بخصوص سيّد الصخرة
18-03-2016

(Del Senor de la Pena)

Eliseo Diego  أليسيو دييغو

ترجمة: محمد منصور

 

مهجورًا منذ عشرين عامًا، ينتصب القصر فوق هضبة صخريّة على أطراف القرية، حيث تهيم الرياح حوله تطارد إحداها الأخرى في لعبة متوحّشة. وحيث يحطّم البحر قبضاتٍ لا تحصى بشكواه الأبديّة التي لا تتوقّف أبدًا.

أنهى العمال إصلاحه منذ شهر، والآن قد وصلت للتوّ عشرون شاحنة محمّلة بالأثاث لغرفه العشرين، تسير، كما بدا للكثيرين، وكأنّها تائهة.

وقف البواب والطباخة والبستانيّ والخادمة، الذين استوظفهم المالك الجديد مؤخّرًا،

يراقبون وصول الشاحنات، متّكئين على جدار الشرفة.

- لا بدّ من أنّهم كتيبةٌ نظاميّة.

 تنهّدت الطبّاخة. وافق الباقون بأسى.

لكن، في آخر القافلة لم يكن هناك سوى سيّارة واحدة تقلّ سيّد الصخرة الجديد، وحيدًا.

- قد يكون في الأمر ما هو أسوأ. تنهّد البستانيّ.

وافقت الخادمة بحماسة: "بالتأكيد."

- إنّه فتًى، حقًّا مجرّد طفل! قالت الخادمة وهي تصلح تسريحة شعرها، وتحاول رؤية وقفتها الجانبيّة في زجاج غرفة المؤن.

إليسيو دييغو (1920-1994)

 من أهم شعراء كوبا والعالم اللاتينيّ، وكاتب مقالة وقصّة قصيرة، ومتخصّص في ترجمة الحكايات الشعبيّة والخرافيّة. كان فاعلًا أساسيًّا في جهود كوبا، بعد ثورة 1959، في مجال محو الأمّيّة.

 له دواوين شعر عديدة منها طريق يسوع للجبل (1949)، الإشراق المظلم (1966)، أيّام حياتك (1977). صدرت له ستّ مجموعات قصصيّة، منها: بين يدي النسيان المظلمة (1942)، تسالي (1946).

- حسنا. قال البستانيّ، وقد ألقى بقبّعته المتعرّقة على طاولة المطبخ، وأخذ يجفّف عرقه بمنديل أحمر وأصفر عملاق.

- طفل بوجه رجل عجوز؟ من كان ليظنّ...؟

 وبدأ يروي كيف أنّ سيّد الصخرة قد أصرّ على إخفاء أصص ورود بين سعفات النخيل.

- ثم إنّ... أضاف وهو يرمق الخادمة بنظرة ذات مغزى: ... بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه.

-واضح. أجابت بحماس: بما أصابه من آلام في الظهر، المسكين.

-إنّه فتًى تقيّ ويعرف ربه. أكّد البوّاب الذي يقدّم الخدمة الشخصيّة، أيضًا، للسيّد: مدفونٌ هناك بين كتبه، بثيابه تلك التي تشبه ثياب كاهن، ودائما مع عبارات من نوع "هل لي أن أطلب منك معروفًا؟"، "هل لك...؟ من اللطف أن...؟" و"مع جزيل الشكر." حتّى إنّه اعتذر منّي ذات مرّة، عندما أرقتُ القهوة عليه. وضعت الطبّاخة يديها على وركيها، وقالت معترضة:

- ثوب كاهن؟! كلّها قذرة، وجزمته... بل أنا أقول إنّه تتاري [كذا] همجيّ. والطريقة التي يطلب بها الروم منّي،  ولا حتّى زوجي الراحل...!

-هيا، هيا. قال البوّاب وهو شارد الذهن، منشغلًا بعدّ بعض النقود: يمكن أيًّا كان أن يمرّ بلحظةٍ سيّئة.

-إنّه رجل مسنّ! قال البستانيّ ضاربًا الطاولة بقبضته: أقول إنّه رجل مسنّ، ومن المعيب استغابته هكذا.

- أنصتوا إليه! زعقت الخادمة: رجل مسنّ! يتخيّل أشياء! إن كان ما تقوله بمثابة تفكيرك بصوت مسموع فلا بأس، أمّا أيّ شيء آخر...

-حسنًا. تدخّل البواب محاولًا تهدئة الأمور: إنّه أصلع قليلًا، ومتمسّكًا بعاداته بعض الشيء. لكنّه ليس عجوزًا. وكونه أشقر...

- أصلع وأشقر؟ زنجيًا، هنديّا! قاطعت الخادمة طالبةً من السماء أن تشهد. وكادا أن يلجأا إلى التعارك بالقبضات لكنّ البواب ـــــ الذي كان قد قرأ بعض الكتب في يومه، وباختصار كان مثقّفًا ـــــ أمسك بذراع الطبّاخة الملوّحة بالاعتداء مطالبًا بالهدوء والإنصات. وقال:

- إنّه حقًّا لشيء غريب. يبدو أنّنا نتحدّث عن أربعة أشخاص مختلفين. ولو أمعنّا التفكير للحظة، فإنّنا نحن الأربعة، جميعنا، لم نرَه إلّا مرّة واحدة حين وصوله. وقد كان مقمّطًا بالفرو كما لو كان دبًّا. هل يكون هنالك ثلاثةٌ منتحلون في البيت؟ أنا اقترح أن نذهب في الحال، نحن الأربعة، لنرى. هو في مكتبه؛ لقد تركته هناك للتو. لكنّ الطباخة اقترحت أن يستدعوا صهرها، شرطيّ القرية، أوّلًا، فمن الأفضل أان يذهب الخمسة معًا إلى نافذة مكتبه.

كان سيّد الصخرة جالسًا إلى طاولته، لكنّه لا يكتب. كان قد أسند رأسه إلى ظهر الكرسيّ العالي، غارقًا في الضوء النافذ من كوّات النور في السقف.

- نعم. إنّه السيّد، إنّه فتى! قال البستانيّ مندهشًا.

غطّت الخادمة وجهها براحتيها، وقالت: "إنّك على حقّ. إنّه عجوز مريع."

تراجع البوّاب خطوةً، راسمًا شارةَ الصليب: "إنّه شيطان بحقّ."

عقدَت الطبّاخة ذراعيها فوق مئزرها، ونظرت إلى سيّد الصخرة بغبطة. بعدئذ، شدّها الشرطيّ، الذي بدأ صبره بالنفاد، من كمّها بامتعاضٍ. وقال: "إلامَ تنظرين؟ فليس هناك سوى كرسيّ شاغر."

 

محمد منصور

كاتب ومترجم فلسطينيّ، يقيم في لبنان.