الممارسة التشكيليّة في جنوب المغرب: نماذج في فنّ التصوير
15-01-2018

 

يلقي هذا المقال الضوءَ على التجربة التشكيليّة في جنوب المغرب، وذلك من خلال نماذج صباغيّة لفنّانين شباب أمسوْا علاماتٍ مضيئةً داخل الساحة الفنّيّة هناك، وهي تتأرجح بين التجريد الحركيّ والصباغة المفاهيميّة والتصوير الفطريّ.

-1-

بلاغة الأثر

يُبدع امبارك بوحشيشي (وُلد ببلدة أقا سنة 1975) لوحاتٍ صباغيّةً تندرج ضمن التجريد الحركيّ (Action painting).

أعجب بوحشيشي خلال بداية مشواره الفنّيّ بفنّانين عالميّين، أمثال Basquiat، وTwombly، وVenet، وCombas. ويشكّل العام 2003 انعطافةً كبيرةً في مساره التشكيليّ بعد أن تأثّر بالفنّان الفرنسيّ Cascade، ومن ثمّ صارت له طريقتُه الخاصّة في معالجة اللوحة اعتمادًا على خلق تراكيب لونيّة تسودها فراغاتٌ بفعل تكثيف الاشتغال في أعلى القماشة.

صيغة تشكيل لوحاته حركيّةٌ بامتياز، تمنح سماتِها الأساسيّة من التعبيريّة التجريديّة والفنّ اللاشكليّ (Informel) الرافض لكلّ راكدٍ، شأن مجموعةٍ من روّاده العالميّين أمثال وليم دي كوننغ، ومارك روثكو، وهانز هارتونغ، وغيرهم من الفنّانين المؤسّسين الذين تناولهم كليفورد روس في كتابه: التعبيريّة التجريديّة: فنّانوها ونقّادها (1990) واصفًا أسلوبَهم بأنّه خليط من تيّارات فنيّة عديدة.

يسكب بوحشيشي أصباغَه مباشرةً من الأنبوب؛ ما يجعل لوحاتِه مشحونةً بكثافةٍ لونيّة، ترسم في تضادّها مجموعةً من المشاعر التي يثيرها أسلوبُه التلوينيّ الجامع بين الكثيف والشفيف، والمعتَّم والمضيء. ومن ثمّ أمسى سياقُ معالجته للسطوح والكتل والأبنية اللونيّة بعدًا أنطولوجيًّا للتجريد، يبحث في ممكنات المضمَرات عبر جعل التصوير "داخل الخارج وخارج الداخل،" على حدّ تعبير Maurice Merleau – Ponty.(1)

                                                          (لوحة للفنان مبارك بوحشيشي)

هي شعريّة لونيّة، نابعة من الارتماء في تجريدٍ حداثيّ، يَستوعب الحيّزَ التشكيليّ آثارًا وألوانًا وبصماتٍ مطبوعةً بفراغاتٍ مريبة، وملامس نافرة تمتدّ إلى تداعيات الحركة واندفاعاتها العبثيّة. هذه الشعريّة تبدأ لدى بوحشيشي من إيمانه بأهميّة الحركة في الخلق الفنيّ، وهو في ذلك يتقاطع مع جوزي رافائيل سوتو الذي يرى أنّ "الفنّ الذي لا يتحرَّك لا يمثّل الواقع."

طريقة اشتغاله تعكس تحرُّرَه من قيود اللوحة الكلاسيكيّة، إذ لا وجود لمِسند (Support) يرغمه على سلك اتّجاهٍ واحد. وهو في ذلك يشبه J. Pollock الذي صرَّح بأنّ رسومه لا تنشأ على حوامل؛ فهو يميل إلى تثبيت القماشة على الأرض أو الحائط، ويكون بحاجةٍ إلى ردّ فعل السطح الصلب. بوحشيشي يشتغل على هذا المنوال بأدواته الخاصّة، وبأسلوبه الخاصّ الذي يُشعره بالاقتراب والانتماء إلى لوحاته، فيستطيع حينئذٍ الدورانَ حول القماشة ومعالجتها من الجوانب الأربعة. هو هكذا داخل المرسم: كائنٌ متحرّكٌ، ينمو بديناميّة، ضمن سلسلة من الاشتغالات القائمة على الفعل، الذي يعني بالنسبة إليه جهدًا فكريًّا وجسديًّا في آن.

 

حيطانٌ لا تصدأ

على منوال "اللوحة ــــ الجدار" التي ظهرتْ نتيجةً لاختبار المادّة، لكنْ بأسلوبٍ صباغيّ مختلف عمّا توصّل إليه إميل شوماخر وكار فردهمان وفانونتر في ألمانيا، حين عمَدوا إلى وضع صباغةٍ سميكةٍ على السند للحفر عليها قبل إضافة ألوانٍ متعدّدة، لتتحوّل اللوحة إلى ما يشبه الجدرانَ القديمة؛ أبدع سليمان الدريسي لوحاتٍ برائحة التراب، حيث يذوب اللونُ في لجّة المادّة، وذلك بأسلوبٍ يَكثر فيه الامّحاءُ والتغريةُ والصبغاتُ العجينيّة التي تمنح اللوحةَ هويّةً مادّيّةً ذات تأثيرٍ على المتلقّي، لاسيّما على مستوى الملمس والحياكة.

في هذه اللوحات يبدو الفنّانُ مثلَ عالم الآثار، تستهويه القِطعُ العتيقة، فينسج أفكارًا ذاتَ طابع قديم قائم على التضادّ اللونيّ الملمسيّ. وفي هذه اللوحات يخبّئ ألوانًا ذاتَ دلالاتٍ مبثوثةٍ في جلد السند: من الأزرق الأغمق، إلى البنّيّ بدرجاتٍ ضوئيّةٍ مغبرة، إلى الرماديّ الملوّن، والألوان الترابيّة بميسمها الطبيعيّ. ومن ثمَّ يصير للأثر الفنيّ بقايا وتركيباتٌ طيفيّة خاصّة، يتساوى فيها الفراغُ والامتلاء، فيفتح أبوابَ التأمّل والتلقّي.

هكذا، وبواسطة الأكريليك والرمل والصلصال ومسحوق الرخام وموادّ التغرية والخامات المهملة، يشيِّد الفنّانُ لوحاتِه، متخلّصًا من القيود الزمانيّة والمكانيّة، غايتُه الأولى التعبيرُ عن الأثر بنوعٍ من المداعبة الإبداعيّة.

ولأنّ "كلّ فنّ لغةُ تعبير،" كما يقول Singler، فإنّ الفنّ في تجربة الدريسي تعبيرٌ خالصٌ عن الأثر في تاريخه المتقلّب الذي يرسم بصمات الزمن في تاريخ الإنسان. ولذلك تغدو لوحاتُه عامرةً بخدوشٍ لونيّة، وتخطيطاتٍ مبهمة، وكتاباتٍ تجريديّة، وأرقامٍ وتواريخَ لا يدرك دلالاتِها وسياقاتِها الزمنيّة سوى الفنّان. الكثير من هذه الآثار تتعاقب عليها الألوانُ والموادُّ لتمحوها تارةً، ولتلبسها تارةً أخرى هويّةً جماليّةً مختلفةً ذاتَ أصداءٍ واسعة.

 

تجريد بمسحة غرافيكيّة

ضمن تجارب ملأى بتشبيك الخطوط والخدوش اللونيّة، يبدع فنّانون تجريديّون، من بينهم رشيد بكّار. في أعماله آثارٌ لونيّة محجوبة، وأخرى شفيفةٌ وضّاءة، تتبادل المواقعَ على إيقاع غرافيكيّ لا يخلو من تخطيطاتٍ شاعريّةٍ متحرّرة ومتدفّقة بديناميّة لونيّة تفتح أمام المتلقّي خياراتٍ متعدّدة من الإدراك الحسّيّ والبصريّ.

خلافًا لذلك، يقدّم إبراهيم أشيبان لوحاتٍ تعبيريّةً وتجريديّةً في آن، من خلال اشتغاله على الوجوه والأقنعة بطريقة التعضيد الصباغيّ. فهو يعرف كيف يتعامل مع السند، ويستغلّ التحوّلات البصرية التي تنتج من تعدُّد موادّ الاشتغال. لقد شكَّلت الأقنعة لفترة معيَّنة مساحاتٍ تعبيريّةً مهمَّةً داخل لوحاته، إذ كان يشحنها بآثار لونيّة متراكبة ومتعدّدة الأزمنة. وتطويرًا لهذه التجربة، صارت اللوحة عنده أكثر تجريديّة، فانطفأت الوجوهُ والأقنعة، وحلَّت محلَّها تكويناتٌ صباغيّة مصوغة بمرونةٍ إبداعيةٍ وألوانٍ لدنة، في مقابل أخرى مصمّتة.

أمّا فيصل أحميشان فيواصل حفرَه في ثنايا المادّة واللون، جاعلًا منهما حقلَه الإبداعيّ البصريّ الموسوم بديناميّةٍ تمتدّ إلى جسده وفكره معًا. في هذه التجربة، تتواشج الألوان، وتنبجس مكسوّةً بتخطيطاتٍ منثالة وتواقيع غرافيكيّة سريعة التنفيذ، تعبّر عن لطخيّة (Tachisme) مفتوحة على التضادّ في اللون والمساحة. وبنوعٍ من "الفوضى الخلاَّقة،" تُمسي اللوحات فضاءاتٍ جماليّةً حرّةً تعكس الكثيرَ من انفعالات الفنّان أثناء الاشتغال. هكذا تندرج تجربة أحميشان ضمن تجريدٍ إيقاعيٍّ يقوم على التبصيم، وإغناء السند بآثارٍ صباغية متدفّقة، تغدو اللوحةُ على إثرها فضاءً يحتمل ضربات فرشاةٍ غليظة وعريضة، متباينة على إيقاع تعدّد المواد التلوينيّة ذات الطبيعة السائلة والذائبة.(2)

أمّا حافظ مربو، فيراهن على الفنّ المترحّل الطافر، نافخًا الحياة في الأثر عبر تدفّقات الألوان الممزوجة والموادّ المنصهرة المولِّدة لنتوءاتٍ بارزة. يبدأ الفنّان في تشكيل لوحاته بخطوطٍ مجرّدة، ليلبسها هويّةً جماليّةً أخرى: بالخدش، والمحو، وبوضع اللون على اللون، والمادّةِ داخل المادّة.

وأمّا أعمال الراكب الحيسَن التجريديّة المستوحاة من التراث البصريّ الصحراويّ فـ"تضعنا أمام مفارقةٍ كروماتيكيّة تتعلّق بعنصر اللّون. اللوحة الواحدة (على حدة) تمنحك الانطباعَ بتقشّف لونيّ يشير إلى الميل نحو المونوكروم أو اعتماد لونيْن على الأكثر (اللون ونقيضه ــــ اللون ومكمِّله)، فيما تمنحك سلسلةُ الأعمال في كُلّيّتها الإحساسَ بنوعٍ من الإفراط في تنويع اللون، كأنّ الأمر يتعلّق بمشهديّة ربيعيّة، أو بمقاطع مشتقّة من مناظر طبيعيّة وجغرافيّة،" كما يقول الناقد بنيونس عميروش.(3) وقد أقام الحيسَن معرضًا فرديًّا قبل مدّة في مدينة أغادير تحت عنوان "رؤية أخرى،" ضمّ مجموعةً من القماشات الصباغيّة التي قامت على المحو والتبصيم اللونيّ الحركيّ الممتدّ للجسد وتداعياته الكثيرة.

 

مدارات لونيّة

ونجد سعيد لبيض ينبش في ذاكرة الأثر، من خلال تقديم أعمالٍ مشحونةٍ بارتداداتٍ لونيّةٍ سريعة، في مقابل أخرى سميكة التكوين مكسوّةٍ بلمساتٍ عريضةٍ كحليّة تعتريها رمدةٌ موشّاةٌ بكتاباتٍ عصيّةٍ على الفهم. أعمالٌ تحمل في طيّاتها مناظراتٍ طيفيّةً بين عالم الشكل وعالم اللون، وذلك وفق تطبيقات لونيّة حركيّة تجعل التجريديّ مقابلًا للذات في حدود انفعالها وتمرُّدها.

أمّا عبد الهادي موريد فيختبر مشاعرَه من خلال اشتغاله على حواريّة اللمسة واللون بصيغٍ لا تستجيب إلّا للأحاسيس الداخليّة. إنّه نوعٌ من التعبير الخالص عن التوليف بين الموجات اللونيّة داخل تراكيب موسومة بألوان متوهّجة تحتلّ مساحاتٍ معيّنة من اللوحة، في مقابل أخرى خافتة لكنَّها حرّة غير خاضعة لسلطة اللون والسند.

خلافًا لذلك، نستحضر أعمال الفنّان شلف، التي تجسِّد اشتغالَه على الكائن البشريّ ضمن لوحاتٍ تُزاوج بين التشخيص والتجريد، ومحورُها أفواهٌ فاغرة، وأجسادٌ منطويةٌ وغارقة في التفكير. جلّ هذه الأعمال تمّ إبداعُها بموادّ متنوّعة (أحبار، أصباغ، مسحوق الجوز، دقيق الفحم الطبيعيّ...)، وذلك على أسندةٍ بعضُها عبارةٌ عن أوراق الكنانيش المدرسيّة، التي يدمجها مع القماش أو الخشب الرقيق، ويشغلها بآثار لونيّة وبقايا أحبار متناثرة. ولديه، إلى جانب ذلك، أعمال إنشائيّة معزَّزة بآليّاتٍ سمعيّة، يستطيع المتلقّي من خلالها متابعةَ أصوات وصراخات، أو الاستمتاعَ بنصٍّ شعريٍّ جميلٍ لإلهام ملهبي. تضاف إلى ذلك أعمالُ فيديو مشكّلة من صور ضوئيّة للفنّان، معكوسة على بعض الأسندة التي يتحرّك في داخلها جسدُ الفنّان بشكلٍ هوسيّ يرسم نوعًا من القلق الوجوديّ والاغتراب الداخليّ.

في بعض الأحيان، يلجأ شلف إلى خياطة جوانب من لوحاته؛ ما يجعلنا نربط بين الخياطة، ورسم أيادٍ ممتدّةٍ نحو أفواهٍ صارخة ضدّ الطغيان. الخياطة تفيد هنا الرتقَ والجبر، ما يضعنا أمام معنييْن: الحريّة والسلطة.

كما نذْكر مساهمة بوزيد بوعود ضمن تجربةٍ أقرب إلى فنّ الأرض، كان قد أشرف عليها الباحث الجماليّ موليم العروسيّ والفنّانة التشكيليّة كنزة بنجلون من حيث الإدارة الفنيّة، وميشيل تولير في التصوير الفوتوغرافيّ، ثمّ كاترين هلال وعبد الإله هلال  في التصوير بالفيديو. وقد تمثّل هذا المنجَز في مشروع "فنّ وصحراء،" المقام عام 2006 بصحراء مرزوگة/ إقليم الراشيديّة. هذا العمل اعتمد على استغلال الخامات المائيّة والنباتيّة، وشاركتْ فيه نخبة من الفنّانين الشباب المتميّزين.

                                     (موليم العروسيّ)

تصوير بمضمون فطريّ

ضمن الاتجاه الفطريّ في التصوير، تنسج فاطمة عيجو لوحاتِها بمَلونةٍ (Palette) طريّة، تمتزج فيها الألوانُ الحارّة والباردة بأهمّ اشتقاقاتها القزحيّة. هي هكذا تصبغ بعفويّة، وكأنّها تكتب مدوّنةً يوميّةً بألوان الحياة. وفي مقابل الصمت والخجل اللذيْن يطبعان شخصيّتَها كإنسانة، تظهر ألوانُها صارخةً ومبتهجةً وناطقةً بأصواتٍ مرئيّة، تتضمّن مفرداتٍ تشكيليّة عديدة.    

ألوانُها مشحونة بطاقة داخليّة متباينة الإيقاعات، تنبعث من عمقها إحساساتٌ مرهفةٌ تفوح زهوًا وتفاؤلًا وترسم نوعًا من الدهشة. في لوحاتها تتبدّى أكثرُ من دلالة أيقونيّة، خلف مضمون صباغيّ يعكس فكرَها الراكض ويمتدّ إلى شعورها الإنسانيّ؛ ذلك أنّ غالبيّة هذه اللوحات تظهر في شكل حدائق غنّاء، حيث الكثافة اللونيّة المنسوجة بخطوط إحاطةٍ رخوة تأسر الكتلَ والنماذجَ المرسومة لتمنحها هويّةً جماليّةً خالية من كلّ تعقيد أو ادّعاء.

وغيرَ بعيدٍ عن التجربة الفطريّة المذكورة، وفي هدوء بعيد عن صخب المدينة، يواصل الفنّان العصاميّ عبد الرحمن فاضلي الاشتغالَ داخل مرسمه، المشتمل على لوحات وتصاوير محمّلة بسمات التصوير الشعبيّ. لوحات مشحونة بالآثار الخطيّة، المتعدّدة المصادر، أغلبُها مستوحًى من الحياة اليوميّة، حيث تظهر في شكل تصاوير سرديّة تتضمّن حكاياتٍ وأساطيرَ، يصوّرها الفنّانُ بحسٍّ فطريّ خالص: فتيات شبه عارياتٍ في شكل أطيافٍ إنسيّة، مكبّلات بحبال، يجلسن في الشارع، يشربن الخمر ويدخّنَّ السجائر؛ في مقابل أخريات قابعاتٍ في بيت فقيهٍ مشعوذ يبحث لهنّ عن فرسان أحلام. هذا إلى جانب مواضيع تجريديّة، كاختزال للنمل الذي رافق الفنّانَ طويلًا، فرسمه مكثّفًا في جلّ اللوحات المنتمية إلى سنواتٍ سابقة. فضلًا عن الأزهار والرياحين المتفتّحة بجانب قيثارة، وأعين فضوليّة جاحظة تحرس المكانَ، فيما تتطاير فراشاتٌ تلهو غيرَ آبهةٍ بوجود وجوهٍ فزعة، قبالة عرائس متبرّجات...

ختامًا، وفي تجربة تصويريّة فريدة، ينفّذ الرسّام العصاميّ العربيّ لكحل مجموعةً من رسومه، وقد عرضها لأوّل مرّةٍ في المركز الثقافيّ لإيت ملول (أغادير)، بين 14 و31 أكتوبر 2017. نظّمت هذا المعرض جمعيّة "عقول مبدعة" تحت شعار "تعبيريّة الشارع،" وخلاله نسج لكحل عالمَه الفنيّ من وحي خياله وممّا تجمَّع لديه من مشاهد، فجسّدها على الورق والقماش بحسٍّ غرافيكيّ أساسُه تقنيّةُ التنقيطيّة (Pointéïsme) باعتبارها أسلوبًا ارتبط بتجربة الرسّام الفرنسيّ G. Seurat الذي عمد إلى فصل الألوان إلى نقطٍ لونيّةٍ صغيرةٍ متجاورة وممتزجة. غير أنّ لكحل ــــ ونظرًا إلى بساطة أدواته: أقلام جافّة، حبريّات ــــ قدّم رسومًا مغايرة وإنْ قامت على التنقيط من دون التفريط في القيم اللونيّة. رسومه مصوغة أيضًا بتقنية التهشير (Hachures) والتظليل والتسويد، المفعم بخطوطٍ مكثّفةٍ لتحديد الظلال أو مناطق العتمة والنُّور، أو لتحديد درجة كثافة اللون داخل حيّز ما من الرسم.

لذلك تنساب لوحاته في لدونةٍ لونيّة تكاد تكون أحاديّة، عبر مسارٍ محفوفٍ بالمعاناة، لاسيّما أنّه يشتغل منذ سنواتٍ ماسحًا للأحذية، يركن كلَّ يوم بجانب أسوار سوق شعبيّة في إنزكان، حاملًا معه صندوقَه الخشبيّ الصغير. وهو لا يتردّد في استغلال أيّة لحظة من لحظات فراغه في إنجاز رسوم جديدةٍ ليضيء بها مَن حوله من أبناء الطبقة الشعبيّة.

إنّه مصوّر من طينة نادرة. يمارس الرسمَ بكدّ عصاميّ، وبقناعةٍ ذاتيّة. وبهذا المنجز الفنّيّ الإنسانيّ، يحمل الفنّان في أعماقه سرَّ العيش الكريم بلا تزلّف أو تملّق، ويرسم من دون وصاية أو إملاءاتٍ من أحد.

***

وعلى العموم، تظلّ التجربة التشكيليّة في جنوب المغرب بحاجةٍ إلى المزيد من الرعاية والاهتمام، ومضاعفة البحث والتجريب والانفتاح الجماليّ على باقي التعبيرات الفنيّة المعاصرة. وتعتبر النماذج الصباغيّة المدروسة في هذا المقال متميّزة على صعيد الأسلوب والتقنية والرؤية الإبداعيّة.

Maurice Merleau - Ponty, L’Oeil et l’esprit  (Paris : Gallimard, 1985).1- 

2- مقتطف من التقديم الذي خصَّصناه لكاتالوغ معرض الفنّان فيصل أحميشان "تجلِّيات،" المنظّم في رواق الدائرة الحمراء بالصويرة (26 نونبر ــــ17 دجنبر 2016).

3- مقتطف من التقديم الذي خصّه الناقد بنيونس عميروش لمعرض الراكَب الحَيْسن "رؤية أخرى.." المنظّم في المتحف البلديّ للتراث الأمازيغيّ في أغادير (4  ــــ 30 نونبر 2016).

ابراهيم الحيسن

فنان تشكيليّ وناقد من جنوب المغرب. أستاذ سابق في مادّة التربية الفنيّة في مركز تكوين المعلّمين. صدرت له مجموعة من الأبحاث والدراسات في الفنّ والتراث.