Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

حقيبةٌ ليست لأحد

قصة قصيرة

 

 

في الغابة القصيّة، على أطراف العاصمة المترفة في أوروبا، التقيا: مهاجرٌ غيرُ شرعيٍّ، أتى من بلادِه الغارقة في الفقر والبطالة؛ وابنةٌ لأبوين عيونُهم زرقٌ من سلالةٍ أوروبيّةٍ نبيلة. بينما كان يسير متأمّلًا الأشجارَ الضخمة والسماءَ الضاجَّة بالغيوم، في طريقٍ تلوِّنه الفراشات، يزيح ما ترسّبَ في الذاكرة عبر ثلاثين عامًا من مشاهد التلوّث والفقر والازدحام، شعر بمَن يصطدم به، فتحرّكتْ يداه في سرعةٍ ليمسك بالجسد الذي كاد يلامس الأرض. رفعتْ رأسها نحوه. عيناها الزرقاوان مترعتان باللهيب الدافئ، وجهها أبيض، والكرزُ على خديها نعمةٌ ووفرة؛ وهو ابن الفقراء الذين لا يعرفونه. ارتبكتْ وهي تُفلِت جسدَها الممشوقَ من ذراعيه، بينما كان مأخوذًا بها تمامًا. اعتذر لها بكلماتٍ مرتبكةٍ من القليل الذي يجيده من الفرنسيّة. تأمّلتْه في هدوء، وعيناها ممتلئتان بالعطف على مظهره المتواضع. أشارت إليه بيدها، بما يعني "لا مشكلة،" وهي تبتسم. فابتسم بدوره.

تعارفا. أخبرها عن عمله في المطعم الواقع في آخر دائرةٍ في العاصمة، وبالقرب من آخر محطة مترو. تحدّثتْ بسرعةٍ عن نفسها وقد أنزلت سماعتَي الموسيقى عن أذنيها، فبدا عليه عدمُ الفهم. توقّفتْ وهزّت برأسها. راحت تتكلّم ببطء: تدرس في الجامعة. والدها رومانيّ، وأمّها فرنسيّة، تقيم معهما في بوخارست، وتأتي لزيارة جدّتها لأمّها في باريس. وهي تقيم في فندق قريب من غابة فنسان. اتّفقا على اللقاء في المكان نفسه في اليوم التالي. غادرتْه، وعلى أطراف أنامله تركتْ أثرًا نديًّا ليدٍ منعَّمة.

في اليوم التالي، بدا نشيطًا مبتسمًا، وهو يُقدِّم فناجينَ الإسبرسو الصباحيّة للزبائن، ويتذكّرها. قابله صاحبُ المطعم الفرنسيّ في الممرّ، فتمتم بمرحٍ هازًّا رأسه: "بارفيه..." واصلَ حملَ الأطباق إلى الحوض، وبدأ يحزم المريلة حول خصره بحماسة. راح يتأمّل الماء الساخن يتدفَّق على يديه الخشنتين، ويتأمّل عروقَهما النافرة من شدّة العمل. تذكّر يديْن من حريرٍ وضوء سلّمتا عليه في غابةٍ بعيدة.

في عصر اليوم نفسه، جلس على المقعد الحجريّ أمام قلعة فنسان على أطراف الغابة، يتابع الأفق، ويرقب الخارجين من محطّة المترو وقد احتشدتْ ذاكرتُه بملامحها. مرَّ الوقتُ ثقيلًا. لم يكن يتصوّر ألّا تجيء. بين الخارجين من المحطة رآها من بعيد؛ كأنّما تخطو على خفق قلبه. شُدَّ كلُّ ما فيه إليها. وقف وحقيبتُه تتدلّى من كتفه، وسار إليها بطوله الفارع. عانقته ابتسامتُها، فصافحها مرتبكًا. تورّدتْ. سألها إنْ كانت تفضِّل أن يجلسا في مكانٍ قريب، أو يذهبا إلى قلب المدينة. اختارت الزحام. أمسكَ بيدها وسارا إلى محطّة المترو.

في زحام العربة كان يلحظ النظرات المستهجنة من المحيطين. شعر بالتوتّر من النظرات المُحاصِرة، ومن العيون الزجاجيّة الملوَّنة التي تطرده جميعها. شدّت على يديه، فنظر في عينيها. ابتسمتْ له. راح ينظر خارج المترو، ناسيًا المحيطين.

في الطريق إلى نهر السين، حيث ترتمي ظلالُ برج إيفل على المياه، قالت له: "لا تحزن... مازال الكثير من الأوروبيين ينظرون إلى الغرباء باعتبارهم من جنسٍ آخر..." هزَّ رأسه في أسًى وهو يجاهد ليبتسم. قالت له وهي تميل برقبتها إلى الأسفل لتنظر إلى وجهه: "أنا لا أفكر هكذا." ابتسم من قلبه. مرّ الهواء البارد عليهما، فطار شعرُها الذهبيّ وغطّى وجهه فأدفأه للحظات.

***

واصلَ العمل في المطعم القصيّ على أطراف العاصمة. طلب من المدير مضاعفةَ ورديّته ليعمل على فترتين. كان يعمل اثنتيْ عشرة ساعة يوميًّا، ويدّخر. يرسم أحلامًا كثيرة، ملؤها عينان زرقاوان تبتسمان، ويدان من حرير تملأان بيتًا بالدفء في بلاد الصقيع والاغتراب. يلتقيها في يوم العطلة، ليتقاسما البوحَ والطعامَ والضحكاتِ وبعضَ الأسى.

قالت له إنّها لم تحلم يومًا بأن تلتقي فارسًا من الشرق البعيد الذي قرأتْ عنه وتصوّرَتْه موئلًا للأساطير وحكاياتِ العجائب. حدَّثها عن بلاده، وأنّ بها بشرًا تملؤهم الأحلامُ ولكنّهم لا يجدون طريقًا إليها. صارحتْه بأنّها لا تعرف سوى القليل عن بلاده؛ فمقرّرات التعليم تصفها بأنّها بعض المستعمَرات القديمة ما وراء البحار، وتنتهي سيرتُها بتاريخ انسحاب أجدادها منها. وعدَها بأن يصْحبها إلى بلاده لترى حضارتَها بنفسها. ابتسمتْ. سألتْه إنْ صعد برجَ إيفل من قبل، فأومأ بالإيجاب وهو يشير إلى المصعد الجانبيّ الذي يقطع المسافة إلى ثلثه. "ولكنْ، هل قطعتَ المسافةَ إلى قمّته على قدميك؟!" سألتْه. نظر إليها مندهشًا؛ "وهل هناك من يصعده مترجّلًا؟"

بعد نصف ساعةٍ كان يلهث منقطعَ الأنفاس، بينما تورّد وجهها، وقد قطعا ثلاثة عشر طابقًا من البرج. أخذا ينظران إلى المدينة المتلألئة تحت أقدامهما. قال لها: "صحيح أنّني أحبّك، ولكنّني أفضّل أن أعيش من أجل هذا الحبّ." ضحكتْ وهي تمسح عرقَه بيدها. قالت: "تبدو محتالًا كبيرًا. أثبِت لي ذلك إذًا!" وراحت تقفز إلى أعلى، بين الشباب الصاعدين في حماسةٍ، وتضحك. جُنّ، وراح يركض خلفها.

***

في مساءٍ مسرنَم بالحبّ بينهما، وكانا جالسيْن على أطراف النهر أمام كنيسة نوتردام، أخبرتْه أنّها ستسافر إلى بوخارست قريبًا، وستعود بعد شهرٍ ونصف. انطفأتْ عيناه، فأحاطت وجهَه بكفّيها. قالت، وهي تقترب منه حتّى تلامسَ كتفاهما: "لا تبدأ في الابتئاس! هيّا قل لي إنّك ستنتظرني بلهفةٍ وحب!" ابتسم ممرورًا. قال: "وهل تتوقّعين غير ذلك؟ لكنّي لا أعرف كيف سأُمضي هذا الوقت من دونك هنا." اعتدلتْ فجأةً في جدّيّة، وقالت: "اسمع، أنا مسافرة لأوجد أرضًا لقصّتنا. سأخبر عائلتي بالأمر، وأعود إليك لتصحبني إلى بلادك كي ننسج أسطورتنا الصغيرة. أنا سأُعْلِمهم من باب التقدير فقط؛ فلي حرّيّتي واختياري. هل ستنتظرني؟" لم يجبها. رفعتْ وجهه، فوجدته يدمع. ضمّته. ارتاح رأسه على كتفها. ساد الصمت بينهما كأنّما استحالا إلى صورةٍ ساكنة.

***

في بوخارست، صبيحة يومٍ ممطر، على مائدة مع أمّها وشقيقها الصغير، بينما بقيَ مقعد الأب الغائب خلف أعماله في أوروبا شاغرًا، انفجرت الأم صائحةً: "لقد أرسلناكِ إلى باريس لتنهلي من فنونها كما طلبتِ، ولتشاهدي العالم وتدرسي، لا لكي تدخلي في مغامرات حبٍّ مع مهاجرين غرباء." قالت مغالبةً دموعَها: "ولكنّه يا أمّي شابّ صادق ومجتهد. يعمل ويتعلَّم. يعرف الكثير عن حضارة بلاده و..." قاطعتْها أمّها بنفاد صبر: "انتهى الأمر. وهذا الموضوع لن يُفتَح ثانيةً. هل انتهى شبابُ رومانيا؟ شبابُ أوروبا كلّها... لترتبطي بمهاجرٍ غير شرعيّ؟ تزوّجي من تريدين منهم، ولن يسألك أحدٌ عن شيء." قبل أن تعترض، لوّحت لها الأمّ الغاضبة بإشارة صارمة بسبّابتها. ساد الصمتُ ثقيلًا، بينما راح الأخ الصغير يعبث بالطبق أمامه من دون أن يتناول شيئًا. نهضت الأم. سارت بعصبيّة واختفت في إحدى الغرف. سالت الدموع على خدّ الفتاة ببطء.

***

على رصيف محطّة "باري دو لانور" المزدحمة، جلس لليوم الرابع بعد موعد عودتها المُنتظَر، يَعدُّ القطارات العائدة من بلدان القارّة الباردة القديمة. بدا شاحبًا وقد نمت ذقنُه. في اليوم الخامس قرّر النومَ في المحطّة، متوسّدًا حقيبته التي تحمل تذكرتين لأوبرا "غارنييه" التي وعدها بأن يَحْضرا عرضها الافتتاحيّ إثر عودتها. ظلَّ يحدّق في السقف، ويراها تبتسم له في حنوّ ورحمة، فيغفو مبتسمًا.

في اليوم السادس، بدأ الإعياءُ يلفّ جسده الذي نحل كثيرًا وهو يقتات على عبوات البسكويت الصغيرة والماء، من الكشك المقابل لرصيف القطار. كان يسعل بشدّة، ولا يردُّ على هاتف عمله.

في اليوم العاشر تبدّدت موسيقا غارنييه، والأوبرا، ودَرَجُ برج إيفل، في قلبٍ صغيرٍ ينطفئ. وغفت تذكرتا أوبرا على موتهما في حقيبةٍ لم تعُد لأحد.

  فنسان (باريس)

اتّصل بنا من نحن دار الآداب