حركة الترجمة، وحاصلُ القسمة بين الثقافة المهيمنة والثقافة "الخاضعة"
08-01-2018

                                                                             

يبدو جليًّا لمتتبّعي حركة الترجمة العربيّة اليوم أنّ حاصلَ القسمة بين الثقافة المُهيمنة والثقافة الخاضعة يُظْهر خللًا مرعبًا في سويّة نتاج حركة الترجمة من العربيّة وإليها؛ وهذا ما يتّضح في كمّ النتاج الرديء المنتشر  في المكتبات، مع ندرة الأمثلة القيّمة في مواجهته.  ولطالما اعتُبر  مقياسُ واقع حركة الترجمة في أيّ مجتمع مؤشِّرًا  على السويّة المعرفيّة والثقافيّة التي وصل إليها هذا المجتمعُ بمختلف ملامحه؛  وهذا الحاصل الرديء يضعنا أمام أسئلة جوهريّةٍ آن أوانُ الاشتغال الجدّيّ للإجابة عليها فعلًا وعملًا .

وفي محاولةٍ للإحاطة بالأسباب التي أوصلتْ حركة الترجمة إلى هذه الحال، يتحدّث الباحث د. ثائر  ديب هنا عن مجموعة إشكاليّات يجب، ويمكن، العملُ عليها  لتغيير  هذا الواقع.

ر. أ

 

*في ورقةٍ قدّمتَها في إحدى الندوات تحدّثتَ عن غايتك في أن ترصد "كيف تندرج الترجمةُ في صراعات الثقافة المنقولِ إليها." كيف تصف الخطورةَ التي يشكّلها مثلُ هذا "التسخير" للترجمة، إنْ جاز التعبير، ودورَها في تأجيج الصراعات الثقافيّة في العالم العربيّ اليوم؟

- حسنًا فعلتِ أنّكِ ألحقتِ كلمة "تسخير" بعبارة "إنْ جاز التعبير"؛ وربّما كان يجب أن تأتي هذه العبارة بعد كلمة "تأجيج" أيضًا. فمسألة "اندراج الترجمة في صراعات الثقافة المنقولِ إليها" مسألةٌ بدهيّةٌ وطبيعيّةٌ، أو بالأحرى مسألةٌ موضوعيّةٌ مستقلّة، بمعنًى ما، عن وعي الفاعلين ومقاصدِهم "التسخيريّة" و"التأجيجيّة،" وسوف تحصل بصرف النظر عن نواياهم. فالترجمة جزءٌ مهمٌّ من الثقافة، والثقافة ـــــ بما فيها الثقافةُ الواحدة ـــــ منقسمة وصراعيّة، تشتمل على معارفَ وتيّاراتٍ متباينة ومتضادّة، وفيها ثقافةٌ سائدة وثقافاتٌ مقاوِمة، وتراثاتٌ ومنابعُ شتّى. واندراجُ الترجمة في صراعات الثقافة المنقولِ إليها يبدأ من اختيار كتابٍ معيّنٍ لترجمته دون سواه، ولا ينتهي بالتأثير الذي تتركه هذه الترجمةُ كمًّا ونوعًا، مرورًا بمهارة المترجم وإيديولوجيّته وغاياته، هو والمؤسّسة التي ستنشر الترجمة.

في الثقافة العربيّة الحديثة، ارتبطتْ ترجمةُ الوجوديّة بالتيّار القوميّ على نحوٍ ما، وارتبطتْ ترجمةُ الماركسيّة بظهور الحركات العمّاليّة والتيّارات الشيوعيّة، ويمكن أن نجد صلةً لترجمة البنيويّة وما بعد البنيويّة باتجاهاتٍ فكريّةٍ وتخصُّصيّةٍ معيّنة. لكنّنا يمكن أن نجد صلةً حتى بين ترجمة الأدب أو العلوم وما يُخاض من صراعاتٍ في الثقافة المنقول إليها. ليست الترجمة، إذًا، فعلًا تقنيًّا معزولًا، وكلّما زاد وعيُ المترجِم والمؤسّسة الناشرة بهذا الأمر كان الأمرُ أبعدَ أثرًا ــــ بصرف النظر عن نوعيّة هذا الأثر سلبًا أمْ إيجابًا.

 

*أشرتَ غيرَ مرّة إلى سيطرة الترجمات الرديئة على النتاج المعرفيّ في حقل الترجمة العربيّة اليوم، وعزوْتَه إلى غياب عمليّة إعداد المترجمين. ما الذي يمكن، أو ينبغي، فعلُه في هذا الصدد، من وجهة نظرك؟

- يمكن فعلُ الكثير. لكنّ الشرط الأساس لهذا الفعل هو إدراكُ أهمّيّة الترجمة وأثرِها البالغ بالنسبة إلى ثقافةٍ كالثقافة العربيّة. هل كثيرٌ أن نتصوّر مؤسّسةً تعليميّةً أو ثقافيّةً تضع خطّةً للترجمة تشتمل على ما يأتي:

1ــــ معهد لتخريج مُترجمي الفكر والثقافة والعلوم الإنسانيّة والعلوم البحتة (قد يكون تابعًا لوزارة الثقافة مثل المعهد المسرحيّ أو الموسيقيّ، أو قسمًا في جامعةٍ ما) وفيه صفّان: واحدٌ لتخريج المترجمين، والآخر لتخريج باحثي دراسات الترجمة، خصوصًا بعد أن غدت دراساتُ الترجمة فرعًا واسعًا لا يشكّل الأدبُ المقارِن سوى مفردةٍ من مفرداته بعد أن كان العكسُ هو القائم في الماضي.

2ــــ دار نشر (أسوةً بدُور النشر الجامعيّة الأجنبيّة أو دُور نشر وزارات الثقافة.)

3ــــ مجلّة للترجمة ودراساتها.

4ــــ جائزة سنويّة للترجمة.

5ــــ مؤتمر سنويّ للترجمة.

6ــــ ورشات دعمٍ للمترجمين المستقلّين الممارسين، ولا سيّما الشباب.

مثل هذه البنية ــــ التي تتكامل فيها مراحلُ عمليّةِ الترجمة وصناعةِ الكتاب المترجَم، بما في ذلك تخريجُ الباحثين في هذا الميدان ــــ كفيلةٌ بإقامة مشروعٍ كبيرٍ للترجمة ودراساتها تديره مؤسّسةٌ واحدةٌ. فما بالُكِ لو جرى التفكيرُ بذلك وتنفيذُه على مستوى المؤسّسات المعنيّة في بلدٍ بأكمله، أو على مستوًى عربيّ؟

يُهدر العربُ ثرواتِهم بغباءٍ على الحروب والأسلحة والفساد وقمعِ شعوبهم، بدل إهدارها على الثقافة والعلم. وحين يُبْدون اهتمامًا بالترجمة والثقافة يكون ذلك في أغلب الأحيان أشبهَ بديكورٍ يُبرز مآثرَ طغاتهم، وغالبًا ما يجلبون لإدارتها أردأَ مَن "تجود" بهم اتّحاداتُ الكتّاب العربيّة من مطبِّلين يحملون مفهومًا خاطئًا عن الثقافة والكتابة والوطن.

يمكن فعلُ الكثير، إذًا، على صعيد الارتقاء بالترجمة، التي ستبقى غايةً في الأهمّيّة لفترةٍ طويلةٍ بالنسبة إلى ثقافةٍ كثقافتنا.

 

*تتحدث دراساتٌ عن أنّنا، كجزءٍ من شعوب الجنوب، متلقّون صمٌّ للنتاج المعرفيّ القادم إلينا من الشمال عبر الترجمة، نتلقّفه من دون مراجعاتٍ نقديّةٍ حقيقيّة؛ وعن أنّ الحركة العكسيّة للترجمة (من الجنوب نحو الشمال) تشكّل نسبةً مخجلةً من هذه الحركة. فهل تتّفق مع هذا التوصيف؟ وكيف يمكن شرحُ مسبِّباته لجيل اليوم؟

- ليس لديّ مقياسٌ دقيقٌ لقياس مدى التلقّي الصَمّ وغيرِ النقديّ للنتاج المعرفيّ القادم إلينا من الثقافات الأخرى، خصوصًا أنّ في كلّ ثقافة تيّاراتٍ واتجاهاتٍ مقاومةً تواجه الثقافةَ السائدة التي غالبًا ما تكون صمًّا وغيرَ نقديّة. لكن ما أعلمه أنّ هناك واقعًا قائمًا على صعيد الترجمة والتبادل الثقافيّ بين الشمال والجنوب شبيهًا نوعًا ما بالواقع القائم على صعيد التبادل الاقتصاديّ. فالترجمة أيضًا تتمّ في منظومةٍ ثقافيّةٍ ومعرفيّةٍ عالميّة تجري فيها حركةُ المعرفة والثقافة على نحوٍ من عدم التكافؤ المُتزايد بين الشمال والجنوب. فاللغة الإنجليزيّة هي اللغة "الأكثر ترجمةً منها،" سواء على النطاق العالميّ أو داخل البلد الواحد. وفي المقابل، فإنّها اللغة "الأقلّ ترجمةً إليها،" إذ تَشغل الترجمةُ في الثقافات الأنجلوسكسونيّة مكانةً هامشيّةً لا شكّ فيها. وثمّة فارقٌ جسيمٌ على مستوى التبادل الثقافيّ بين الإنجليزيّة واللغاتِ الأوروبيّة الأخرى من جهة، وبين الإنجليزيّة والعربيّة من جهةٍ أخرى.

ما توضحه المُعطياتُ الرقميّة هو سيطرةٌ طاغيةٌ للثقافات ذاتِ اللغة الإنجليزيّة؛ واختلالٌ مُهمٌّ في الميزان التجاريّ بين صناعتَي النشر البريطانيّة والأمريكيّة من جهة، ونظيراتها الأجنبيّة من جهةٍ أخرى. وببساطة، فإنّ قدرًا كبيرًا من المال يُجنى من ترجمة الإنجليزيّة من دون أن يُوظَّفَ منه سوى أقلِّ القليل في الترجمة إليها، وذلك عن طريق بيع حقوق الترجمة التي لم تزدْ عددَ الترجمات إلى الإنجليزيّة لأنّ الناشرين البريطانيّين والأميركيّين يميلون إلى تمويل الكتب المحلّيّة الأكثر رواجًا Bestsellers، وهو ميلٌ لا يزال مسيطرًا منذ سبعينيّات القرن العشرين. ويحذو الناشرون في العالم حذوَ نظرائهم البريطانيّين والأميركيّين، فيوظِّفون أموالَهم وجهدَهم في الكتب الأكثر رواجًا نظرًا إلى ما تقدِّمه من أرباحٍ تفوق بكثيرٍ أرباحَ الأعمال المحلّيّة التي تفتقر إلى الاعتراف الواسع وتتطلّب تاليًا قدرًا كبيرًا من الدعم والجهد في التسويق. ولا تقتصر النتيجة هنا على أنّ الأعمال المحلّيّة هي أقلُّ ما يُدعم، ما يحدُّ من تطوّر اللغات والآداب الوطنيّة، بل تتعدّى ذلك إلى أنّ ترجمة الكتب الأكثر رواجًا، المكتوبةِ بالإنجليزيّة، تحتلّ مكانَ الترجمة بين اللغات الإقليميّة التي يمكن أن تخلق نوعًا من التفاعل الثقافيّ والسياسيّ بين بلدان متقاربة جغرافيًّا وبنيويًّا. يُضاف إلى كلّ ذلك أنّ هذه الكتب الأكثرَ رواجًا غالبًا ما تكون رومانسيّاتٍ ورواياتٍ "مثيرةً،" أيْ من النوع الذي يشجِّع القارئ على التماهي الخياليّ بها بدلًا من خلق مسافةٍ نقديّةٍ عنها؛ وهو ما يُسهم في خلق جمهورٍ تُمثِّل له الكتبُ موضوعاتٍ للتسلية السهلة الخالية من المعرفة. وفي حين يتطلّع الكتّابُ المحلّيّون إلى ترجمة أعمالهم إلى الإنجليزيّة سعيًا إلى النجاح النقديّ والتجاريّ وخضوعًا إلى معايير المُعْتَمَد الأدبيّ الفكريّ الأنجلوأميركيّ المُكَرَّس،* نجد أنّ ترجمة الأعمال غير المكتوبة بالإنجليزيّة غالبًا ما تتمّ عن الإنجليزيّة كلغةٍ وسيطة؛ الأمرُ الذي يَنقل، مع هذه الترجمات، المُعْتَمَدَ الأنجلوأميركيَّ، الذي يمثّل في النهاية مؤسّسةً محدَّدةً للتصنيف والإقصاء، كما ينقل معها الاستراتيجيّاتِ الخطابيّةَ التي تسيطر على الترجمة إلى الإنجليزيّة.

باختصار، تبدو الإنجليزيّة في الثقافة مثلَ الدولار في الاقتصاد، وسيطًا تمرّ عبره ترجمةُ المحلّيّ إلى العالميّة؛ الأمرُ الذي يدفع إلى التساؤل عن مدى الإفقار الذي تمارسه "عالميّةُ" الإنجليزيّة على تفكيرنا، شأنها في ذلك شأن سيطرة السينما الأمريكيّة مثلًا.

في الترجمة بين الشمال والجنوب، أو بين المركز والأطراف، نجد ما يأتي:

ــــ أوّلًا، أنّ الثقافة الخاضعة تترجِم من الثقافة المُهيمِنة أكثرَ بكثيرٍ ممّا تترجِم هذه الأخيرةُ منها. وذلك يعني اتّساعَ تمثيل الثقافة المهيمنة في الثقافة الخاضعة، وضيقَ تمثيل هذه الأخيرة في نظيرتها.

ــــ ثانيًا، أنّ ما يترجَم من الأعمال المُنتَجة في الثقافة الخاضعة إلى الثقافة المُهيمنة يُقدَّم ويُنظَر إليه على أنّه صعبٌ، مُلغِزٌ، لا يقوى على فهمه وتفسيره سوى كادرٍ صغيرٍ من المختصّين الذين يزوِّدونه بجهازٍ ناقدٍ (مقدِّماتٍ وحواشٍ) يَفرض التأويلَ الاختصاصيَّ على القارئ. وفي المقابل، فإنّ الأعمال التي تسلك ترجمتُها الطريقَ المُعاكس تكون مُتاحةً للجمهور الواسع.

ــــ ثالثًا، أنّ الثقافة المُهيمِنة لا تترجِم من الثقافة الخاضعة سوى الأعمال التي تلائم ما تحمله عنها من تصوّراتٍ مُسبّقة، أيْ تمتثل إلى ما لديها من صورٍ نمطيّةٍ مهيمنة؛ في حين تختار الثقافةُ الخاضعة عادةً ما تترجِمه لمجرّدِ أنّه قادمٌ من ثقافةٍ مهيمنة.

ــــ رابعًا، أنّه سيكون من الطبيعيّ أن تكون الأعمالُ المختارة للترجمة من الثقافة الخاضعة إلى الثقافة المُهيمنة مكتوبةً، في أغلب الأحيان، وعينُ الكاتب على الامتثال إلى تلك الصور النمطيّة التي تزيد من احتمال الترجمة والقراءة هناك؛ في حين أنّ الأعمال التي تُختار للترجمة في الطريق المُعاكس غالبًا ما تكون مكتوبةً في تجاهلٍ تامّ للثقافة الخاضعة.

هكذا يتبيّن أنّ الترجمة لا تقتصر على جانبها التِقَنيّ، بل تتمّ في شَبَكةٍ من العلاقات العالميّة النطاق، تجعل كلَّ عملٍ مترجَمٍ منغمسًا في روابطَ مُعقّدةٍ تتّسم بهيمنة المركز ولغتِه ومصطلحاته ومعتمَداته المُكرَّسة، وذلك على نحوٍ بات يؤثِّر في إنتاج "النصوص المحلّيّة" نفسها ويشترط توزيعها في السوق العالميّة.

 

*أشرتَ في مقابلةٍ إلى أنّ" الترجمة أهمُّ ما يحصل في الثقافة العربيّة اليوم،" وأضفتَ أنّه أمرٌ جميلٌ ومؤسفٌ في آنٍ معًا لأنّ "الكتابة العربيّة تتدهور وتنحدر." فهل هذا انحدارٌ على مختلف المستويات؟ ألم يشهد القرنُ الرابع الهجريّ، على الرغم من كلّ ظروف الانحطاط التي عرفها، ظهورَ أهمّ أشكال النتاج الفكريّ العربيّ من فلسفةٍ وأدبٍ وعلوم؟ إذًا، ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك من غياب التأليف وغيره من أشكال الإنتاج المعرفيّ؟

ــــ ما قلتُه في تلك المقابلة بدقّة هو الآتي: "الترجمة أهمُّ ما يحصل في الثقافة العربيّة. وهذا جميلٌ ومؤسفٌ في آن. الكتابة العربيّة تتدهور وتندحر، على الرغم من بعض الأمثلة اللامعة هنا وهناك."

أي إنّني لم أربطْ تدهورَ الكتابة العربيّة واندحارَها بأيّ قدرٍ من الجمال، كما قد يُفهم للوهلة الأولى من إعادة صياغتِكِ لِما قلتُه. ما قلتُه هو أنّ الترجمة تتزايد أهميّتُها، وهذا جميل، لكنّه مؤسف في الوقت ذاته لأنّ جزءًا من الأهميّة التي تحظى بها الترجمة ناجمٌ عن تدهور الكتابة العربيّة على الرغم من بعض الأمثلة اللامعة. أمّا ما أوصلنا إلى هذا الدرك من غياب الإبداع والتأليف فهو ذاتُه ما أوصلَنا إلى هذا الدرك من الخراب والحروب والقمع والفساد على مستوى الأنظمة، وهو ذاتُه ما أوصلَنا على المستوى الثقافيّ "المعارض أو المقاوم" إلى المستوى الذي يكرِّس فيه نقّادٌ وكتّابٌ لهم أهميّتُهم روائيّةً ركيكةً وبلا مخيّلة ويضعونها في مصاف نجيب محفوظ!

بالنسبة إلى القرن الرابع الهجريّ، ومحاولتِكِ القولَ إنّ التدهور قد يترافق مع الإبداع، فلا بدّ من الإضافة هنا أنّ ذلك القرن هو الفترة التي تجلّت فيها على الصعيد الفكريّ والعلميّ منجزاتُ القرون السابقة التي صعدتْ فيها الحضارةُ والقوّةُ العربيّتان. أمّا اليوم فالتدهور الفكريّ مسبوقٌ بتدهورٍ على بقيّة الصعد. وتبقى العلاقةُ بين المستوى الثقافيّ والفكريّ، وبقيّةِ مستويات البنية الاجتماعيّة، أمرًا بالغَ التعقيد بالطبع، ولا يمكن أن نعمِّمَ عليه هذا المثالَ المحدَّدَ أو ذاك.

 

*أصحيحٌ أنّ عمليّة الترجمة رهنٌ لإيديولوجيا المترجِم وإرثه الثقافيّ والمعرفيّ، وأنّه يجهد في تطويع نصّه في خدمة هذه الإيديولوجيا وأغراضِها ولو تجاوز أصولَ الترجمة بمعناها الأكاديميّ؟

ــــ ما من أحدٍ خارج شراك الإيديولوجيا، خصوصًا الأغرار قليلو المعرفة بالإيديولوجيا الذين يحسبون أنّهم "تحرّروا" من تلك الشراك بخلاف سواهم. ولأنَّ أحدًا ليس خارج الإيديولوجيا، فكلُّ ما يمكن عملُه هو: إدراكُ المرء ما يحمله من إيديولوجيا، ونقلُها من حيّز اللّاوعي إلى الوعي، ونقدُها نقدًا متواصلًا بدلًا من إنكار وجودها. كلُّ ذلك يعني أنّ إيديولوجيا المترجِم والمؤسّسة المعنيّة بالترجمة تترك أثرًا أكيدًا، يبدأ من اختيار الكتاب للترجمة دون غيره من الكتب، ولا ينتهي بالأداء الترجميّ ذاته.

لكنّني لا أعلم إلى أيّ مدًى يصحّ القول إنّ المترجِم "يجهد في تطويع نصّه في خدمة هذه الإيديولوجيا وأغراضها،" لأنَّ الإيديولوجيا غالبًا ما تكون لاواعيةً، ويكاد يمكن القول إنّها هي التي تسخّر المترجِمَ لخدمتها لا العكس.

                                                        (فرانز فانون)

كي أوضحَ ما أقصده سوف أعرض مثالًا. ترجم د. سامي الدروبي ود. جمال الأتاسي كتابَ فرانز فانون، معذّبو الأرض، في فترة صعود الفكر القوميّ والاستقلاليّ في المنطقة. ويمكن القول إنّ هذا الكتاب ينطوي على قسمين: قسم يتغنّى بالعنف الذي يمارسه أهلُ البلد المستعمَر ضدّ الاستعمار بغية التحرّر الوطنيّ والقوميّ وإقامة دولتهم القوميّة المستقلّة، وقسم ينتقد بحدّةٍ مثالبَ الحركة الوطنيّة والقوميّة بعد الاستقلال. في الترجمة العربيّة تدويرٌ لزوايا النقد الحادّة التي نجدها في الترجمة الإنجليزيّة، وفي الأصل الفرنسيّ. وسببُ هذا التدوير لا بدّ من أن يكون الإيديولوجيا القوميّةَ التي يحملها المترجمان المهمّان القادران؛ تلك الإيديولوجيا التي صعب عليها في مرحلة صعود الحركة القوميّة استشرافُ مثالبها القادمة، فما كان منها إلّا أن دوّرتْ زوايا النقد الماركسيّ الذي يسلّطه عليها فانون، ربّما على نحوٍ لاواعٍ وغير مقصود وغير متأتٍّ عن الجهل بالترجمة.

 

*ذكرتَ في مقالةٍ أنّ هناك إيديولوجيا تُعْلي من شأن اللغة (في الترجمة كما في سواها)، ويقف وراءها تيّارٌ فكريّ وثقافيّ في العالم العربيّ. فما الغرض الحقيقيّ من هذا الفعل؟

ــــ جاء ذلك في معرض الكلام على ترجمة كمال أبو ديب لكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد وما وضعه لتلك الترجمة من مقدّمةٍ مهمّة، لكنّها موضعُ جدلٍ وخلاف.

يدعو أبو ديب في تلك المقدّمة إلى تفجيرٍ لغويّ يكاد أن يكون شرطًا ومنطلقًا لكلّ تفجير. وربّما كان ذلك ناجمًا عن تأثير البنيويّة وما بعدها، وتحويلِهما العالمَ إلى نصٍّ يُقرأ ويُحَلَّل كما يُقرأ النصُّ اللغويُّ ويُحَلَّل. وهنا يتجلّى عدمُ إدراك أبو ديب الفارقَ بين سعيد ومَن يستمدّون مصادرَهم من البنيويّة الفرنسيّة وما بعدها. فعلى الرغم ممّا يَجمع بين سعيد وذلك الاتجاه، فإنّه لا يصل إلى ما يصلون إليه من تدعيم أهمّيّة الدالّ على حساب المدلول، وتمثيلِ ذلك في الكتابة التي يكون تركيبُها مصطنعًا إلى حدٍّ بعيد، حيث يسود اللعبُ على الألفاظ، واستخدامُ الكلمات في غير ما وُضعتْ له، والمعاني المزدوجة، والاشتقاقُ الجريء، ومختلفُ ضروب الغموض والإبهام والالتباس.

الأخطر من ذلك أنّ هذه الرؤية إلى اللُّغة عمومًا، وإلى اللغة العربيّة بوجهٍ خاصّ، تنطوي على إيديولوجيا تقول في النهاية إنّ اللغة تخلق العالم، وإنّ تطوّر الحضارة مشروطٌ أوّلاً بتطوّر اللغة. وإلى هذا، فإنّ إيديولوجيا أبو ديب تتجلّى أيضًا، ولو عن غير وعي، في اختياراته اللغويّة التي تفضي إلى تغريب العربيّة لمتحدّثيها.

 

*يُتَّهم الاستشراقُ، الذي صُنِّف حقلًا من حقول الترجمة، بأنّه عمليّةُ نقلٍ مغلوطةٌ وممنهجة، هدفُها تشويهُ الملامح الثقافيّة والفكريّة للعالم العربيّ على عدّة صعدٍ يسخّرها المستشرقون في خدمة أغراض سياسيّة وإيديولوجيّة. ما مدى دقّة هذا الرأي؟ وهل يصحّ تصنيف "الاستشراق" في حقل الترجمة؟

ــــ ينطوي الاستشراق على ترجماتٍ كثيرةٍ ومتنوّعة من غير شكّ، أمّا تصنيفُه حقلًا من حقول الترجمة ففيه تزيّدٌ ومطٌّ لمعاني المصطلح. فليست كلُّ عمليّةِ تفاعلٍ بين الثقافات ترجمةً. حتى الحرب تنطوي على ترجمات، لكنّ الحروب حقولٌ للقتل أساسًا لا للترجمة. ولا شكّ في أنّ الاستشراق غالبًا ما يبني شرقًا غيرَ الشرق الفعليّ، إنّما بعمليّةٍ بالغةِ التعقيد والتنوّع. بمعنًى آخر، ليس الاستشراقُ مؤامرةً، بل هو نتاجٌ "طبيعيٌّ" للتوسّع الرأسماليّ خارج حدود الدول الرأسماليّة المتقدّمة. وإذا كان يُسَخَّر لخدمة أغراضٍ سياسيّة وإيديولوجيّة، فغالبًا ما يكون ذلك على نحوٍ معقّد. لقد تعرّفنا إلى كثير من تراثنا من خلال الاستشراق. والاستشراق، مثل الإيديولوجيا، يحتاج إلى نقدٍ صاحٍ، لا إلى رفضٍ جاهل.

 

*إلى أيّ مدى يمكن أن تسهم الترجمة اليوم في تغيير الوعي في أيّ مجتمعٍ تتوجّه إليه؟ وما هي أشكال الحصانة المعرفيّة التي يمكن أن تقي المجتمعاتِ من آثار الترجمات التي تحمل أهدافًا غيرَ نزيهة؟

ــــ يمكن الترجمةَ أن تسهمَ في تغيير الوعي إلى المدى الذي تحمله من معرفة. والحصانة هي الفكر النقديّ، ترجمةً وإنتاجًا. ولا أخفيكِ أنّني أتحسّس شيئًا غيرَ مريح في الكلام المتواصل على "الأغراض والأهداف غير النزيهة" حين تُربَط ربطًا مباشرًا بالثقافة والإنتاج الثقافيّ. هذه غالبًا لغةُ الأنظمة التي ترى الدنيا مؤامرةً عليها، ولغةُ الإسلام السياسيّ المحافظ الذي يرى الدنيا مكيدةً لدكّ خصوصيّاتنا وتراثنا؛ من دون أن يعني ذلك، بالطبع، أنّ الثقافة والنتاجات الثقافيّة بريئةٌ بالضرورة. غير أنّني أكاد أصاب بالغثيان عندما أجد "روائيًّا" أو "ناقدًا" من النوع التعس والبائس الذي تعجّ به أروقةُ اتّحادات الكتّاب العربيّة يتحدّث عن مؤامرة صهيونيّة في روايات جيمس جويس، أو داعيةً إسلاميًّا يُفتي بتحليل مزابل القرون السالفة ويشمّ رائحةَ مؤامرة في كلّ ما هو غربيّ.

 

*أنتم متَّهَمون، كأهل اختصاص، بأنكم تكتبون بلغةٍ واصطلاحاتٍ يفهمها أهلُ الاختصاص فحسب، وأنّ هناك فجوةً ثقافيّةً تَحُول بينكم وبين الشباب المقبل على المعرفة لكنّه لم يراكمْها بعد، وفي المقابل يتلقّف الترجماتِ الرديئةَ المبسّطة من الأرصفة. هل تجد في هذه التهمة تجنّيًا؟ وهل حقيقيّ أنّه ليس لدى الشباب مَن يكاتبهم أو يترجم لهم؟

ــــ أمرٌ سيّءٌ أن يكون المرءُ غيرَ مفهوم، خصوصًا للشباب المقبل على المعرفة. لكنّ ما يحدِّد اللغةَ والمصطلحاتِ التي يكتب بها المرءُ هو موضوعُها ودرجةُ تعقيده وما يقتضيه كلُّ ذلك من مفاهيمَ لا ينبغي تبسيطُها أو ابتذالُها "كرمى" لأحد، بما في ذلك الشبابُ المقبل على المعرفة. قد يكون من المستحسن الكتابةُ على مستوياتٍ متعدّدةٍ، كما يفعل مفكّرٌ مثل سمير أمين الذي يضع أحيانًا كتبًا يصعب فهمُها حتى على زملائه المختصّين، لكنّه يعاود شرحَها للقارئ المطّلِع والمثقّف، ثم يُلحق ذلك بشرحٍ للقارئ العامّ، بتبسيطٍ من دون ابتذال.

ولكنْ ماذا لو وجدتِ مَن يشكو صعوبةَ الفهم حتى بعد ذلك؟ المسألة لا تتعلّق دومًا بأهل الاختصاص ولغتِهم الصعبة، بل تتعلّق بثقافةٍ تنحدر فيها الثقافةُ وتتدهور بحيث يصبح فيها النجمَ الداعيةُ الإسلاميُّ الجاهلُ ومدّعو كتابة الرواية السذّج، كما تتعلّق بقارئٍ كسولٍ لم يَضْمر لديه الحسُّ النقديّ فحسب بل الفضولُ أيضًا.

اللاذقيّة (سوريا)

* المعتمد المُكَرَّس (canon): مفهوم ذو أصول مسيحيّة يشير إلى مجموع النصوص الدينيّة المكرَّسة على أنّها "صحيحة" و"موثوقة،" ومقدّسة تاليًا؛ وذلك بخلاف النصوص المشكوك في صحّتها ("الأبوكريفا"). انتقل هذا المصطلح إلى الدراسات الأدبيّة والنقديّة ليشير إلى مجموع النصوص المعتمَدة والمكرَّسة ضمن تراث محدَّد، أو في حقل معرفيّ معيّن، تبعًا لمعايير أو قيم معيّنة بحيث تشكّل وحدةً نصّيّة متجانسة على نحوٍ ما. كما يمكن إطلاقُ المصطلح على أعمال مؤلِّفٍ ما تُقْبَل على أنّها أصيلةٌ أو موثوقة، كأن نقول المعتمد المكرَّس الشكسبيريّ.

ثائر ديب

طبيب سوريّ، متفرّغ للترجمة والعمل الثقافيّ. عمل مديرًا لتحرير مجلّة تبيّن بين 2012 و2014، وترأّس تحرير مجلة جسور (الهيئة العامة السورية للكتاب)، وكان عضوًا في هيئة تحرير مجلّة الآداب العالمية (اتحاد الكتاب العرب، دمشق). ترجم عشرات الكتب، منها: الجماعات المُتَخَيَّلة: تأملات في أصل القوميّة وانتشارها (لبندكت أندرسون)، والترجمة والإمبراطوريّة (لدوغلاس روبنسون)، وموقع الثقافة (لهومي بابا)، وثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر (لأسامة مقدسي)، وتأملات في المنفى (لإدوارد سعيد)، ونظريّة الأدب (لتيري إيغلتون)، والنظرية النقدية: مدرسة فرانكفورت (لآلان هاو).

رولا عبدالله الأحمد

 كاتبة سوريّة من دمشق. تملك إجازة في الإعلام والتوثيق من الجامعة اللبنانيّة. عملتْ في الكتابة الدراميّة التلفزيونيّة، وسيناريو الأفلام التوثيقيّة. لها عدد من الأبحاث عن إعلام الحرب اللبنانيّة، والأسيرات الفلسطينيّات في سجون العدو، والمخيّمات الفلسطينيّة في لبنان. حاورتْ عددًا من الشخصيّات الأدبيّة والثقافيّة . مختصّة في شؤون المنظّمات الدوليّة في جنيف.