Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

جورج عبد الله والطريق إلى الحريّة*

مناسبة

 

ماذا فعل السفيرُ الفرنسيُّ في لبنان، إيمانويل بونّ، عند وزير الاتّصالات اللبنانيّ، الشيخ بطرس حرب، يومَ الثلاثاء في 20 تشرين الأوّل، أيْ قبل أربعةِ أيّامٍ فقط من اعتصامنا هذا؟ يزعم بونّ أنّ اللقاء كان في إطار "التشاور مع قطبٍ سياسيٍّ مهمّ،" ولكنْ سرعانَ ما يتبيّن لنا أنّ "أهميّة" الشيخ بطرس بالنسبة إلى الدولة الفرنسيّة تكاد تنحصر في ملفٍّ واحد، هو ملفُّ شركة "أورانج" للاتصالات.

سعادةُ السفير، إذن، منزعجٌ ممّا أسماه "تعليقاتٍ سلبيّةً وأحيانًا عدائيّةً" ضدّ الشركة، التي زعم أنّها "تتعرّض للافتراءاتِ والمزاعمِ والأكاذيب" التي يريد سعادتُه أن "ينفيَها" و"يكذّبَها."(1) وهو، على ما يبدو، منزعجٌ تحديدًا من الحملة الإعلاميّة التي شُنّت في لبنان قبل أسابيع، وطاولت العلاقةَ العضويّة بين أورانج والكيانِ الصهيونيّ الغاصب، وأفلحتْ في حينه في أن تتصدّرَ الصفحةَ الأولى من جريدة السفير(2) والأخبارَ الأولى من نشرتيْ محطّتيْن تلفزيونيّتيْن بارزتيْن ("الجديد" و"أو تي في").(3) الحملة الإعلاميّة، التي شكّلتْ "حملةُ مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان" رأسَ حربتها، كشفتْ أنّ شركة أورانج، التي تملك الدولةُ الفرنسيّةُ 25% من أسهمها،(4) قد دعمت الجيشَ الإسرائيليّ في حربه على غزّة سنة 2014، وأنّها "تبنّت" بعد سنة 2005 وسنة 2008 على التوالي وَحدتيْن عسكريّتيْن إسرائيليّتيْن: الأولى ("إيزوز" التي شاركتْ بشكلٍ مباشرٍ في العدوان على غزّة سنة 2014) والثانية "شاشار".(5) وبحسب موقع أورانج الفرنسيّة نفسِه، فإنّ هذا "التبنّي" يشْمل "نشاطاتٍ مشتركةً بين الجنود وموظّفين من الشركة، من قبيل: الرياضة، واستخدامِ الجنود لتسهيلات الشركة من أجل التدريب وعقد المؤتمرات، ودعمِ الجنود المصابين بالتوحّد... وتمويلِ نشاطاتٍ ترفيهيّةٍ واسعةٍ للكتائب..."

علاوةً على ذلك، فإنّ "بارتنر"، شريكَ أورانج الإسرائيليَّ منذ العام 1998، نصب أكثر من 208 آنتينات وشيّد بنًى تحتيّةً داخل مستوطناتٍ أقيمتْ على أراضٍ مسروقةٍ في الضفّة الغربيّة ومرتفعات الجوْلان، بما يتناقض مع "القانون الدوليّ" نفسِه. وهو يدفع إلى المجلس البلديّ في مستوطنة بيت ايل كلّ شهر، ودفع إلى المجتمع التعاونيّ في ميغرون طوال 12 سنة.(6)

كلّ هذه الارتكابات، وغيرُها كثير، موثّقٌ في مقالاتٍ كثيرة، وبلغاتٍ كثيرة. وهو ما دفع خمسَ منظّماتٍ غيرِ حكوميّة ونقابتيْن في فرنسا، فضلًا عن "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها" (بي. دي. أس) في فرنسا، وحملاتٍ لمقاطعة "إسرائيل" في مصر، إلى مطالبة أورانج بفكّ ارتباطها ببارتنر الداعمةِ للاستيطان. ونتيجةً لذلك أعلن الرئيسُ التنفيذيُّ لأورانج، ستيفان ريشار، من القاهرة، في 4 حزيران الماضي، "نيّتَه" قطعَ علاقاتِ أورانج ببارتنر "منذ صباح الغد."(7) وقال لصحيفة غارديان: "أعْلمُ أنّ هذه المسألة [أيْ دعمَ بارتنر للاستيطان] حسّاسةٌ هنا في مصر، ولكنْ ليس في مصرَ وحدَها...ونحن نريد أن نكون شركاءَ موثوقين لكلّ البلدان العربيّة."(8)

 ولكنْ ما إنْ أطلق ريشار تصريحَه ذاك من القاهرة حتى اشتعل رئيسُ بارتنر الإسرائيليّ، إسحاق بينبينيستي، غضبًا؛ ومثلَه فعل أنصارُ اللوبي الصهيونيّ في فرنسا، متّهمين ريشار بالخضوع لضغوط "المجموعات الموالية للفلسطينيين."(9) بل تعرّض ريشار نفسُه، مع أشخاصٍ "مقرّبينَ إليه،" لمئات رسائل "التهديد بالقتل،" بحسب بيانٍ للشرطة الفرنسيّة، وذلك بعد أن نشر أحدُ المقرصِنين الصهاينة رقمَ هاتفِ ريشار على الفيسبوك، داعيًا الناسَ إلى إلقاء "تحيّة الصباح" (!!) على رئيس أورانج. كما بعثتْ نائبُ وزير الخارجيّة الإسرائيليّة، تزيبي هوتوفلي، برسالةٍ إلى ريشار، تحثّه فيها على توضيح موقفه "في أسرع وقتٍ ممكن،" وألّا يكونَ جزءًا من "صناعة الأكاذيب التي تستهدف إسرائيلَ بشكلٍ ظالم." وطالب السفيرُ الإسرائيليُّ في فرنسا الدولة الفرنسيّةَ بأن تقدّمَ "تفسيراتٍ" لتصريحات ريشار.(10) وهنا نصل إلى بيت القصيد، الذي يتّصل بالسياسة الفرنسيّة الرسميّة إزاء كلّ ما يتعلّق بالكيان الصهيونيّ، بما في ذلك مواصلةُ احتجاز المناضل جورج إبراهيم عبد الله في السجون الفرنسيّة.

فوسط العاصفة التي أثارها تصريحُ ريشار اليتيم في القاهرة، تدخّل رئيسُ الديبلوماسيّة الفرنسيّة، لوران فابيوس، معلنًا أنّ فرنسا "تعارض بحزمٍ مقاطعةَ إسرائيل."(11) وهذا الضغطُ الرسميُّ الفرنسيّ على ريشار، وقد جاء كما بيّنّا نتيجةً للابتزاز الصهيونيّ الرسميّ وغيرِ الرسميّ، دفع ريشار إلى الاعتذار علنًا، بل سافر إلى فلسطينَ المحتلة للقاء نتنياهو وللتأكيدِ "بوضوحٍ ومن دون لبْسْ أنّ أورانج لن تشاركَ في أيّة مقاطعةٍ لإسرائيل..."(12)

***

أيها الحضور الكريم،

ما وجهُ الشبه بين قضيّة أورانج وقضيّةِ المناضل جورج عبد الله؟ إنّه الابتزازُ الصهيونيّ المذكور، بشقّيْه الرسميّ واللوبيّ. فمع أنّ مسألة الإفراج عن جورج محسومة قانونيًّا منذ أعوام، فإنّ الابتزازَ الصهيونيّ (ويجب أن نضيفَ الأميركيّ) هو من الأسباب الرئيسة التي دفعت الحكومةَ الفرنسيّة الى إبقائه سجينًا. وفي رأينا أنّ فرنسا لن تتراجع عن سياستها العدوانيّة تجاه قضايانا القوميّة عامّةً، وتجاه قضيّة الإفراج عن جورج بشكلٍ خاصّ، إلّا بمباشرة الضغط الاقتصاديّ عليها، وتحديدًا بمقاطعةِ ما استطعنا من منتوجاتِ شركاتها التي تستثمرُ في الكيان الصهيونيّ أو تخالف "القانونَ الدوليّ" من خلال البناء على أراضٍ مسروقةٍ من الشعبين الفلسطينيّ والسوريّ. هذه المقاطعة التي ندعو إليها لا تستهدف "الشعبَ الفرنسيَّ" ولا "الفنّ الفرنسيّ" ولا "الثقافةَ الفرنسية،" بل تنحصرُ في الشركات الفرنسيّة التي تعمل في بلادنا وتدعم ــــ في الوقت نفسه ــــ الكيانَ الغاصبَ، وذلك وفق معاييرَ حدّدتْها حملاتُ المقاطعة في العالم، وعلى رأسها حملتُنا في لبنان.(13) ومن ثم فإنّ هذه الشركات تشمل، إضافةً إلى أورانج التي تحاول أن تضع يدَها على قطاع الاتصالات الخلويّة في لبنان، الشركاتِ الآتية:

1) دانون الفرنسيّة، التي وقّعتْ عدّةَ اتفاقاتٍ مع شركة "ستراوس دايريز" الإسرائيليّة، وتملّكتْ بموجبها 30% من أسهمها، ما عزّز وضعَ ستراوس في المنظومة الاقتصاديّة الإسرائيليّة.(14)

2) لـوريـال الفرنسيّة، التي يموّلُ فرعُها الإسرائيليُّ عددًا كبيرًا من النشاطات الإسرائيليّة، ويوظّفُ أكثرَ من 1000 عاملٍ إسرائيليّ في ثلاثةِ مراكزَ داخل مجدال هعيمق ونتانيا وقيساريّة.(15)

3) يوبليه الفرنسيّة، التي تعاقدتْ مع أكبر شركة غذائيّة إسرائيليّة، تنوفا.(16)

***

أيها الحضور،

إنّ المستعمرين لن يتراجعوا عن ظلمهم إلّا بالضغط، في أيّ شكلٍ جاء، وفي أيّة طريقةٍ متاحة. ونحن أقوياءُ وفعّالون، أكثرَ بكثيرٍ ممّا نظنّ، لأنّ سلاحَ المقاطعة في أيدينا، ولن يستطيعَ أحدٌ في العالم أن ينتزعَه منّا مهما امتلك من قوةٍ وجبروت. فهُبّوا إلى الضغط على كلِّ مَن يسلبُنا حريّتنا، ويسلبُ حريّة مناضلي شعبنا، وعلى رأسهم رفيقُنا القائد جورج إبراهيم عبد الله. انّ المقاطعة هي اليوم أحد أسلحتنا الأمضى لحريّة فلسطين والعرب.

بيروت


(9) Opcit.

(10) Ibid.

(16) http://www.boycottcampaign.com/index.php/ar/our-guide/409-yoplait

 

*كلمة رئيس تحرير مجلة الآداب، وعضو حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في الاعتصام الذي أقامته الحملةُ الدوليّة لإطلاق سراح جورج عبد الله أمام السفارة الفرنسيّة في بيروت بتاريخ 24 اكتوبر 2015 مع بداية العام الثاني والثلاثين لاعتقاله.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب