Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

اليمن: استكناهٌ تاريخيّ (ملفّ)

مقالات

 

لأسباب تاريخيّة، هناك أممٌ ذاتُ وعي إمبراطوريّ، كما أشار د. نسيم برقاوي. وهذا الوعي ثقيلُ الوطأة على الثقافة الاجتماعيّة لأمّة تنتمي إلى العالم الثالث. ولهذا فإنّ نظرها إلى واقعها المهترئ بوعيها التاريخيّ يسبّب كوارثَ كبرى إنْ لم تسر في طريق إنسانيّ للتحرر والتنمية وتقرير المصير. اليمن هو  إحدى تراجيديات هذا الوعي؛ فالنسيان الذي يطاول اليمنَ من قبل الثقافات المختلفة، بما فيها الثقافة العربية المعاصرة، هو إحدى العلامات الرئيسة لهذه التراجيديا. وما نحن بصدده في هذه المقالة هو استكناه هذه التراجيديا وقياس ابعادها.

أوّلُ مكوّن في إشكاليّة النسيان هو المكان. فاليمن هو الجذر الجغرافيّ لشبه الجزيرة العربيّة، وتحدّه المياهُ من الغرب والجنوب، والسعوديّة وعُمان من الشمال والشرق، وفي الضفة المقابلة غربًا يقع الساحلُ الشرقيّ لأفريقيا. وكما هو جليّ فإنّ اليمن  ـــ والدولتين العربيتين جنوبَ البحر الأحمر (جيبوتي والصومال) ـــ ذاتُ فضاء حضاريّ مغلق، بعيدةٌ عن مركز الحضارة الحديثة، ممثّلًا في أوروبا الغربية. ولهذا، مثلًا، تهمَل حربُ اليمن الراهنة، أو تبدو في أفضل الأحوال بحثًا جانبيًّا في فضاء السياسة الدوليّة وفي إعلام الشرق والغرب:  فالقوى الكبرى لا تملك مصالحَ استراتيجيّة في اليمن؛ كما أنّ المهيِّجَ الاجتماعيَّ لأوروبا، وهو مسألةُ اللاجئين، معدومٌ في الحالة اليمنيّة لأنْ لا وجود ولو لطريقٍ خطرٍ للهرب من جحيم الحرب هناك.

وهناك مكوِّن إضافيّ وحاسم لهذا الإشكال، وهو مواصفات المكان الداخليّة. فبالإضافة إلى الصحاري القاحلة، والمناطق الزراعيّة التي تشهد أمطارًا طوال العام، هناك قسم من الجغرافيا اليمنيّة شديدُ الوعورة. ولهذا فإنّ الاستعمار (البرتغاليين والانجليز) كان غالبًا لا يدخل إلى عمق البلد، بل يكتفي باحتلال المدن الساحليّة ،وبالذات مدينة عدن، لغرض السيطرة على الملاحة البحريّة. والقوة الإمبراطوريّة التي "غامرت"  ودخلت إلى عمق البلد، وهي الامبراطورية العثمانية، طُردتْ مهزومةً مرتين؛ ولا تزال الثقافة الشعبيّة التركيّة تحوي أغنيات ومحكيّات عن معاناة أُسر الجنود الأتراك الذين قضوْا في حملتي العثمانيين لاحتلال اليمن.

وهكذا تكثّف عاملُ المكان لعزل اليمن عن الاحتكاك الحضاريّ بأوروبا. وحين استُعمر اليمن في عمقه، لفترة قصيرة، استُعمر من إمبراطوريّةٍ كانت في طور انحلالها، فلم تكن قادرةً على إنجاز بناء مؤسّساتيّ أو تحقيق "صدمة حضاريّة" في المجتمع اليمنيّ. أما الاستعمار البريطانيّ فلم يكن مفيدًا في تأثيراته الجانبيّة على المجتمع بسبب وعورة الجغرافيا ومساحة البلد الشاسعة، وانْ شهدتْ عدن آنذاك تشكّلَ ظواهرَ باتت جزءًا بنيويًّا من مجتمعها المحليّ باعتبارها مدينة موانئ وتنوّع إثنيّ ودينيّ.

***

عربيًّا، كان إشكال الجغرافيا حاضرًا، ويتمثّل تاريخيًّا في ثنائيّة المركز والأطراف فاليمن، في ركن شبه الجزيرة العربيّة، بعيد نسبيًّا عن موائل الإمبراطوريّة في الشام والعراق، وكانت الخلافة ترى فيه خزّانًا بشريًّا معروفًا بالجلَد والتمرّس في الحرب. ولهذا كانت شوكة اليمنيين قويّة ومذكورة في الفتوحات الإمبراطوريّة.

تسبّب البعدُ الجغرافي وتعامل الامبراطورية في فترات قوتها  مع اليمن كخزان بشري، في أمرين مهمين:

 - الأول هو منع  تراكم حضاريّ ومدينيّ مرتبط بالحضارة العربيّة.

- والثاني هو أنّ الصفة الطرفيّة لليمن، وصفته التضاريسية الوعرة، سمحتا له بتشكل سياق تاريخيّ/سياسيّ منفصل نسبيًّا عما كان يدور في مركز الإمبراطوريّة. فاليمن لم تحكمه نظمُ الخلافة المتتابعة إلّا إسميًّا، أما فعليًّا فقد تشكّلتْ سياقات سياسيّة خاصة به، كان أعنفها وأعمقها أثرًا فكرةُ الإمامة التي أتت مع الإمام الرسي الى صعدة.

هذا التمايز التاريخيّ والشروط الجغرافية جعلت اليمن بلدًا "منفيًّا" من وعي العالم؛ فهو بلد طرفيّ في العالم الثالث الطرفي بدوره! ولهذا ،مثلًا، حين يطالع المرء أبحاث تاريخ العقائد في الحضارات القديمة والكشوف الأثريّة بخصوصها، لا يجد للحضارات اليمنيّة السحيقة ذكرًا موازيًا لبقية الحضارات. ولم يشهد اليمن حملات كشف أثريّ واسعة كالتي شهدها العراق. ولن تجد كتابًا يخص اليمن مثل موسوعة وصف مصر على سبيل المثال؛ فالعالم كان يعرف اليمن بمينائيه الشهيرين (ميناء مدينة عدن، وميناء المخا) ؛ أما العمق التاريخيّ والاجتماعيّ للبلد فلم يدرج ضمن أولويات البحوث الاركيولوجيّة والأنثربولوجيّة.

***

ونأتي الى الاغتراب الأخير لليمن، وهو الاغتراب عن الذات. وإذا كان هذا الأمر مشتركًا بين جميع المجتمعات العربيّة بسبب فشل دولة الاستقلال في بناء أمّة المواطنين، فإنّ حالة الاغتراب اليمني متمايزة نسبيًّا.

أولى الإشكاليّات هنا هي إشكاليّة المساحة. فاليمن بلد كبير، وجغرافيّتُه الوعرة واختلافُ المناخات سمحتْ  بقيام  حواجز طبيعيّة بين منطقة وأخرى.  يضاف إلى ذلك التاريخُ السياسيُّ المتواشج مع المذهب الدينيّ في رعاية النظُم السياسيّة المتعاقبة والمتقاتلة طوال قرابة ألف عام. وزاد تعقيدَ هذا الإشكال شبهُ التطابق بين المذهب والمنطقة، حيث يمكن إلى حدٍّ كبيرٍ رسمُ حدود لانتشار المذهب مناطقيًّا ـــ وهذا ما خلق سرديّاتٍ  للمظلوميّات المختلفة في وعي اليمنيين تاريخيًّا. ويكمن احتفاءُ كثيرين بثورة سبتمبر 1962 في كونها حاولتْ تجاوزَ كلّ هذه التعقيدات، وبناء دولة يمكنها إنتاجُ هويّة وطنيّة. ولكنّ دولة الاستقلال فشلتْ في ردم هوّة المشكل المناطقيّ، وربما يكون المثالُ اليمنيّ نموذجيًّا لشرح العلاقة بين التنمية والهوية الوطنيّة:

في التاريخ الحديث، كان القطار إحدى أهمّ وسائل تجاوز التنافر المناطقي في الدول الكبيرة المساحة، ولا يمكننا فهم تاريخ بعض الدول الحديثة وتشكّلها من دون استحضار الوظيفة التي أدّاها القطار في ربط المجتمع وتمكين جهاز الدولة. واحتياج اليمن إلى نظام القطارات وشقّ الطرق وتعبيدها حاسمٌ في رأينا، ولكنّ عزلة اليمن التاريخية وشكْلَ نظمها السياسيّة قبل الثورة لم يسمحا بتعبيد الطرق ولا باستحداث نظام القطارات! ولعلّنا هنا نذكر أنّ الطريق الذي يربط بين مدينتيْ صنعاء وصعدة لم يمرّ على تعبيده بعدُ أربعون عامًا!

وحتى دولة الاستقلال بصورتها الشطرية شكّلتْ عاملَ تكبيلٍ مضاعفٍ لتشكل الهويّة الوطنيّة. ذلك لأنّ اليمن عرف دولتَي استقلال: الجمهوريّة العربيّة اليمنيّة في الشطر الشماليّ، وجمهورية اليمن الديمقراطيّة الشعبيّة في الشطر الجنوبيّ، وهذا يسبّب إشكالًا كبيرًا في الأبحاث السوسيولوجية والتأريخية اليمنية لأنّ الدولتين كانتا تعتنقان إيديولوجيتين مختلفتين، ما عكس ذاته على السياسات الاجتماعيّة والتوجهات التنمويّة. ولهذا كانت هناك تمايزات كبيرة حتى في تاريخ ما بعد الاستقلال، وقد كان هذا التضادّ يتحرك في خضم الحرب الباردة، وهذا زاد من غربة اليمنيّ، على ما عبّر عبدالله البردوني في قصيدته الشهيرة، "الغزو من الداخل":

يمانيون في المنفى...  ومنفيون في اليمن

جنوبيون في صنعاء ...شماليون في عدن!

بدأت اليمن تظهر في الوعي العامّ العربيّ من خلال السياسة أثناء بناء دولتي الاستقلال في الشمال والجنوب. فالتدخّل المصريّ لدعم قوى الثورة في العام 1962 لم يُدخل اليمنَ في ساحة الصراع الإقليميّ والدوليّ فحسب، بل أدخلها كذلك الى الوعي العربيّ من خلال خطاب المدّ القوميّ. وكذلك حدث الأمر مع الدولة الشيوعية الوليدة في الجنوب: فقد دخلتْ إلى الوعي العربيّ بوصفها التجربة الماركسيّة الوحيدة عربيًّا، وكانت علاقاتُ السياسيين اليمنيين ممتازةً مع الماركسيين في المشرق العربيّ، وغنّى مارسيل خليفة لعدن، وقال أيمن أبو الشعر قصائدَ في عبد الفتّاح إسماعيل؛ وبرغم هذا، وبسببه أيضًا، ظلّت اليمن في هذه الحالة أسيرةَ المخيال الشيوعيّ، ولم يتمّ الاقترابُ من ثرائها الإنسانيّ والثقافيّ.

تمظهراتُ الوعي هذه في النصف الثاني من القرن العشرين سمحتْ بتشكّل أفكار تنميطيّة وتناولاتٍ استشراقيّة لليمن في الإنتاج الثقافيّ العربيّ ونجد هذا على سبيل المثال في عنوان كتاب أنيس منصور، اليمن: ذلك المجهول. ولم يكن هذا العنوان من قبيل الإثارة الصحفيّة فقط، وهي التي كان يتقنها منصور جيدًا. ولتقريب فكرتنا نقول إنّه لم يكن ممكنًا  أن يكتب منصور كتابًا عن رحلة إلى لبنان أو تونس  بالعنوان ذاته لأنهما ليسا بلدين منفيّين من الوعي العربيّ.

ضاعف من قدرة التناولات العربيّة التنميطيّة لليمن على الاستمرار ضعفُ مؤسسات إنتاج الخطاب في اليمن. فلم توجد المطابعُ ودُورُ النشر الجيّدة، ولم تنشأ طبقةٌ متنوّرة تتذوّق الفنون الحديثة في عهد المملكة المتوكليّة لأنّ المناخ الثقافيّ كان مصمتًا بالتقليد الفقهيّ. وعلى عكس سورية مثلًا، التي تأسّستْ أوّلُ جامعةٍ فيها في  مطلع القرن العشرين، كان ظهورُ أول جامعة يمنية في السبعينيّات؛ وهذا لم يسمح بتشكل تقليد أكاديميّ يجذب الطلّابَ العربَ للارتحال والدراسة، في حين وفرت الجامعات السورية والمصرية فرصة لاستكشاف الطلاب العرب لمجتمعاتها وانتاجها الثقافي.

كما أنّ  الدراما والسينما والمسرح والمجلات الثقافيّة والدوريّات انقطع تراكمُها، المحدودُ في الأساس، بعد إحكام نظام علي صالح على البلد بعيْد حرب العام  1994، إذ لم يعد هناك خصم إيديولوجيّ توظَّف ضدَّه الفنونُ والثقافة. وهذا الفهم الوظيفيّ والذرائعيّ للثقافة كان كارثيًّا في آثاره، خصوصًا أنّ صالح ـــ في خضمّ تثبيت حكمه ـــ قام بخطوةٍ "ساداتية،" فتحالف مع الإسلاميين لضرب القوى القوميّة واليساريّة، ما أصاب الحركة الفنيّة والثقافيّة بالشلل بعد انتعاشها اللافت في السبعينيات والثمانينيات. ولأنّ اليمن ليست من دول الطوق، ولا تملك ثروة نفطية تمكّنها من مدّ نفوذ إلى المحيط، فلم يكن أمامها لكسر تاريخ النفي والنسيان إلّا الثقافة والفنون، لكنّ هذه ضُربتْ ضربة قاصمة مع نهايات القرن الماضي، وظلّ كبارُ الكتّاب والشعراء والفنانين اليمنيين محصورين في الداخل ولم يُعرَفوا في أفقهم الثقافيّ العربيّ.

المجتمع اليمني منفيّ من وعي العالم والوعي العربي، ويعايش الاغتراب في وعيه الجمعيّ الذاتيّ. واستحكامُ دوائر النفي تفسّر لنا عدة ظواهر، منها: هجرةُ اليمنيين المبكّرة إلى اثيوبيا وجيبوتي وجنوب شرق آسيا وبريطانيا ودول الخليج العربيّ، ومركزيّةُ فكرة المنفى والغربةوالإحساس بالمأساة في الأدب اليمنيّ الحديث (كما في رواية يموتون غرباء للروائيّ المرموق محمد عبد الولي، وفي أعمال عبدالله البردوني، وعبدالعزيز المقالح).

ألمانيا

اتّصل بنا من نحن دار الآداب