Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

المُجادِلة (ملفّ)

قصة قصيرة

 

 

كانت تسير ملهوفةً حتّى وصلتْ أطراف المخيّم. بانَ لها مجلسُ الرجال على قمّة الكثيب، وقد شكّلوا حلقةً حول الشيخ عبد الله.

ومن بعيدٍ، طالعتها العيونُ مستنكرةً. انتبه الشيخ الذي كان مستغرقًا في شرح الآي الحكيم، فرفع وجهَه الوقور إلى ما يتطلّعون إليه، فرآها قادمةً تضرب الأرضَ بساقيها، وتسحب ملحفة "التاج" على جبهتها لتُخفي شعرَها المجعّدَ الشارد.

انتفض رجالٌ من المجلس ناهرين، وفي القلوب رغبةٌ في ألّا يحتاجوا إلى دفعها بعيدًا، وأن تسمع فتطيع:

ــــ إيه يا ليمانه! ما بالك قادمة على مجلس الرجال؟

صاحت بجرأةٍ ما عهدها ذاك الخلاءُ من امرأة ولا أَمَةٍ في المخيّم:

ــــ يا شيخ عبد الله. واللهِ ما قصدتُ السوء. وإنّي من سلالةِ عبيدٍ ما رفعوا رؤوسَهم أبدًا. وإنّي لمرضعةٌ أغلبَ الرجال في مجلسك هذا، ومرضعةٌ أبناءَ سيّدي ومولاي. وواللهِ، إنّي لراجيةٌ متمسّحةٌ في شرفكم الأصيل، ما أتزحزحُ قبل أن تفتي في أمري؛ فإنّي قادمةٌ في أمرٍ جلل.

تناهرتها الحناجرُ في غضبٍ واستفهام:

ــــ والله لا خير في "الخادم الحمراء." ما بالكِ تنهرين الشيخَ وتقتحمين مجالسَ الرجال؟! والله إنّ عقابكِ لكبيرٌ يا أَمَة الله.

واكتستِ الوجوهُ غضبًا وثورةً، لم يقطعْها إلّا صوتُ الشيخ عبد الله الذي قال في وقار:

ــــ ماذا دفعكِ إلى هذا الفعل الشنيع من اقتحام مجالس العلم ورفع الصوتِ فوق صوت النبيّ؟ واللهِ إنّ صوت المرأة لعورة، وإنّ صوت الأَمَة ليطرق الأذنَ فيوجعها.

ركعتْ على ركبتها في رجاء، وغصّت بالكلمات حتّى بعثتْ في النفوس ألمًا:

ــــ مولاي عبد الله. إنّ سيّدي "السالك فال،" مالكَنا ومالكَ رقابنا، يريد أخذَ حفيدتي إلى الحقول، وما لي غيرها. فبحكمتكَ ورشادكَ، تكرّمْ بإحاطتنا بكلمِك الطيّب؛ فالبنت عودُها ضعيف، وإنّها ليتيمة مؤدّبة تحفظ أجزاءً من القرآن، لكثرة ما لزمتْ جوارك وخدمتْ خيامَ أهلك وأهلِ زوجك.

أطرق الشيخ عبد الله، وردّ بعد صمت طويل:

ــــ ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعد. اسمعي يا ليمانه، إنّ سيّدك "السالك فال" مالكُ يمينها ويمينِك. وإنّ البنت لتطيق الوطأَ وتحتمل العمل. وإنّي، والله، لأرى طاعتَها واجبةً، وصبرك من رضى الخالق. فما أراها إلّا تذهب إلى الحقول. وله عليها ما للمالك على ملْك يمينه، خدمةً وفراشًا، إلّا أن يشاءَ الله غير ذلك. ولو كان في أيدينا تبديلُ دين الله، لبدّله الذين من قبلنا، لكنّه محفوظٌ إلى يوم الدين.

فأجهشتْ في البكاء وهي تتوسّل في رجاء:

ــــ والله ما تستطيع يا شيخي ومولاي. إنّها مسكينة؛ أمّها ماتت في عزّ الشباب، وما أعرفُ لها أبًا؛ فقد حملتْ بها أمُّها في الحقول. واللهِ إنّي لمستعدّةٌ للذهاب إلى الحقول بدلًا منها، برغمِ ما بي من وجع في الركَب، على أن يتركوها يا سيّدي في رحاب الخيام. والله ما أنا في هذا العمر بقادرةٍ على تضييعها، فلا تضيّعْها حفظ اللهُ نسبَك الرفيع ومقامَك العالي.

تصاعدتْ أنفاسٌ محترقة من صدور الرجال، وهم يشعرون بلوعة الأَمَة العجوز. لكنّها عواطفُ بدت دخيلةً على النفوس، موسومةً بالميول والتأويل، لا بالخضوع لمحْكَم التنزيل. وسرعان ما ابتلعتها الصدورُ عندما دوّت كلماتُ الشيخ عبد الله في الخلاء الفسيح:

ــــ واللهِ لو علمتُ في كتاب الله وسنّة رسوله ما يمنع السيّدَ من ملْك يمينه، ما أبيتُ. وإنّ السيّد ليَأْمر، وإنّ العبدَ ليطيع. وإنّ حفيدتَكِ لرهن ما قال سيّدها.

بعد بكاءٍ ونحيب، لملمتْ ليمانه حججَها، وعادت منكّسةَ الرأس تذرف دمعَها.

ومنذ ذاك المساء الحزين، لم تستقرّ ليمانة في خيمتها. فقد اتّخذت لها مكانًا قرب خيمة الشيخ. وبكت أربعين يومًا وهي تردِّد: "والله ما تستطيعُ يا شيخي ومولاي، إنّها مسكينة، أمُّها ماتت في عزّ الشباب، وما أعرفُ لها أبًا؛ فقد حملت بها أمّها في الحقول. والله ما أنا في هذا العمر وقد وهن العظم منّي بقادرة على تضييعها، فلا تضيّعْها، حفظَ الله المقام الرفيع."

وذاتَ صباح، عندما كنّا نوقد الحطبَ كي نقرأ ألواحَ القرآن أمام مضارب الخيام، جاؤوا لأخذ ميلمنين، صباحًا.

مرّوا عليها في خيمة الشيخ، وأركبوها حمارًا، وانضمّت إلى موكب العبيد فجرًا وهم سائرون نحو الحقول. وكانت تبتسمُ لأنّها أخيرًا ستترك المخيّم وتذهب إلى الحقول!

ومن يومها، سكتت ليمانة. لم تعد تطلب من الشيخ شيئًا، ولم تعد تتحدّث.

وبعد أيّامٍ سكتتْ إلى الأبد.

وقال الشيخ للرجال في جلسةٍ على الكثبان، في ذاك الخلاء الفسيح:

ــــ لقد رحلتْ ليمانه. وكانت مُجادِلةً لا تلين قناتُها، ولكنّ الوحيَ محفوظ. لقد سمع اللهُ قولَها، فأخذها في سمائه؛ وإنّه لأرحمُ بها منّا.

وكانت ميلمنين تنام في خيام العبيد، وتذهب إلى الحقول فجرًا. عندما نكون في "المحظرة" نوقد الحطب كي نقرأ ألواحنا. وعندما تعود من الحقول ليلًا، نكون قد شربنا الحليب... ونمنا.

نواكشوط

اتّصل بنا من نحن دار الآداب