورد والرياحين والبخور.

المدينة العتيقة متحفٌ مفتوح، وسجلٌّ حيّ للذاكرة الإنسانيّة. لذلك يؤمُّها الزوّارُ والسيّاحُ وقنّاصو التحف والقانطون من ترف الحواضر الباردة، عند كلّ مطلع شمس، ليستعيدوا سيرةَ الآدميين قبل ظهور الآلة البخاريّة وتحوّلِ الكائن إلى "روبوت" في دوّامتها. يأتونها محمَّلين بالدهشة الأولى، وبفرحة الإنسان الأوّل عندما تحوّل من النيّء إلى المطبوخ، وسرى في أفياء الحرف يدوِّن قفزاته الحثيثة من عري الطبيعة إلى كساء الثقافة.

فالمدينة العتيقة أمٌّ حنونٌ عطوف، لا تردّ سائلًا ولا تنهر محرومًا. ولَكَمْ ظلّلتْ، وما زالت، هجراتِ القرويين في سنوات الجفاف والمجاعات، وما تخلّفتْ عن إقراء الضيف رغم العوز، وما تلكّأتْ في تلبية نداء الوطن والوقوف صفًّا متراصًّا في زمن النائبات.

وعلى الرغم من عوادي الزمن، وغزوات المصنوعات من الصين وسائر بلاد آسيا، فما زالت المدينةُ العتيقةُ تحاورك بجانبٍ من حسنها، وإنْ علاه الحزنُ من شرّ الياقات البيض اللواتي لم يعرفنها إلّا في صورة البقرة الحلوب التي تدرّ أصنافَ العملات.

المغرب

1 ـ الإيقاعات الثلاثة التي تُنشَد بها قصيدةُ الملحون، وهو شعر شعبيّ مغربيّ بوزن وقافية.

2. وحدات سكنيّة ذات باب رئيس واحد.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب