Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

جلجامشيّات

مسرحيّة

 

 

 

-١-

صعد هاملت على سطح القلعة، فقابل طيفَ أنكيدو. 

هاملت: من قتَلَكَ يا أبي؟

أنكيدو: لَستُ أباك. لكنّنا بتنا أصدقاء.

عشتار تآمرتْ مع الآلهة لقتلي أنا.

وعمُّكَ تآمر مع أمّكَ لقتل أبيك.

كان الضعيف في وسطهم، وأنا الضعيف في محضر الآلهة.

هاملت: لِمَ؟

أنكيدو: أرادوا الخلودَ، لكنّ الغدرَ ليس طريق الخلود.

هاملت: الغدر وسام الجبناء. سأسحق الجبناء!

أنكيدو: هيّا يا هاملت... انطلقْ ولا تُفكّرْ بالثأر.

الثأر حقيرٌ كنور القمر، يُخمِدُ غضبكَ، ويدعك تنام.

انطلقْ. ابحثْ عن نفسك. ابحث عمّا تكون. 

هاملت: نكون أو لا نكون! ذاك هو السؤال.

أنكيدو: ستكون حين لا تكون.

دعكَ من الوجود. وابحثْ عن الأبد. فأنتَ فانٍ ههنا!

هاملت: وهل أتركُ قاتلَ أبي؟! 

أنكيدو: نعم؛ فجلجامش لن يُحارب مَن قتلني، بل سيُحارب ظلماتِ نفسه.

هاملت: يا لي من شقيّ!

أنكيدو: جلجامش لم تسمعْ له الآلهة،

وأنتَ لن يسمعكَ شكسبير.

فامضِ بعيدًا عن سطوره؛

فإمّا تكون... أو هنيئًا لكَ العدم!

 

-٢-

وحين التقى هاملت بطيفِ أنكيدو،

كان جلجامش يطوف في الفلوات،

فالتقى بمولانا جلال الدين الروميّ،

الذي كان يطوفُ حول نفسهِ باحثًا عن شمسِهِ!

جلجامش: عمَّ تبحث؟ عن الخلود؟

الروميّ: لا... عن "شمس"... عن توأمِ الروح. 

جلجامش: توأمُ روحي مات.

الروميّ: لا... بل أصبحَ حيًّا، وأنتَ الميت.

هو ليس النور؛ هو الوميض الذي اشعَلَ روحكَ، اضرَمَ فيكَ نارَ الحُبّ.

جلجامش: هجرني صاحبي، خانتني الآلهة!

الروميّ: وصاحبي هجرني أنا أيضًا.

بعد أن أصبح لكوْني شمسًا، وأصبحَ كوكبي يدورُ حوله، اختفى!

فضعتُ في مداري ودوراني.

جلجامش: قتلتُه حين جعلتُهُ إنسانًا، حين أغوَتهُ المرأة...

قتلتهُ حين كشفتُ للآلهة قوّتَه.

على الآلهة ألّا ترى قوّة العبد.

لكنْ لماذا تخاف؟

الروميّ: لا تخافُ. حين يصبح شقيقُ الروح هو المعشوق،

تسلبنا المعشوقَ منّا كي لا نذوب في بعضنا أكثر!

جلجامش: قطعْنا الجبالَ والوديان

هزمنا حارسَ غابة الأرز 

قتلْنا ثورَ السماء

سقاني كأسَ الحياة،

فسقيتُه كأسَ الموت. 

وها أنا باحِثٌ عن خمر الخلود!

الروميّ: صعدنا السماءَ الثامنة

كسّرنا ألواحَ الشريعةِ وأقفاصَ الروح

طاف بي حول نفسي

وطُفنا حول المحبوب

أضرمَني شمسًا

وأضرمَ فيّ شمسًا

ثمّ حجب نورَه وراح!

جلجامش: أشقياء نحنُ يا جلال. من نحنُ بدون الآخر؟! 

الروميّ: أشقياء نحنُ يا جلجامش. من نحنُ بدون الحبيب؟!

جلجامش: أين هو هيكلُ الخلود؟

الروميّ: أين هي صومعة المعشوق؟

 

-٣-

وبعد أن راح هاملت يصارع أسطرَ شكسبير هباءً،

خرج أنكيدو من أسطر اللوح الحجريّ

ونزلَ إلى العالمِ الأسفل (دخل اللوحَ الحجريّ القاتم).

قابلتْهُ إنانا، بنهديْها الرحبيْن،

وأرسلتهُ ليقابلَ آدم!

أنكيدو: ماذا فعلتَ يا آدم حتّى سقطتَ وأسقطتَنا معك؟

آدم: إغواءُ المرأة، ورغبةٌ جامحة لم تُلجَم. ليس عصيانًا، بل سيرٌ في الدرب الخطأ.

أنكيدو: وأنا لستُ مُذنبًا يا آدم، لكن ذنبي أنّي ضعيفٌ... نكرةٌ أمام الآلهة.

آدم: أنا اخترتُ موتي، أنا أحرقتُ فردوسي حين تركتُ المحيطَ وتعلّقتُ بسمكة!

أنكيدو: وما نفعُ الحياة إنْ كانت قمّتُها هاوية؟!

آدم: وما نفعُ الفردوس دون بشر؟! وما نفعُ الجحيم دون الخلاص؟!

أنكيدو: خطيئتُك أدخلتكَ في الزمن.

آدم: وقوّتكَ آلَت بك إلى العدم.

أنكيدو: وما نفعُ الإنسان إذا كان يُحضَّرُ ليكون وجبةً للديدان؟!

آدم: وما نفعُ الإنسان إنْ لم يُحضّر للأبد لينعتق من الزمن؟!

اختلال الزمن هو عذابيَ الأعظم.

أنكيدو: اختلال البشريّ فيّ هو شقائي الأعظم.

آدم: إن لم يُكتب لنا الخلودُ، فهباءٌ هي الحياة، وظلمٌ هو الجحيم.

أنكيدو: جلجامش يبحث عن الخلود.

آدم: لن يجده... فالأرضُ ــــ بالأصل ــــ ليست خالدة.

لعلّ طريقًا يُفضي بنا من هنا إلى كوخي الأزليّ.

أنكيدو: وكيف الوصول إليه؟

آدم: لقد قطعتَ نصف الطريق. انتظر... إلى أن نُدرك النصف الآخر... إلى أن يُدركنا الطريق...

سنحتسي القهوة على عتبات اللامنتهى.

أنكيدو: وحتّى ذاك الوقت، نحتسي العذاب!

آدم: بل نُربّي الرجاء!

 

-٤-

وساءت حالةُ جلجامش كثيرًا. أصابهُ اكتئابٌ حادّ، وحالاتٌ عصبيّة هيستيريّة بسبب غياب أنكيدو. فقرّر مراجعةَ طبيبٍ نفسيّ، فنصحوه بطبيبٍ يُدعى سيغموند فرويد!

فرويد: ما بك يا جلجامش؟

جلجامش: حزينٌ، كئيب، هجرني صاحبي، أنكيدو. 

فرويد: تقول "هجرك"؟!

جلجامش: سرقه الموتُ منّي.

فرويد: ولِمَ تبكِ كالأطفال؟! كان مقرّبًا منك كثيرًا؟! 

جلجامش: نعم.

فرويد: أشعرَكَ بالحنان والدفء؟

جلجامش: لأقصى الحدود.

فرويد: ممم. شذوذ جنسيّ. لم تُفطمْ بسرعة، أليس كذلك؟!

جلجامش: رضعتُ من ننسون، أميّ، الآلهة ننسون. 

فرويد: تبًّا للآلهة!

جلجامش: لا تقل ذلك. سيقتلونك كما فعلوا بأنكيدو.

فرويد: خانتك الآلهة. مات صدقهم، ومات صديقك. والآن، عمّ تبحث ؟

جلجامش: عن الخلود.

فرويد: حالتك صعبة يا صاح.

((دخل أوديب عليهما، مُلتمسًا الجدرانَ، محاولًا إيجاد مقعدٍ))

فرويد: أهلًا أوديب، أُعرّفكَ بجلجامش.

أوديب: مُصابٌ بعقدتي أيضًا؟

فرويد: كُلّ من يدخل هذه الغرفة مصابٌ بخللٍ جنسيّ!

جلجامش: أتائهٌ أنت؟

أوديب: أبحثُ عمّا يُطهّرني من ذنبي. وأنت؟

جلجامش: أبحثُ عن الخلود.

أوديب: الخلود ليس للبشر.

جلجامش: والتطهير الكامل لا يطوله البشر.

أوديب: بحثُكَ هروبٌ من قدرِكَ المحتوم، ومحاولةٌ فاشِلةٌ لإرضاء شهوتك.

جلجامش: بحثُكَ دون جدوى، عبثيّ كعملِ سيزيف. لن ترضى عنك الآلهة، لأنكَ شُطبتَ من سِفرها.

أوديب: أينَ أهيم؟

جلجامش: أينَ أعدو؟

فرويد: هيّا يا جلجامش، خُذْ أوديب رفيقًا جديدًا يُشبِعُ شهوتكَ. وخذْ يا أوديب جلجامش عصًا تقودكَ نحو أناكَ العليا. واخرجوا من هنا.

لأنّي أريدُ أن أضاجع نفسي!

 

-٥-

وعند عودة جلجامش إلى أوروك، بعد رحلته الطويلة بحثًا عن الخلود، رجع وحيدًا مثلما انطلق وحيدًا... دون أنكيدو.

فاستوقفه رجلٌ كان يختبئ في حفرة.

جلجامش: مَن أنت؟ أسكّيرٌ أمْ مجرمٌ أمْ مجنون؟

صدّام: لا، أنا صدّام حسين.

جلجامش: ومن تكون؟

صدّام: حاكِمَ هذه البلاد لعقود. وأنت؟

جلجامش: حاكمُ هذه البلاد لقرون.

صدّام: وهل أسقطَكَ شعبُكَ أنتَ الآخر؟

جلجامش: لا... شعبي تحت قدمي، لكنّي تحت أقدام الآلهة. نجوتُ ولم ينجُ أنكيدو.

صدّام: شعبي كان تحت قدمي، لكن هناك من أيقظه، فاسقطني ولم ينهض. فصرنا كلانا نسبحُ في الوحل.

جلجامش: هل نحن المظلومون يا صدّام، أم الظالمون؟

صدّام: نحنُ المظلومون. ظلمني شعبي حين أوهمني بأنّي خالدٌ ومتُسلّطٌ أبدًا.

جلجامش: ظلمني شعبي، وظلمتني الآلهة. لكن أنكيدو كان الوفيّ. كان الصديق. روّض فيّ الوحش والطاغية. كسر كبريائي. صارعني. هزمتهُ لكنّه صارعني!

صدّام: على مرّ العقود لم يجرؤ أحد على مصارعتي. وإنْ فكّر، كنتُ أزيله هو وأفكاره.

جلجامش: ااااه منك. أشريك الآلهة أنت؟

صدّام: ها أنا في حفرة. أختبئ من الوحش الذي أُطلِق سراحه... الوحشِ الكامنِ في شعبي!

جلجامش: خبّئني معك. فلن أهيم بعد الآن في القفار بحثًا عن الخلود.

صدّام: الخلود للشعب... الخلود لإنجازاتك يا جلجامش.

 

(( فجأة يظهر أوديب من بين الأشجار))

صدّام: من يكون؟ رفيقَك الجديد؟

جلجامش: بل باحثٌ عن الطهارة والغفران. لكنّه يشترك معنا بأنّه كان في يومٍ من الأيام ملكًا!

صدّام: واهٍ لحياة الملوك!

جلجامش:... لمصير الملوك!

 

(( وفي هذه الأثناء داهمت القوّات الأميريكيّة المنطقة، وألقت القبضَ على الملوك الثلاثة. أعدمتْ صدّام. احتجزتْ جلجامش في متحفها، لأنّ سجونها أُتخمتْ. وعيّنتْ أوديب حاكمًا جديدًا لمِا يملك من مؤهّلات الحاكم العربيّ)).

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب