Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

تفاصيل عالقة

قصة قصيرة

 

 

مُذ علمتْ مَيّ بلائحة تبادل الأسرى والمعتقلين التي اتُّفق عليها بين المعارضة والنظام، عملتْ جاهدةً مع أصدقائها، ممّن تبعثروا في دولٍ أوروبيّةٍ مختلفة، كي يُدرَجَ اسمُ زياد ضمن قائمة المفرَجِ عنهم سنة 2014. في الأثناء، كانت تتنقّل بين غرفةٍ وأخرى، مغرِقةً الشقّةَ بضبابٍ كثيفٍ من دخان السجائر، من دون أن تُلقيَ بالًا لمرض القلب الذي وُلدتْ به: تجلس على السرير وتشعل سيجارةً. تجلس على الكرسيّ وتشعل أخرى. على الطاولة. على السلّم. وفي زوايا الغرفة المكشوفة. تقف خلف النوافذ، وتذرو الرمادَ من الطابق الخامس. وتمعن في التفكير في الاحتمالات القادمة.

كانت تمسح الدماءَ من فوق عينها وحاجبها الأيسرين جرّاء اصطدامها بباب الغرفة، عندما اتّصل فراس ليخبرَها عن الإيقاع بزياد واعتقاله. قبل أسبوعين من تلك الحادثة، كانوا قد اجتمعوا في حيّ القيمريّة في مظاهرةٍ طيّارةٍ، علت فيها أصواتُ قرابة عشرين شابًّا وفتاةً مردِّدين: "تِعْلى وتتعمَّرْ يا دار، محميّة براجكْ. والعسكرْ دايِرْ مِن دار، توقف ع سياجك." بُغتةً، خرج شبّيحةٌ يحملون العصيَّ الخشبيّة. ركضوا وراء المتظاهرين ليفرِّقوهم. أطلقتْ ميّ وسلمى سيقانَهما للريح. لحق بهما رجلٌ، يبدو في العقد الرابع، مهدِّدًا، وواصفًا إيّاهما بـ"بنات قحبة." خلعت ميّ حذاءها، واستمرّت في الركض مع صديقتها في شوارع دمشق القديمة. وحين ولجتا زقاقًا فارغًا وشبهَ مظلم، توقّفتا، وخطفتا أنفاسَهما بصعوبةٍ عبر موجة ضحكٍ هستيريّةٍ أصابتهما. وضعتْ ميّ كفّها على قلبها، وتمنّت ألّا تتعرّضَ لأزمةٍ قلبيّةٍ مفاجئةٍ.

بعد فترة وجيزة استُدعيتْ إلى التحقيق في فرع المخابرات ساعاتٍ طويلةً. قدّموا لها القهوةَ والشاي. وسمحوا لها بالتدخين. جهد المحقّقُ في إقناعها بحماية النظام للأقليّات، وباستمراره في التطوير والإصلاح. على إثر ذلك، جهّزتْ ميّ أمتعتَها للمغادرة إلى بيروت، لكنّ اعتقال زياد حال دون رحيلها. 

حين دخلت المنزل، توجّهتْ إلى المطبخ. وضعتْ كيسَ المشتريات على الطاولة البلاستيكيّة المدوّرة، المغطّاة بمفرشٍ من النايلون، تزيّنُه ورودٌ حمراءُ كبيرةٌ. وزّعت الأغراضَ في أمكنتها، ساخطةً على الغلاء والتقشّف المقرفيْن، خصوصًا متى شملا شؤونَها النسائيّة. أعدّتْ وجبةً سريعةً، وتمدّدتْ على الأريكة. قلّبتْ بين القنوات الإخباريّة، وتنقّلتْ بين بُرُدها الإلكترونيّة. دخّنت السجائر واحتست الشاي. ثمّ قرأتْ صفحاتٍ من رواية القوقعة لمصطفى خليفة، وقارنتْها برواية يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش لألكسندر سولجنستين، فبدت الأخيرةُ تافهةً ولا تستحقّ الشهرة التي حصدتْها في سردها للعذاب والتعذيب في السجون. تأمّلتْ، من فوق جسدها وقدميها، كلَّ المعلّقات التي تُصرُّ والدتُها على تشويه الجدران بها، كصورة والدها الذي اعتاد ضربَ أمّها بضراوة. "ذنبُها"؟ جمالُها الفتّان، وبشرتُها البيضاء اللمّاعة، وعيناها الخضراوان اللتان تُطلّان على جرف غواية. وفي حالات جنونه المستعرة، كان يجمع ثيابَها الداخليّة ويرميها في الحمّام، ثمّ يسكب عليها الزيتَ، ويُضرم فيها النار. والدُها رحل باكرًا بسبب مرض القلب المتوارَث في العائلة.

انقطعت الكهرباء، فأشعلتْ شمعةً، وبقيتْ ساعاتٍ أخرى تزفر الدخانَ وتحسب الخطواتِ المقبلة للجوء إلى أوروبا، ما إنْ يخرج زياد. عامان مرّا وهو في المعتقل. عامان مرّا وهي محشورةٌ في رقعةٍ ضيّقةٍ تمارس الانتظارَ وانتظارَ الانتظار؛ فقد يَخرج في أيّة لحظة... إنْ بقي على قيد الحياة.

تمرّ على أسئلةٍ متى تفتّقتْ تجاهلتْها: لِمَ لمْ تعتنِ بشعرها؟ لِمَ لمْ تضع الماسكاتِ والكريماتِ لتخفّفَ من شحوب بشرتها؟ لِمَ لمْ تنزعِ الشعرَ عن جسدها بالسكّر وتنقعْه بماء الورد؟ لِمَ لمْ تشترِ شيئًا جديدًا، بلون الكرز، يكشف عن عنقها، وعن ظهرها الذي أَحبَّ؟

تأمّلت الظلالَ على الحائط وهي تتغيّر مع حركة اللهب. لعبتْ بقدميها. فركتْهما الواحدةَ بالأخرى، وراقبتْ كيف يحتكّ الجلدُ بالجلد، وكيف يضغط اللحمُ برقّةٍ على اللحم. اتّقدت كينونتُها، فأصاخت إليها. غمرتْ وجهَها بمسند الأريكة، ومسحتْ بقماشها تنهّداتِها الرطبة.

في الصباح الباكر، زحفتْ نسائمُ باردةٌ فوق جسدها، فنهضتْ لإغلاق النافذة المفتوحة. وقفتْ أمامها عاريةً تمامًا. لاحت لها المدينةُ كأغصان شجرةٍ مكتظّةٍ بالأشرطة الملوّنة، وبالأجراس، وبالرغبات. أرادت الصياحَ بشيء ما: عن الله، عن الثورة، عن الأنثى،... لكنّ بعضَ الكلمات مثلُ أوراق النعناع فوق سطح الماء: ما إنْ تبتلّ حتى تغوصَ إلى الأسفل.

نالتشك ــــ روسيا

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب