Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

تخديرُ الشاشة

الافتتاحية

 

جلستُ قبل بضعة أسابيع مع أسيرٍ فلسطينيٍّ محرَّر. مناضلٌ قضى أعوامًا في سجون الاحتلال، قبل أن يتحرّر في صفقةِ تبادل. ما أخافني هو كلامُه على طريقةٍ "خلّاقةٍ" و"غير مكلفة" يمارسُها الاحتلالُ من أجل كسر إرادة المناضلين الأسرى: إنّها التلفزيون. فالاحتلال الإسرائيليّ يتعمّد، في سجونٍ محدّدةٍ على الأقلّ، الإبقاءَ على التلفزيون شغّالًا ساعاتٍ طويلةً، بحيث يُدْمنُه بعضُ الأسرى، إلى حدّ عدم رغبة عددٍ منهم في الخروج للتريّض أو لرؤية الشمس.

في منتصف الثمانينيّات التقيتُ في العاصمة الجزائريّة أسيرًا فلسطينيًّا محرّرًا آخر. أذهلتني كميّةُ الكتب التي قرأها داخل السجن. كان الرفيق (ي) بين جملةٍ وجملةٍ يتوقّف ليسألني: "قرأتَ المجلّدَ الأوّلَ من هذا الكتاب يا رفيق؟ قرأتَ الرواية الفلانيّة يا رفيق؟" كان (ي) نبعًا لا ينضب من المعلومات والكتب والمقالات. وكنتُ أحيانًا أزعم أنّني قرأتُ ما سألني عنه: فكيف أعترفُ، أنا "الطليقَ" الذي أملكُ حريّةَ جلبِ أيّ كتابٍ أريدُه، بأنّني جاهلٌ أمام هذا "الأسير" المقطوعِ عن العالم؟ أخبرني (ي) أنّهم ناضلوا طويلًا في السبعينيّات والثمانينيات من القرن الماضي للحصول على هذه الكتب. كان (ي) يقرأ ما لا يقلّ عن 8 ساعات يوميًّا. تخيّلتُه، وقد شحّ نظرُه، وهو يسطّرُ بقلم الرصاص تحت الجُمل "المهمّة،" ثم يدوّنُها من جديدٍ في دفترٍ صغيرٍ أحمر يدسُّه في جيبه، أو يخفيه في حفرةٍ سرّيّةٍ داخل زنزانته. الأهمّ أنّه، ورفاقَه، كما أخبرني، كانوا يطالعون، بنهمٍ مَرَضيّ، كلَّ ما يقع تحت أيديهم، من أجل هدفٍ واحدٍ لا غير: أن يمنعوا العدوَّ من تجويفِ عقولهم وتسطيحها، وصولًا إلى منعهم من مواصلة المعركة ضدّه فور خروجهم من الأسْر.

حين استمعتُ إلى محدّثي الآخر قبل أسابيع تذكّرتُ لقائي مع الرفيق (ي) في الجزائر. كان واضحًا أنّ الاحتلال لم يعد يكتفي بالقمع المباشر، بل أَرفقه، إنْ لم نقل استبدله أحيانًا، بالتلفزيون. هكذا أنشأ الاحتلالُ علاقةً حميمةً بين بعض المناضلين وبعضِ الممثّلين والممثّلات، وورّطهم في مسلسلات التشويق الشهرزاديّة. الأسوأ أنّ عددَ الكتب والمجلّات التي كانت تدخل هذه السجونَ، وضمنها مجلةُ الآداب أحيانًا، تضاءل بشكلٍ كبير. مُحدّثي، الذي لم تنطلِ عليه لعبةُ التلفزيون، وإنّما بات في موقعٍ طليعيٍّ في تنظيمه بعد خروجه من الأسْر، أخبرني أنّ هذا التنظيم صار أكثرَ إصرارًا على أن يمارس المعتقلون الرياضة، وعلى أن يزيدوا من أوقات المطالعة. لقد أدرك التنظيمُ، ومعه بعضُ الأسرى (لا كلُّهم للأسف) من تنظيمات أخرى، أنّ التلفزيون يُراد له أن يكونَ وسيلةَ "ترهيلٍ" جسديٍّ وفكريّ، وأنّ مقاومة إغراء هذه الوسيلة بالرياضة البدنيّة والعقليّة معًا جزءٌ لا يتجزّأ من مقاومة الاحتلال نفسه.

أتساءل الآن: أليس هذا فعليًّا ما يحدث لنا خارج السجون أيضًا، وعلى نطاقٍ أوسع؟

ها قد صار كثيرون منّا أسرى الشاشات، والمسلسلات، والمسابقات، خصوصًا في شهر رمضان المبارك. نتقلّب بين نادين الراسي، ونيللي، ونادين نجيم، ويحيى الفخراني، وتيْم حسن. وبين المسلسل والمسلسل، نَسترقُ النظرَ إلى "شُويْشة" الهاتفِ الجوّال، خشيةَ أن يفوتنا شيءٌ "مهمٌّ" على الفيسبوك والواتساب والماسينجر. حتى نضالُنا السياسيّ "تفسْبَكَ" و"توتْرن" أحيانًا: فصرنا نستعيضُ عن المظاهرة بالبوست "الثوريّ،" وعن الاعتصام بتغريدةٍ ملعلعةٍ، وصار مقياسُ نجاحنا السياسيّ هو عددَ اللايكات والشيرات و"القلوب" والبسمات والقهقهات. وبدلًا من أن نُسخّر ما تقدّمُه لنا شاشاتُ التواصل الاجتماعيّ من أجل تجديد وسائل عملنا التقليديّة (المملّةِ في معظم الأحيان)، كالندوات والتظاهرات والاعتصامات والمؤتمرات الصحفيّة، فإنّنا صرنا نستخدمُ تلك الشاشات للمزايدات اللفظيّة، والمشاحنات العبثيّة، ولتبرير القعود.

أعداؤنا يحاولون كسرَنا بالسلاح وبالتخدير. وعلينا أن نقاومَهم بالسلاح طبعًا، ما أمكننا ذلك؛ ولكنْ أيضًا بشحذ الوعي، وتجديدِ وسائل مقاومتنا، وترشيقِ سُبُل نشرها وتعميمها.

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب