جدل الثقافيّ والسياسيّ في مشروع الجابري (ملفّ)
15-10-2016

 

الناظر في مشروع الجابري الفكريّ سيلحظ أنّ الثقافة والسياسة شكّلتا صنويْن متلازميْن ضمن اهتمامات الرجل، وظلّتا محدِّدتيْن لفكره.(1) لكنّ السؤال هو عن كيفيّة استجلاء هذه العلاقة، والكشفِ عن محدِّداتها وأبعادها.

تمْكن مقاربةُ موضوعة "السياسيّ في فكر الجابري" اعتمادًا على مستويين: 1) الفعل السياسيّ، أيْ جملة المواقف والآراء التي صدرتْ عن الجابري في ممارسته السياسيّة، الحزبيّةِ على وجه الخصوص، وجاءت على شكل بياناتٍ أو تقاريرَ أو تصريحاتٍ أو مقالات. 2) النظر السياسيّ، أيْ مجموع القضايا النظريّة العامّة ذاتِ العلاقة الملتبسة بالسياسة، التي فكّر فيها الجابري، واستغرقتْ معظمَ لحظات مشروعه، كأطروحاته حول الدولة والعَلمانيّة والوحدة والديمقراطيّة.

وفق المستوى الأول، نَفترض أنّ تشكُّلَ مسار الجابري السياسيّ والفكريّ مرَّ بلحظتيْن حاسمتيْن، وإنْ صعب الفصلُ بينهما عمليًّا:

 أ) اللحظة الأولى هي لحظة البدايات التي بدأ فيها ممارسةَ ما أسماه "الثقافة في السياسة،" وتقع في خضمّ "التجربة المؤسِّسة" التي خاضها في جريدة التحرير أواخرَ خمسينيّات القرن الماضي. في هذه المرحلة لم يكن الجابري منشغلًا بالسياسة بمفهومها الاحترافيّ، بقدْرِ ما كان يمارسها من وراء ستار، باعتباره "مثقّفًا عضويًّا" يسهر على التأطير السياسيّ من موقع "الفعل النظريّ."(2) كما يمكن أيضًا أن نقف عند تجربة الجابري باعتباره مناضلًا سياسيًّا، ولكنْ من موقع المفكِّر الطليعيّ الذي يقودُ ويوجِّه، لا من موقع الانخراط العمليّ في أتون المعترك السياسيّ. هنا يمكن البحثُ عن سؤال السياسة في فكر الجابري، خلال هذه الفترة، في سلسلة المواقف السياسيّة التي أصدرها حول الأحداث التي شارك فيها من موقعه كفاعل سياسيّ، أو كان شاهدًا عليها.

ب) اللحظة الثانية هي التي انشغل فيها الجابري بممارسة "السياسة في الثقافة،" وذلك حين تحرّر من المسؤوليّات الحزبيّة سنة 1981، فتحوّل من مثقفٍ يكتب في القضايا السياسيّة بخطابٍ يعلو على توجيهات "الظرفيّة السياسيّة" إلى صاحب تجربةٍ سياسيّةٍ يكتب في قضايا فكريّةٍ مستحضرًا "بطانتَها السياسيّة."(3) هذه المرحلة تشكّل تحوّلًا نوعيًّا في علاقة الجابري بالسياسة، إذ وعى أهميّةَ البحث في قضايا "السياسة" من منظورٍ يتجاوز الرؤيةَ الوطنيّةَ الضيّقة إلى رؤيةٍ قوميّةٍ أشمل، وذلك لإدراكه العميق أنّ "الدورَ المحرِّكَ للحياة الثقافيّة في التاريخ العربيّ كان للسياسة"(4) ــــ وهي (السياسة)، وإنْ ظلّت حاضرةً كثقافة في الخطاب النهضويّ العربي، بل في الخطاب العربيّ الحديث، فإنّ مواجهتها بخطابٍ خاصّ ظلّ غائبًا (أو يكاد) في الأدبيّات العربيّة.(5)

 من هذا المنطلق، سيؤسّس الجابري أطروحتَه على فكرةٍ أساسٍ مؤدّاها أنّ "أيّ تحليلٍ لتاريخ الفكر العربيّ والثقافة العربيّة... سيظلّ ناقصًا، وستكون نتائجُه مضلِّلةً، إذا لم يأخذْ في حسابه دورَ السياسة في توجيه هذا الفكر وتحديدِ مساره ومنعرجاته."(6) ولهذا انبرى للبحث عن محدِّدات الممارسة السياسيّة وتجلّياتها في الثقافة العربيّة الإسلاميّة وامتداداتها إلى اليوم، من خلال البحث في اللاشعور السياسيّ داخل هذه الثقافة.(7)

ولعلّ من أطرف القضايا التي وقف عندها الجابري في هذا الصدد هي جدليّةُ العلاقة بين السياسة واللغة العربيّة، من منطلقٍ يعتقد فيه بضرورة ربط "العقل السياسيّ في أيّة حضارة... بالنظُم المعرفيّة التي تحْكم عمليّةَ التفكير في هذه الحضارة."(8) وقد سعى الجابري لتأكيد هذه الفرضيّة من خلال دراسته لمكوِّنات الخطاب السياسيّ عند ابن خلدون، بالاعتماد على المكوِّن الثقافيّ ــــ اللغويّ، ليخْلص إلى أنّ غنى الخطاب السياسيّ الخلدونيّ، بالمفاهيم والتعابير الدالّة على العنف السياسيّ، إنما هو انعكاسٌ أو امتدادٌ لغنى اللغة العربيّة."(9)

لكن الجابري لم يحصر الأمرَ في عصر ابن خلدون، بل أنزل هذه الفرضيّة منزلةَ القانون الساري الذي يحكم الوعيَ السياسيّ العربيّ بأجمعه.(10) ولعلّ هذا ما دفعه إلى البحث في مسألة الثابت والمتغيّر في علاقة الدولة بالمجتمع، فخلص من حديثه عن واقع الدولة العربيّة الحاليّة إلى أنّها لا تختلف إلّا من حيث الشكل عن الدولة العربيّة الإسلاميّة منذ معاوية، وأنّها ما زالت تحتفظ في داخلها بالعناصر التأسيسيّة المكوِّنة للدولة في المجتمع العربيّ الإسلاميّ من حيث كونها "مؤسّسةً قهريّةً تضع نفسَها فوق المجتمع وتحْكمه باسم الدين أو باسم المصلحة العامّة أو بغير ذلك من الشعارات."(11)

 

خاتمة

تتعدّد المداخل لمقاربة موضوعة السياسة في فكر الجابري، وهو ما يطرح السؤالَ عن مدى قدرة قارئ هذه التجربة على الإحاطة بها، خصوصًا أنّ كثيرًا منها كُتب بـ"العقل والوجدان والأعصاب" بحسب تعبير الجابري. ثمّ كيف يُمْكن رصدُ الثابت والمتغيّر في هذه التجربة المتميّزة، وصاحبُها قد فوجئ أثناء مراجعته لنصوصه السابقة بـ"أنّها ما زالت تمثّل وجهةَ نظره في الأمس وفي ما هو حاضر منه في اليوم،" إلى درجةٍ جعلتْه يقرّ بأنه لا يستطيع أن يتبيّن أيّ مسافةٍ بين نصوصه السابقة والأخرى اللاحقة، "لا على صعيد الأسلوب، ولا على صعيد عمليّة بناء النصّ، على الرغم من مرور أربع وأربعين سنة (زائدة ستًّا) على زمن تحريرها"؟(12)

إنّ أهمّ ملمح في التجربة السياسيّة التي خاضها الجابري "أنّه كان مخْلصًا للأهداف التي كانت من أجلها تلك التجربة،" سواء تعلّق الأمرُ بما قام به من أعمال أو بما كتب من نصوص أو أبدى من آراء. وهو ما يقرّه بالقول: "هنا يمكن أن أدّعي الصدقَ مئةً في المئة. قد أكون أخطأتُ ــــ وإلى الآن أعتقد أنني لم أخطئ قطّ، بمعنى أنّ ما قمتُ به شخصيًّا هو ما كان يجب عليّ أن أقوم به. ولكنّ الخطأ، إنْ كان قد حصل، فهو لم يكن يقع خارج التجربة، بل كان جزءًا منها، وبالتالي كان يستجيب لمعيار الصدق والصواب حين وقوعه." (13)

إنّ الكتابة عن تجربة الجابري السياسيّة من خارجها، أي استنادًا إلى قول الكاتب، وبالاعتماد على الظاهر منه، لن تكون في أحسن الأحوال سوى "تأريخٍ" للنصوص، ولن تفيدَنا في تحصيل الآليّات المنتِجةِ لها، والكشفِ عمّا يقف وراءها من أسباب، والإلمامِ بكامل المعطيات التي أطّرتها لحظةَ صياغتها، ما لم نُعْملْ آليّاتِ "التأويل والتفسير" التي يتيحها الدرسُ السيكولوجيّ والأنتربولوجيّ.(14)

ولعلّ أهمّ درسٍ يمكن أن نفيدَه من هذه التجرية هو أنّ الفعل السياسيّ فعلٌ إنسانيّ، وشكلٌ من أشكال الصراع بين الإرادات. ومن ثمّ فإنّنا لن نستطيع اكتسابَ معرفةٍ حقيقيّةٍ به إلّا إذا عرفنا مواقفَ الفاعلين ودوافعَهم، ودورَ المحدِّدات الشعوريّة واللاشعوريّة التي على أساسها تتحدّد أشكالُ هذا الفعل.(15)

المغرب

الهوامش

  1. محمد عابد الجابري، غمار السياسة: فكرًا وممارسة (الكتاب الأوّل)، (بيروت: الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2009)، ص 15.
  2. نفسه، ص 18.
  3. نفسه، ص 85.
  4. نفسه، ص 61.
  5. محمد عابد الجابري، الخطاب العربيّ المعاصر: دراسة تحليليّة نقديّة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الخامسة، 1994)، ص 65.
  6. محمد عابد الجابري، إشكاليّات الفكر العربيّ المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الثانية، 1990)، ص 60.
  7. محمد عابد الجابري، العقل السياسيّ العربيّ: محدِّداتُه وتجلّياتُه (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الرابعة، 2000)، ص 7.
  8. نفسه، ص 8.
  9. محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، 1991)، ص 60.
  10. نفسه، ص 234.
  11. نفسه، الصفحة نفسها.
  12. محمد عابد الجابري، إشكاليّات الفكر العربيّ المعاصر، ص 107.
  13. نفسه، ص 19.
  14. نفسه، ص 30.
  15. نفسه، الصفحة نفسها.
  16. نفسه، ص 32.
عبد المجيد جهاد

أستاذ الفلسفة الشرقيّة بجامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء.