Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

حمار البدويّة والمختار

قصة قصيرة

 

 

قال جدّي:

ــــ عند الله، لا يضيع حقٌّ يا سِيدي!

ولكي يؤكّد قناعتَه الراسخةَ تلك، فقد أعلن ــــ وهو يضرب الأرضَ بعكّازه القويّ ــــ أنّ "كلّ خُطوة تمشيها للجامع الكبير محسوبة في ميزان حسناتك." ثمّ أضاف: "والملاك اللي عَ كتفك اليمين يَحْسب كلّ خطوة... كلّ خطوة بخمسين حسنة."

ــــ كلّ خطوة؟

ــــ كلّ خطوة.

ــــ حتّى لو صغيرة؟

ــــ حتّى لو صغيرة.

نظر في عينيّ يرصد وقع كلماته، وكرّر:

ــــ خمسين حسنة.

وابتسم.

***

خبر مثيرٌ جدًّا في قرية منسيّة لا يحدث فيها أيُّ شيءسوى الأذان وقرع أجراس الكنيسة، عرسٍ أو عُرسيْن في الصيف، ومظاهرةٍ في ذكرى وعد بلفور. ولكنّ هذه معلومةٌ طازجة الآن يلقيها جدّي أمامي: "كلّ خطوة بخمسين حسنة!" يعني إذا مشيتُ إلى الجامع الكبير مع جدّي، يومَ الجمعة، فسأجمع ملايينَ الحسنات، وفي يومٍ واحدٍ فقط.

انتظرتُ أيّامًا جمعتُ فيها مصروفي اليوميّ، ثمّ ذهبتُ إلى دكّان أمّ غازي. وقرّرتُ: بدّي دفتر كبير أسجّل فيه حسناتي!

في الطريق إلى البيت رأيتُ البدَويّة، ولم أسألْها عن صحّة حمارها المسكين "فورد." نسيتُ الآن لماذا أسميناه فورد. لكنْ، قيلَ همسًا، في بيوت القرية، إنّ المختار عبد الجابر سطا على حمارها. في الحقيقة، كان يريدها هي؛ هي وحمارَها وذهبَها وبيتَها. هذا ما قاله جدّي مرّةً. وحين رفضت الزواجَ به لأنّه متزوّجٌ من ثلاث نساء قبلها، ويكبرها بأربعين سنةً، حاول طردَها من القرية غيرَ مرّة. وقال إنّها ــــ أستغفرُ الله العظيم ــــ ساحرة ومجنونة. ولولا جدّي والحجّ أبو عمران لأصبحت البدويّة في خبر كان.

والآن، على وقع إعلان جدّي، التاريخيّ، بخصوص الخمسين حسنة، نسيتُ حقيقةً مهمّةً جدًّا: أنّ المسجد الكبير يبعد عدّة كيلومترات عن قريتنا، ويقع على رأس جبل شاهقٍ وبعيد. لم أتخيّل ــــ في أسوأ كوابيسي ــــ أن يكون حسابُ الحسنات مستحيلًا إلى هذه الدرجة. إنّه أصعب من حصّة الرياضيّات. أكرهُ الرياضيّات، وأكرهُ المدرسة، وأكرهُ المدرِّس، وأكره البدويّة التي تنازلتْ عن حمارها للمختار. لو كان فورد معها الآن، ولكنّها...

***

جاء يومُ الجمعة. أمشي خلف جدّي وأسجّل كلّ خطوة. أقف. أعدُّ. أسجّل من جديد. ألهثُ. مرّةً أتعثّر في الحساب، ومرّةً أتعثّر في الطريق. أنسى أين وصلتُ في الجمع والطرح والضرب. في منتصف الطريق بدأَت حالتي تتدهور. صارت الشمس معاديةً وعنيدة.

جدّي الذي أشفق عليّ قال:

ــــ لو تحسبها مرّة واحدة أريحلك.

ــــ مرّة وحدة؟ كيف يعني؟

ــــ يعني خذها مقاولة، سبعة آلاف متر ضرب خمسين حسنة، قدّيش بطلعوا؟

حسبتُ على أصابعي وقلت:

ــــ ثلثماية وخمسين ألفًا.

ــــ عفارم عليك.

مسح شعري بكفّه الخشنة.

ــــ ولو قلنا إنّ في كلّ متر خطوتين؟

ــــ سبعميّة ألف.

ــــ تمام. هذا هو الحساب الصحّ. توكّلنا على الله ومشينا؟

ــــ مشِينا.

***

بعد مشقّةٍ لم تخفّفْ وطأتَها إلّا قصصُ جدّي عن البلاد، دخلنا إلى بيت الله الكبير، وكان في رصيدي 700 ألف حسنة عدًّا ونقدًا؛ وهذا كلُّه طبعًا قبل حساب الحسنات التي سأجمعها في الصلاة، وهي حسناتٌ يجب ألّا أنساها.

أثناء الصلاة، وأنا بين يدَي الله العظيم، فكّرتُ: طيّب، طريق الرجعة محسوبة؟

وصمّمتُ: لازم أسأل سِيدي.

***

بعد الصلاة في المسجد الكبير، وبعد طول انتظار حتّى يفرغ جدّي من السلام والكلام والتحيّات والقبلات، خرجنا إلى الشارع. وتركتُه يدعو ويتمتم كما يفعل دائمًا بعد كلّ صلاة. ثمّ سألتُه:

ــــ الملاك يا سِيدي بِيحسِب طريق الرجعة؟

لم يسمعْني جدّي. وظلّ يمشي ويتمتم ويستغفر الله. لكنّه، بعد دقيقة، توقّف مثل صنم وبدا كأنّه تذكّر شيئًا مهمًّا. ضرب الأرضَ بقدمه ونظر إليّ. كانت ملامحُه قد تغيّرتْ في ثانية. إنّه غاضب الآن. أعرفُ تلك الملامح القاسية المنحوتة، التي تكسو وجهَه الصخريّ. وسألني سؤاله الصاعق:

ــــ ليش شتمتِ البدويّة وشتمتْ أمّ غازي؟

ــــ ...

وحين لم يسمع جوابًا، واصلَ على الوتيرة نفسها:

ــــ ليش تسبّ أمّ غازي المسكينة؟

ــــ ...

مشى خطوتين ثمّ عاد:

ــــ بعدين سمعت إنّك حكِيت للبدويّة "وين حمارك يا قحبة؟" مش عيب عليك؟ إنت عارف قصّتها للمسكينة، استجارِت فينا. وإنت...

كزّ على أسنانه: شو أقول؟

ــــ ...

طارت فرحةُ الحسنات. وحشرني جدّي في الزاوية تمامًا. كيف يعرف كلَّ أسراري؟ مَن يقول له؟ وتمنّيتُ أن ينقذني اللهُ من براثن أسئلته الثقيلة. صارت الطريق إلى البيت أصعبَ ألف مرّةٍ من الذهاب إلى المسجد.

مشى. ومشيتُ خلفه. أتعمّدُ الإبطاء في السير حتّى لا يراني. علّه ينساني. وتمنّيتُ لو أنّه يصادف أحدَ معارفه وينسى.

فجأةً قال:

ــــ بتفكّر الملاك اللي عَ اليمين هو اللي صاحي بس؟!

تخيّلتُ الملاك الذي يسكن كتفي اليسرى. ولا أعرف لماذا تخيّلتُه يتراقص فرحًا، ويمدُّ لسانَه لي.

وسألتُ نفسي: طيّب، ما العمل؟

لا أعرف كيف سمعني جدّي، فقال حتّى يؤكّد هزيمتي: يعني طاروا كلّ حسناتك.

هكذا حسم جدّي الأمر؛ تركني أقف في العراء أمام باب بيته. ولم يبتسم كما يفعل دائمًا. لم يمسح شعري. لم يطلب إلى الله أن يرضى عنّي. ولم يعطِني إلّا ظهرَه.

لا أعرف لماذا تحوّل الخوفُ في صدري إلى غضب انفجر من كلّ رأسي دفعةً واحدة.

رميتُ الدفتر والأقلام وركضتُ إلى بيت المختار.

اقتحمتُ البوّابةَ الكبيرة وتشاجرتُ مع أحد أحفاده. ضربني وضربتُه. ثمّ ضربني وضربتُه، فوقع على الأرض. ونجحتُ في استعادة فورد الذي عرفني. وما إنْ أصبحتُ فوق ظهره حتّى أطلق ساقيْه للريح.

***

القرية التي لا يحدث فيها أيّ شيءٍ إلّا الأذان، وقرع جرس الكنيسة، ومظاهرة وعد بلفور، تغيّرتْ هذا اليوم بعد اقتحام بيت المختار. فقد انتشر الخبرُ في كلّ زوايا البلد، في أقلّ من ساعةٍ واحدة. وتجمّعتْ كلُّ قبيلة في بيت شيخها لتقويم الموقف. وحصل هرج ومرج في مضافة "سيدي عابد" في ذاك النهار الطويل.

صار اقتحامي لبيت المختار وإعادةُ فورد إلى البدويّة حديثَ الرجال والنساء والأطفال في القرية. وانقسم الناسُ: بين مؤيّدٍ لما فعلتُ، وخائفٍ من ردّ فعل المختار؛ بينما غرق آخرون في صمتٍ وذهول، وغضب فريق آخر وتوعّدوا بمعاقبتي لأنّني اقتحمتُ "حرمةَ" بيت المختار.

في مضافة سيدي عابد كلّ شيء توقّف تمامًا. وسيطر الصمتُ في المكان، حين دخل جدّي وجلس في مكانه في صدر الغرفة. كانت عيناه تبحثان مثلَ صقر. وكنت أعرفُ أنّه يبحث عنّي.

حين وقعتْ عيناه على وجهي، قالت لي يدُه، وهو يبتسم: تعال.

تقدّمتُ منه. وجلستُ قربه. ضمّني إليه برفقٍ، ثمّ مسح شعري. قبّلني، وهمس في أذني:

ــــ لا تخف، وإنت سبع!

كلمة واحدة من جدّي كانت كافيةً لتُنزلَ على قلبي كلَّ السكينة والرضى، إضافةًإلى اعتباري "بطلًا."

وأردف:

ــــ رح اشتريلك دفتر وقلام بدل اللي ضاعوا.

ــــ وحسناتي يا سيدي؟

قال:

ــــ نسيت يا ولد؟ عند الله ما بضيع حقّ!

اتّصل بنا من نحن دار الآداب