Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

الهامش والوطن

نصّ

 

 

أعيشُ في منطقةٍ معطوبةٍ من العالم. أتحسّس يوميًّا مكامنَ ضعفها. أغوصُ بيديَّ في كدماتها، فأتحسّسُ جسدي.

 أخاف أن أرِثَ ندباتِها. أتلمّسُ عينيَّ وظهري قبل أن أنام؛ فمنذ أن تشكّلتُ داخلها واستشعرتُ رحمَها البائسة، وأنا لا ألوي إلّا على حزنٍ لا أملكُ تفسيرًا له.

أخاف أن أرثَ تجاعيدَ وجه الأرض فتضيق عيناي. أفكّرُ يوميًا كم تحتاج هذه الأرضُ من البوتوكس لردم شقوقها.

 أخشى أن أتقوّسَ كظهرها. أراقبُ احتراقَ جسدها، فأبلّلُ كفّيَّ بأنفاسي.

أفقد يوميًّا القدرةَ على التمييز بين درجات أحمر الشفاه، وأتماهى مع ظلام عينيها البدويّتيْن.

تروقني فكرةُ تأنيثها. إدوارد سعيد أنّثها يومًا فقال: "يغزو الخطابُ الغربيُّ الشرقَ عبر ذكوريّةٍ ترمز إلى العلاقة العاديّة القائمة بين الرجل والمرأة: فالغرب قويّ مهيمن؛ والشرق صامت، واهن، سلبيّ، والأهمّ ساحر، يتلقّى المبادرةَ الآتيةَ من الغرب، ويقبل الاختراقَ." (1)

أرسُمُها سمراءَ فاتنةً، بعينين ذابلتين، تتأمّل صورةً معلّقةً على الحائط لشهيدٍ ما، فينضح العسلُ من عينيها اللوزيّتين. جسدُها متكوّرٌ على تفّاحٍ يانعٍ أحلْناه كتلًا سرطانيّةً، ويداها كوكبان.

أخشى أن أرثَ هواجسَها. لماذا تعصرنا هذي البلاد؟ ماهذه التِّرِكة؟ رِثْها أنتَ يا ربُّ، فأنا أخاف!

أقلّب بنزقٍ دواوينَ شعرائها. يجلدُني السيّاب يوميًّا:

"كأنّ صيادًا حزينًا يجمع الشِّباك

ويلعن المياهَ والقدر."

مزّقتُ مرارًا، العامَ الفائت، ما كتبتُه في محاولة استكناه مَواطنِ الجمال في هذه القصيدة السحريّة، التي تنثال الصورُ فيها كجسدٍ مائيّ، من مخيّلةٍ تبثّ الدلالاتِ التي تومض في أرجاء النصّ، وتنير مساربَ الدمع فيَّ. واليوم... لاجديد. ما زلتُ أبكي للمرّة الألف كلّما قرأتُ:

"كأنّ طفلًا بات يهذي قبلَ أن ينام

 بأنّ أمَّه ــــ التي أفاق منذ عام

فلم يجدْها، ثمّ حين لجّ في السؤال

قالوا له بعد غدٍ تعود..."

أنا قميصُ ذاك الطفل الذي قدُّوه من دبر، حتّى عَرَّوْه وهو ينتظر أمّه. عيناي جرّتا ملحٍ، ويداي سائلتان.

تفضحنا الأغنياتُ العراقيّة. تعرّي بؤسَنا وحاجتَنا إلى البكاء.

أطربُ لبكاء الجميع حولي على مقام "الدشت" القديم إنْ خَطَرَ في ساحةٍ ما. حَسَنٌ... لستُ وحدي مَن يشعر بالحزن إذًا!

في أوراقها يمارس الجميعُ طقوسَ الحزن كما يليق بمتحاربِين نفذتِ البلادُ من بين أيديهم فأكلوا أكفَّهم. بيْدَ أنّي لم أحاربْ أحدًا يومًا: وقفتُ كغيري على الهاوية حين حاولنا سحبَ الحرب إلى كهفها، فصفعونا.

فارت الأرضُ، ووجدنا أنفسَنا نقدِّم إليها ماءنا جزيةً كلَّ مساء.

رسمنا بلادًا على مقاس أحذيتنا، فتعثّرْنا بظلّنا.

 رسمناها على شاكلة ريحٍ، فابتلعَنا عصفُها.

حلمنا بها تسرِّح شعرَنا صبحًا لترسلنا إلى مدارسنا، فأظلَمَتْ وزجّتْنا في حروبها.

الموت زماننا السائل، نقبّله ونعاقر ثوبَه الأحمر.

نخبَ البلادِ والحبِّ والحرب!

دمشق

(1) صورة الآخر الغربيّ ناظرًا ومنظورًا إليه (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط 1)، ص 104.

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب