تونس المُتخيَّلة: في زيف التناقض بين الساحل والداخل (مناقشة)
20-06-2017

 

بتاريخ 22/05/2017 نشرت الآداب مقالةً للصديق وائل بنجدّو بعنوان "تونس العرجاء: حول التناقض بين الساحل والداخل." وقد جاءت فيها جملةُ استنتاجاتٍ تتغاضى عن الصراع الطبقيّ ومجرياتِ تطوّره في تونس. مقالتي هذه قراءة نقديّة لمقالته على أساس المصادر التي اعتمدها؛ إذ لا يُمكن أحدًا نُكرانُ دور عمل د. الهادي التيمومي في فهم علاقات الإنتاج وأنماطه في تونس قبل دخول الاستعمار الفرنسيّ، وفي فهم التناقضات التي تطوّرتْ أثناء وجوده.

 

في زيف الوحدة والتجانس التونسيَّين

ينطلق بنجدّو من جملةٍ تُقرّ لتونس بـ"تميّز" (عن أقطار المشرق العربيّ) دارجٍ في الخطاب السياسيّ التونسيّ، ولكنّه زائف تاريخيًّا. إذ لا يمكن إنكارُ التنوّع العرقيّ في تونس تاريخًا وحاضرًا. وكيف لبلادٍ سكنها البربرُ والرومانُ والبيزنطيّون والعربُ والأتراك أن يحوز حاضرُها وحدةً عرقيّةً مزعومة؟ ولو اعتبرنا أنّ عمليّة الصهر العربيّة نجحتْ في توحيد الثقافة السائدة، فلا يمكننا إنكارُ الوجود العرقيّ البربريّ، ولا إنكارُ حفاظِ جزءٍ منه على ثقافته، وبخاصّةٍ في الجنوب التونسيّ.

البربر موجودون في كافة ربوع تونس نقريبًا: ففي الشمال الغربيّ قبيلةُ الحنانشة التي تنتسب في الأصل إلى قبيلة أواتة، وقبيلة أولاد عيّار، وقبيلة كسرى، وكلُّها قبائلُ بربريّة. وفي الوسط الغربيّ قبيلتا ماجر والفراشيش البربريّتان. وفي الجنوب الشرقيّ وجودٌ بربريٌّ مهمّ في جزيرة جربة، حيث ما تزال بعضُ العائلات تحافظ على لغتها الأمازيغيّة. كما نجد مناطقَ بربريّة بأكملها في الجنوب، ومنها الدويرات وشننّي، وفيها يتعلّم بعضُ السكّان اللغةَ العربيّة كلغةٍ ثانية (بعد لغتهم الأمازيغيّة) لأنّ الدخول إلى مؤسّسات الدولة التربويّة ذاتِ المناهج العربية يفترض ذلك.

أمّا في خصوص التنوّع الدينيّ، فإنّ الحضور الإسلاميّ الطاغي لا يعني انعدامَ الوجود اليهوديّ أو المسيحيّ. فقد شكّل اليهودُ، في بدايات القرن العشرين، ثلثَ سكّان العاصمة تونس.(1) ولا يُمكن إنكارُ وجودهم في المدن التونسيّة كافّةً، خصوصًا في سوسة وصفاقس وجربة ومدنين. ومثّل اليهودُ التونسيون خزّانا مهمًّا للحركة الصهيونيّة، ولحركة الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين، وذلك بعد أن ألّبت السلطاتُ الاستعماريّةُ الفرنسيّة السكّانَ المسلمين ضدّهم وشجّعتهم على لوم اليهود على الوضع الاقتصاديّ المزري الذي وصلتْ إليه البلاد في العشرينيّات والثلاثينيّات من القرن الماضي، بحجّة أنّ "اليهود مرابون،" وأنّ الربا هو سبب فقر المسلمين بسبب اضطرارهم إلى الاستدانة من اليهود بفوائد مرتفعة. وقد وقعتْ أعمالُ حرقٍ لممتلكات اليهود ودكاكينهم، الأمرُ الذي ساعد الحركةَ الصهيونيّة على استقطاب الكثيرين منهم بذريعة "معاداة الساميّة"(2) التي أخذت في الانتشار مع ظهور بذور النازيّة. وعلى الرغم من تقلّص أعداد اليهود في تونس بشكل ملحوظ بعد إعلان قيام الكيان الصهيونيّ، فإنّ الحجّ إلى الغريبة(3) يُعدّ أحدَ أهمّ التعبيرات عن الحضور اليهوديّ في تونس.

أمّا الوجود المسيحيّ فقد كان مُنحصرًا بالفترة الاستعماريّة لأنّ المسيحيّة هي الدين الرسميّ للمعمّرين الفرنسيين. ولكنْ مع انتهاء الوجود العسكريّ الفرنسيّ في تونس، وانفتاح العديد من التونسيين على أوروبا من خلال الهجرة، فُتح البابُ أمام تحوّل الكثيرين إلى المسيحيّة. وعلى الرغم من غياب الإحصاءات الرسميّة لأعدادهم، فإنّهم يقدَّرون بخمسة وعشرين ألفًا.(4) وتتّخذ بعضُ الجماعات المسيحيّة من الجمعيّات الخيريّة غطاءً لممارسة أعمال التبشير.

وفضلًا عن الوجود اليهوديّ والمسيحيّ، تنتشر مجموعاتٌ صغيرة، لكنْ متنامية، من البهائيين واللادينيين.

أمّا في خصوص "الوحدة الطائفيّة،" فلا داعي للعودة إلى تاريخ الدولة الفاطميّة التي نشأتْ في المهديّة،(5) وكانت أوّلَ دولة خلافة شيعيّة (إسماعيليّة تحديدًا)، لنتبيّن الاختلاف َالمذهبيّ القائم في تونس. ذلك أنّ رصد التحوّل من الإسلام الصوفيّ الطُرقيّ، المنتشر طوال فترة الاستعمار في صفوف الشعب، إلى الإسلام الوهّابيّ مع تصاعد حركة "الاتّجاه الإسلاميّ،" كافٍ لكي نفهم أنّ المسلمين التونسيين ليسوا من طائفة واحدة. ويتأكّد هذا أيضًا من خلال الوجود الإباضيّ في جزيرة جربة، كما في وجود بعض الجماعات الشيعيّة المتفرّقة في أنحاء البلاد ـــــ وأهمُّها في العاصمة تونس.

ثانيًا: في زيف التناقض بين الساحل والداخل

لم يكن نمطُ الإنتاج المهيمن قبل الدخول الرأسماليّ الفرنسيّ إلى تونس سنة 1881 فيوداليًّا. ونحن، إذ نسجّل إسقاطًا من بنجدّو للتطوّر التاريخيّ المذكور في ما يُعرف بـ"اللوحة الخماسيّة" (مشاعيّة بدائيّة، عبوديّة، فيوداليّة، رأسماليّة، اشتراكيّة)، فإنّنا نشير إلى أنّ توظيف تحليل التيمومي لتأكيد هذا الإسقاط خطأ شنيع؛ فالتيمومي نفسه يقول:

"ولقد بيّنّا (...) وجودَ نمط إنتاج خاصّ في تونس قبيل الاستعمار الفرنسيّ، لا هو فيوداليّ ولا هو إتاويّ ولا هو آسيويّ، أطلقنا عليه اسمَ نمط الإنتاج المخامِسي (نسبة إلى العامل بالحصّة: الخمّاس). واكتشفنا أنّه يتميّز بالطابع التغيّبيّ لملّاكي وسائل الإنتاج، وبحصولهم ــــ بوسائل لااقتصاديّة أهمُّها الربا ــــ على الريع العقاريّ في شكل عمل من المنتجين المباشرين (...). ويمثّل نمطُ الإنتاج هذا نمطًا مغلقًا لأنّ الركود الاقتصاديّ جبلّةٌ كامنةٌ في صلبه؛ ومردّ ذلك ليس فقط مردود أدوات الإنتاج المغرق في الانخفاض، وإنّما عدم تمتّع أولئك المنتجين المباشرين بأبسط الحوافز التشجيعيّة..."(6)

وفضلًا عن خطأ المُماهاة بين نمطَي الإنتاج المخامسيّ والفيوداليّ، فإنّ القول بأنّ التناقض بين الخمّاس ومالك الأرض تناقضٌ بين الداخل والساحل خطأ آخر، لأنّ "الخمّاسة" ــــ عكس "الهطاية" ــــ لا ينتقلون في الجغرافيا. والحديث عن الأصول الداخليّة للخمّاسة، والأصول الساحليّة لمالكي الأرض، ناتجٌ عن عدم فهم نمط الإنتاج المخامسيّ، وتعبيراتِه السياسيّة والاجتماعيّة، أي القبيلة. ولتوضيح هذه المسألة نذكّر بأنّ المُدن التونسيّة الساحليّة "المحظوظة" ــــ على حدّ تعبير بنجدّو ــــ خلال القرن التاسع عشر ليست المُدنَ التي نعرفها الآن (ما عدا تونس العاصمة التي حافظت تقريبًا على مجالها المدينيّ نفسه)؛ فجهة سوسة الساحليّة مثلًا كانت مجموعة قرى فلّاحيّة فقيرة، منها قريةُ الحمّام وقرى القلعة الكبرى ومساكن وأكودة والقلعة الصغرى والنفيضة وسيدي بوعلي. وقد شهدتْ هذه القرى، أو معظمُها، انخراطًا كبيرًا في الانتفاضة الشعبيّة المسلّحة سنة 1864 بقيادة علي بن غذاهم، أصيل قبيلة ماجر، ما يَكشف زيفَ التناقض بين الساحل والداخل.

ولفهم التناقضات الطبقيّة حينذاك، سنذكر ما ضمّنه الدكتور محمود العايب في بحثه عن السلوك السياسيّ لقبيلة أولاد سعيد الساحليّة، والتي تتركّز أساسًا في النفيضة أثناء الانتفاضة المذكورة، إذ يقول:

"دخول عناصر من أولاد سعيد إلى حيّز النشاط الثوريّ هو حصيلة تأثير عوامل متعدّدة ومتشابكة، بعضُها منبثق من داخل العشيرة، والبعض الآخر من خارجها. ومهما كانت الأحوال فقد تجذّر الانقسامُ، وبرز طرفٌ راديكاليّ قام بالكشف عن موقفه ودخل في طور التعبير عنه وسعى إلى تجسيمه ميدانيًّا... يتّصل هذا الطابع المتجذّر بطبيعة الأصول الاجتماعيّة للمشاركين في عمليّات العنف؛ فقد كان بعضُهم خمّاسةَ سعيد المحمودي (وهو من وجهاء العشيرة)."(7)

إنّ فهما دقيقًا لما سبق يُحتّم علينا أن نصرّح بحقيقة أنّ قبيلة أولاد سعيد، مثلًا، كانت حاملةً لانتماءات طبقيّة مختلفة. ومع أنّهم كانوا جميعهم أبناء القبيلة ذاتها والمجال الجغرافيّ نفسه، فإنّ أعيان القبيلة كانوا من مالكي الأراضي، وكان غيرُهم من الخمّاسة. وهذا يعني أنّ التناقض الطبقيّ بلغة "الجهويّات" التي تبنّاها بنجدّو كان تناقضًا ساحليًّا/ ساحليًّا، بل تناقضًا داخل القبيلة الساحليّة الواحدة.

قد يظنّ البعض أنّنا نحاول إنكارَ التفاوت الجهويّ، الذي تُعبّر عنه مختلفُ المؤشّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، مثل نِسَب البطالة والدخل الفرديّ وتوزُّع المنشآت الصحيّة والتعليميّة. ولكنّ غايتنا من إيضاح خطأ التناقض بين الساحل والداخل هي إرجاعُ الأمور إلى نصابها، وتحديد التناقضات الحقيقيّة التي تشقّ المجتمعَ التونسيّ. ولفهم هذه التناقضات وعدم الانزلاق إلى القول بأنّ "التناقض بين تونس الساحل وتونس الداخل... يُعدّ التناقضَ الحاسمَ مقارنةً بالتناقضات بين بقيّة الجهات أو داخل الجهة نفسها،"(8) فإنّ علينا النظر إلى الواقعين الاقتصاديّ والاجتماعيّ للساحل "المحظوظ."

أدخل الاستعمارُ إلى تونس نمطَ الإنتاج الرأسماليّ. فعملت البرجوازيّة على تفكيك نمط الإنتاج الذي كان سائدًا قبل وجودها، إمّا قسرًا أو من خلال إجراءاتٍ لاقت قبول التونسيين (مثل تمليك الأراضي). وقد تركّز وجودُ أغلب المستعمرين في المدن الساحليّة، وهذا أول أوجه الاختلال الجهويّ: فقد عمل المستعمِرون على تحسين البنية التحتيّة للمدن التي يقطنوها بكثرة، ولم يقوموا بالمثل في مدن الداخل إلاّ بقدر ما يخدم احتياجاتهم (مثل مدّ سكك الحديد التي تصل بين الشمال والوسط والجنوب، وتمتدّ إلى الجزائر أيضًا لكونها مستعمرةً فرنسيّة أيضًا). وتواصل تعمّقُ الهوّة بين الجهات بعد الاستقلال، إذ فشل النظام ــــ لطبيعته العميلة، ولكون أغلب قياداته من البرجوازيّة الصغرى المدنيّة ــــ في ردمها. كما ركّز النظام التونسيّ على قطاع الخدمات، وبخاصّةٍ السياحة، وعجز عن خلق برجوازيّة ريفيّة تستثمر في القطاعين الفلّاحيّ والصناعيّ، فأخفق في إيجاد مستثمرين يقومون بعصرنة الفلاحة وتصنيع المنتجات الفلاحيّة.

في تلك الأثناء، ومع صعود الهادي نويرة إلى رئاسة الحكومة وتبنّيه خيارَ "الانفتاح الاقتصاديّ،" كان الساحل قد بدأ في التخلّي عن مناطقه الريفيّة، واتّجه نحو توسيع مجال تمدّنه. فتحوّلتْ غالبيّةُ القرى الفلّاحيّة الساحليّة إلى مدن، ونشأتْ برجوازيّة كمبرادوريّة أصيلة في الساحل حلّت مكان المُستعِمر ومارست تقريبًا سياستَه تجاه الداخل التونسيّ. وترافق ذلك مع ظهور تناقضات جديدة بين هذه البرجوازيّة والعمّال من أصول مختلفة (ساحليّة وداخليّة). وبدأ النزوح إلى المدينة يتشكّل ظاهرةً اجتماعيّةً لافتة.

ومع أنّ الداخل شهد عمليّة تقسيم للأراضي على الفلّاحين، وظهور "البنك الوطنيّ الفلّاحيّ" الذي أوجدته الدولةُ لـ"مساعدة" صغار الفلّاحين، فقد واصل الداخلُ التونسيّ التدهور نظرًا إلى صغر مساحة الأراضي الممنوحة للفلاحين، فيما استأثرت الحيتانُ الكبيرة بأراضٍ شاسعة. كما أُغرق صغارُ الفلّاحين بالقروض التي لم يستطيعوا تسديدها لمحدوديّة الإنتاج والربح.

تونس المُتخيّلة

إنّ تونس المُتخيَّلة نصفان: ساحليّ يرتع في النعيم، وداخليّ يُصلى في الجحيم. وهذا التخيّل نابع من ضعف التمييز بين العامل المحدِّد في تطوّر المجتمعات (وهو الاقتصاديّ)، والعامل المهيمِن فيه (وهو الجهويّ).(9). وليت بنجدّو تنبّه إلى مؤشّرات النزوح التي تقدَّمَ بها لكي يرى أنّ الفراغ الديموغرافيّ الذي يشهده الداخلُ يجعل من المدن مركزَ التناقضات الاجتماعيّة ومركزَ نمط الإنتاج المهيمِن. ولمّا كانت التناقضات الرئيسة تتحدَّد بحسب نمط الإنتاج، فإنّ فهم الطابع المشوَّه للرأسماليّة في تونس قد يساعدنا على فهم هذا الخلط الذي يجعل البعض ــــ عن حسن نيّة ــــ يحْرفون بوصلةَ الصراع الطبقيّ.

لم يختر أيٌّ منّا مسقطَ رأسه، ولا انتماءه الطبقيّ. ولكنّ حريّتنا جميعًا تكمن في أن نعي حاجاتِنا وكيفيّةَ تحصيلها. وهذا ما يتمّ على أساس فهم الواقع الطبقيّ، لا على أساس أصلنا الجهويّ. وأمّا التركيز على البعد الجهويّ، فهو لعبةُ النظام التي يديرها كما يحلو له، ليحافظ على هيمنته وطابعه. وهذا ما نستشفّه من نتائج الانتخابات التشريعيّة الأخيرة في تونس: فقد أفرزت النتائجُ 34% من نوّاب الشعب من كبار البرجوازيين، الذين صعد جزءٌ منهم بخطابٍ تحقيريّ تجاه الجهات الأخرى؛ ووُظّفتْ في الحملات الانتخابيّة أموالٌ طائلةٌ لإقناع فقراء الساحل والداخل معًا بانتخاب أعدائهم الطبقيين، وذلك عبر الدعاية القائلة بأنّ هؤلاء "سيحمونهم" من أعدائهم الجهويين.

إنّ السقوط في الجهويّة والجهويّة المضادّة فخٌّ نصبه النظامُ بكلّ احترافيّة، وجعل التونسيين يقتنعون بأنّ التفاوت الجهويّ نتيجةٌ لتفوّقٍ بشريّ لجهة على أخرى. هكذا نجد فقراءَ الساحل يتوهّمون تفوّقَهم على فقراء الداخل، على الرغم من أنّ حالتهم الاقتصاديّة متقاربة بشكلٍ جليّ. كما أنّ النظام أوهم فقراءَ الداخل أنّ الساحل يعيش من دون فقراء ومعطّلين، وأنّ الساحل يسرقهم، متغاضين عن أنّ برجوازيّة الساحل هي التي تسرقهم. فتغذّت بذلك الكراهيةُ بين أبناء الشعب المُفَقَّر الواحد، وهم المتضرّرون جميعُهم من النظام نفسه.

 

خاتمة

حاولتُ تبيان خطأ ما ذهب إليه الصديق بنجدّو في قوله إنّ "الصراع الحاسم" في تونس هو بين الداخل والساحل. وعلى الرغم من موافقتي على قوله إنّ "تونس عرجاء" لأنّها فعلًا تسير بنصفها فحسب، فإنني أختلف معه كثيرًا في نفيه لمعطيات الصراع الطبقيّ بما هو تعبير عن تناقضٍ يشقّ المجتمعَ ككلّ بحسب نمط إنتاجه المهيمِن. وإنّ دعوة بنجدّو السياسيين إلى التوجّه إلى "تونس الداخليّة" الفلّاحيّة المُفَقَّرة دعوةٌ وجيهةٌ لكنها منقوصة، إذ على السياسيين التوجّهُ إلى تونس الشعبيّة المُفَقَّرة ككلّ، بعُمّالها وصغارِ فلاّحيها وصغارِ موظّفيها، بساحلها وداخلها، بشمالها وجنوبها. فمسار التغيير الاجتماعيّ في تونس لا يمكن أن يحصل إذا ما نشبت الفُرقةُ بين الطبقات الشعبيّة على أساسٍ جهويّ. والتناقض هو بين النظام، الذي أدخل تونسَ في دوّامة القروض والارتهان للمؤسّسات الماليّة العالميّة تحت عنوان "الإصلاحات الهيكليّة،" وبين الشعب كلّه.

تونس

1- الهادي التيمومي، النشاط الصهيوني بتونس (1897-1948)، دار محمّد علي الحامي، 1982.

2- المصدر السابق.

3- الغريبة: اسم معبد يهوديّ يقع في جزيرة جربة التونسيّة، ويحجّ إليه اليهود سنويًّا في أواخر شهر مايو. يشهد الحجّ إلى الغريبة حضورًا إسرائيليًّا محدودًا، ويمثّل هذا الحضور مصدر جدل في المجتمع التونسيّ: بين الداعين إلى مقاطعة شاملة للكيان الصهيونيّ وحجرِ دخول المستوطنين، وبين الذين يدعمون الحضور الإسرائيليّ (وهم في أغلبهم من اليهود التونسيين).

4- انظر صفحة ويكيبيديا المسيحيّة في تونس.

5- مدينة تونسيّة بناها الخليفة الفاطميّ الأوّل عبيد الله الفاطمي، وهي أوّل عاصمة للخلافة الفاطميّة.

6- الهادي التيمومي، مفهوم الإمبرياليّة: من عصر الاستعمار العسكريّ إلى العولمة (تونس: دار محمد علي الحامي، 2004)، ص 136-137.

7- محمود التايب، السلوك السياسيّ للقبيلة بتونس في العهد الحديث: أولاد سعيد بين الولاء والمقاومة: عائلة بن الواعر نموذجا (1864-1881)، (جامعة تونس، 2009)، ص246.

8- بنجدّو، وائل، "تونس العرجاء: حول التناقض بين الساحل والداخل،" مجلّة الآداب، بيروت، 22/05/2017.

9- الهادي التيمومي، مفهوم الإمبرياليّة، ص 134.

يوسف الشادلي

باحث في الفلسفة السياسيّة والأخلاقيّة، تونس.