Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

"الْبواب"

قصة قصيرة

 

 

 

المنبِّهُ اللعين يوقظني. أتحسّس الفراش. لا دمية. تطاردني الأحلامُ من جديد. ما هذا الضجيج؟ طفلتان تتشاجران. تتّجهُ إحداهما نحوي قائلة: "ماما، لولو لم تَجْهز بعد. تنتظرك لتمشّطي شعرها." أردّد باستغراب: "لولو؟! أنتِ مَن أفسدها. أصبحتْ في العاشرة، وتدلّعينها لولو؟"

أحدّثُ نفسي: "وما دخلي بها؟"

تأتي لولو الجميلة كأختها، بشعرٍ طويل وعينين شقيّتين. تمدّ لسانَها إلى الأخرى: "ماما، سرّحي شعري."

لا بدّ أنّني أمُّ هاتين الطفلتين. أجدّل شعر لولو، فيبدو لي كخيوطٍ تشدّني إلى الماضي. أتذكّر زميلاتِ الدراسة في حصّة الفراغ، حين كنّا نحوّل الصفَّ إلى محلٍّ لتصفيف الشعر. أهمس: "أتريدين جديلة عاديّةً أَمْ سنبلة؟"

تعود الكبرى. تدمدم: "عندما كنتُ في عمرها، كنتُ أمشّط شعري وحدي."

كيف أشرح لها أنّ جديلة أختها ما هي إلّا بوّابة تربطني بالماضي؟

 زمّور الباص يقطع مخيّلتي وينهي الشجار. تخرجان مسرعتين. صوت الحقيبة المدرسيّة يقرع الدرجات. تردّد لولو: "أحبّك ماما، لا تنسي... لا تنسي."

ــــ لا تخافي يا حبيبتي. لأمّك ذاكرة الديناصورات.

ليتني أنسى بعض الأشياء.

أراقبهما عبر النافذة وهما تصعدان الباصَ وتلوّحان بشدّة. ألوّح بالشدّة نفسها مع إرسال القبلات الطائرة.

يسود الهدوء. النافذة مفتوحة. أقف مشدوهةً كالصنم، كممثّلة على خشبة مسرح مهجور: لا حضور، لا نصّ، لا موسيقى تصويريّة. يبدو أنّني أنتظر شيئًا ما. أسمعُ ضجيجَ المركبات على الأسفلت من بعيد. أين عصافير الدوري؟ أين الزرازير؟ أين مواء القطّة التي تطاردها جارتنا؟ لا باعة متجوّلين. أتّجهُ نحو الكمبيوتر لأختار أغنيةً لفيروز، ثمّ أتراجع. أريد سماعها آتيةً من نافذة أخرى. لكنْ لا نافذة مطلّة. لا شيء سوى شارعٍ موحش ومساكنَ صمّاء. ينتابني قلقٌ أخشى على أثره إغلاقَ النافذة، كأنّها الأخيرة المطلّة على العالم.

اشتقت إلى أن يقرعَ أحدُهم الباب ويعطيني طبقًا من طعام. أريد أن أتذوّقَ أكلَ جيراننا، وأن أعيدَه مليئًا كمن يحمل الكونَ على طبق.

أرتّب سريري: لا ألعاب تحت الوسائد أو الشراشف. أتأمّل سقفَ الغرفة: هادئًا كقبرٍ مقفر. حتّى السطح لا يطأه أحد.

هذه الأسطح لا تحمل سوى خزّانات المياه وصحونِ الستالايت. أمّا سطحُ دارنا فمحشوٌّ بأسرار النجوم، بخجل الغيوم، بإشراقة الشمس وهي تداعب الزرع لينمو، فننمو، وتنمو أيدينا، وتصبح قادرةً على قطف الأكيدنيا.

أتأمّل الساعة على الجدار المقابل: مرّت ربع ساعة كانت كفيلةً بإعادتي ربع قرن إلى الوراء. الأفضل أن أعدَّ القهوة. أضع أغنية "الله معك يا هوانا..."  القهوة تغلي، تطرطش على الغاز، على ملابسي التي تحمل آثار بقع التوت والطين من أيّام الطفولة. أفتح الخزانة لأبدّل ملابسي. تقع يدي على فستان عليه ورود. ألمسها، فتأخذني إلى سنابل القمح. أعبر النهر بقدمين حافيتين. أشعر برطوبتهما. يسقط الفستان. أعود إلى المطبخ، إلى فنجان القهوة، وفيروز وهي تردّد: "ضلّوا تذكّرونا..."

لم أنسَ يا فيروز. لم أنسَ يا رحابنة. أتذكّر أدقّ التفاصيل. لقد كبرتُ وما زلت أَعدُّ حبّات الرمل العالقة بين أصابعي، وأشمّ رائحة العشب فوق حذائي. لم تعد هناك سنابلُ قمح، ولا أشجارُ تينٍ لأجلسَ في فيئها. اختفى كلُّ ما تعلّمته، وحلّت الفيزياء مكان النجوم، والكيمياءُ محلَّ الأنهار والأزهار. ثمّ جاءت الحرب، وأخذنا نحصي عدد الموتى ونقسمه على عدد العائلات، ونطرح ما تبقّى على قيد الحياة.

أشعر أنّني أختنق. أتحسّس رقبتي. أرتدي عقدَ ألماسٍ بدلًا من طوق ياسمين كنّا نشبكه بخيطٍ نسرقه من ماكينة خياطة أمي، ثمّ نركض على الدرج، ونطلّ من المشربيّة، ثمّ الشرفة، وصوتُ أمّي يصدح: "انتبهي لا تسقطي."

لم نسقط من الشرفة يا أمّي. سقطنا بخداع الأخرين. سقطنا في قبرٍ جماعيّ. سقطنا من الخذلان، من أعين بعضنا. سقط طوقُ الياسمين والغاردينيا. سقطتْ بتلاتُ الجوري. وسقط معها أطفالُ الحارة. سقط بيتُنا. وأنا هنا أتأمّل سقف غرفتي، فيأخذني النوم. أستيقظُ على قرع الجرس. عادت الفتاتان.

ــــ ماما شو طابخة؟

لا شيء. لا قمح عندنا. لا حمام. لا غاردينيا. لا ياسمين. ماذا أطبخ؟ صوت فيروز من الجوّال: "كل شِي بيخلص حتّى الأحلام."

أعود إلى غرفتي. تتبعني الفتاتان. تحمل لولو كأسَ الماء، وأختُها حبّةَ الدواء. "سلامتك ماما." تطفئان الضوء، وتغلقان باب الغرفة.

حينها فقط، تصير الأبوابُ ذكرياتٍ تأتي بالليل والنجوم، وتعيد دميتي. تفتح بوّاباتِ الشام جميعَها، ويطير الحمامُ في ساحة المرجة، ويعجّ المكان بأصوات الباعة، ويجري بردى، وتنمو الزهور.

ألتقط ُالجوّال، وأشغّل أغنية "الْبْوابْ."

أهمس في سرّي: "دقائق قليلة سيسري مفعول الدواء."

دمشق

اتّصل بنا من نحن دار الآداب