Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

حملة "مانيش مسامح": نَفَسٌ من 17 ديسمبر لا يزال ينبض في الشارع (ملفّ 1)

مقالات

 

اقتصادُ التفاوت والدولةُ الغنائميّة

تَشكّلَ الاقتصادُ التونسيّ غداةَ الاستقلال في ستينيّات القرن الماضي وفق برنامج "التعاضد،" الشبيهِ برأسماليّة الدولة. ورافقتْه إجراءاتٌ سياسيّة قائمة على الحزب الواحد، وتبعيّةِ كلّ المنظّمات له.

مع السبعينيّات، بدأتْ مرحلةُ الانفتاح والخوصصة. فسيطرتْ بعضُ العائلات القريبة من السلطة على السوق الداخليّة، واحتكرتْ أغلبَ القطاعات الفلّاحيّة والصناعيّة والخدماتيّة، مستفيدةً من العلاقة الزبائنيّة مع نظام الحزب الواحد.

وفي الفترة نفسها شجّعت السلطة، عن طريق قانون 72، الشركاتِ غيرَ المقيمة (offshore)، التي استفادت من الامتيازات الجبائيّة، وتمتّعتْ ــــ بفضل "برنامج الإصلاح الهيكليّ" المُمْلى من صندوق النقد الدوليّ سنة 1986 ثم بفضل "اتفاقيّة الشراكة مع الاتحاد الأوروبيّ" سنة 1995 ــــ بامتيازاتٍ جديدةٍ على حساب الصناعة الوطنيّة التونسيّة، التي تفكّكتْ وعجزتْ عن المنافسة.

تسبّبتْ خياراتُ النظام هذه في احتداد أزمة الاقتصاد، الذي تحوّل إلى اقتصادٍ غيرِ منتِج، وغيرِ مشغّل، وفاقدٍ لأيّة قيمةٍ مضافة، وعاجزٍ عن استيعاب الطلب المتزايد على العمل. وهذه أزمةٌ دفعتْ ضريبتَها الفئاتُ الأكثرُ فقرًا وبؤسًا، لتجدَ نفسَها تواجِه ــــ فضلًا عن البطالة والتهميش ــــ ارتفاعَ الأسعار، وانهيارَ المقدرة الشرائيّة. فاضطرّت إلى اللجوء إلى أشكال أخرى من التشغيل الهشّ والموقّت والمهين  للكرامة أحيانًا.

وقد تعمّق إحساسُ هؤلاء بالغبن والتهميش أمام ما رأوْه من هذا النمو غيرِ المتكافئ، الذي يُنتج تنميةً لفئات محدودة مقابل تدهور فئاتٍ وجهاتٍ كثيرة. وانضاف إلى ذلك: قمعُ الحريّات، والجرائمُ المرتكبةُ في حقّ المواطنين، وتغوّلُ مؤسّسة الأمن الداخليّ إلى حدّ تحوّلها إلى رمزٍ للظلم والعجرفة. فكانت الثورةُ التونسيّة.

المصالحة: إعادةُ ترميم للمنظومة السابقة

 

اندلعت الثورةُ التونسيّة نتيجةً حتميّةً لهذا الشرخ. وكانت الشعاراتُ المرفوعة خلال الاحتجاجات محمَّلةً بمضامينَ اجتماعيّةٍ واقتصاديّة، ولكنّها اكتست أيضًا طابعًا سياسيًّا واضحًا، من سماته: المطالبةُ بمحاسبة الطغمة الحاكمة وحفنةِ الفاسدين، وإسقاطُ النظام.

نجحتْ حركةُ الشارع في البداية في إرباك النظام وشلِّ حركة الشبكات التي قام عليها. كما أفلحتْ في عزل أكبر رموز الفساد، وسجنِهم، وتعطيلِ مصالحهم.

لكنْ بعد ستّ سنوات من انطلاق المسار الثوريّ يبدو أنّ موازين القوى اختلّت مجدّدًا لصالح المنظومة السابقة. فبعد مسار "الانتقال الديمقراطيّ" المسقَط الذي تمّ بشروط النظام، أيْ بإعلامٍ تابعٍ ومدفوعِ الأجر وبمالٍ سياسيٍّ فاسد، أعاد الاستبدادُ إنتاجَ نفسه وترتيبَ أوراقه، محافظًا على خصائصه البنيويّة القديمة. وسرعان ما اكتملت الصورةُ على مستوى الممارسات: بالعودة إلى ملاحقة ناشطي الثورة قضائيًّا، وباستخدام القمع المنهجيّ ضدّ أغلب الاحتجاجات، وبالتعتيم الإعلاميّ، وبهرسلة الرأي العامّ، وبرجوع وجوهٍ من الصفّ الأوّل الموالي لنظام بن عليّ (من سياسيين ورجال أعمال) إلى الظهور في المساحات الإعلاميّة واللقاءات الرسميّة.

لم تكن القنواتُ التلفزيّة المملوكة من طرف رجال أعمال متورّطين في العديد من ملفّات الفساد، أو مؤسّسةُ رئاسة الجمهوريّة التي فتحتْ أبوابَ القصر الرئاسيّ لاستقبال رموز النظام السابق/المتجدّد، هي المدخلَ الوحيدَ للتأثير مجدّدًا في الشأن السياسيّ. فقد وجد هؤلاء في مسار "العدالة الانتقاليّة" (1) (الذي أقرّته السلطةُ التشريعيّة سنة 2013)، وفي ضعف آليّات عمله، وفي غياب شرعيّة أداته التنفيذيّة (هيئة الحقيقة والكرامة)، وفي الخلاف السياسيّ الذي أحاط به؛ وَجدوا في ذلك كلّه وسيلةً للالتفاف على القضاء، وللهروب من المحاسبة، وللادّعاء أنّ مرحلة الثورة قد انتهت، وأنه قد آن الأوان "للمصالحة مع الماضي."

تبلورتْ فكرةُ "المصالحة" على المستوى التشريعيّ في شكل مشروع قانون مقدَّم من طرف رئيس الجمهوريّة، الباجي قائد السبسي، مرشَّحِ حزب "نداء تونس،" ووزيرِ الداخليّة ثم الدفاع ثم الخارجيّة في فترة حكم الحبيب بورقيبة، ورئيسِ مجلس النوّاب في فترة حكم بن عليّ. صادق مجلسُ الوزراء على هذا المشروع، وأُحيل على مجلس نوّاب الشعب في 14 جويلية 2015 تحت مسمّى مشروع قانون المصالحة في المجال الماليّ والإداريّ. (2)  وقد ورد في شرح الأسباب المتعلّقة به أنّه يقضي بوقف التتبّعات والمحاكمات، وإسقاط العقوبات، في حقّ الموظّفين العموميّين وأشباهِ الموظّفين ورجالِ الأعمال المتورِّطين في ملفّات فساد واعتداء على المال العامّ وجرائم الصرف (تهريب العملة)، وذلك بهدف معالجة مناخ الاستثمار وتمويل الاقتصاد الوطنيّ واسترجاع ثقة المواطن بمؤسّسات الدولة "تحقيقًا للمصالحة باعتبارها الغايةَ السامية للعدالة الانتقاليّة."

اعتمد "نداء تونس" لتحقيق فوزه في الانتخابات على قوًى كانت منتفعةً بشكل مباشر من المنظومة القديمة، وإنْ تجنّب في خطّته التواصليّة إظهارَ الوجوه التي مثّلتْ أعمدةَ تلك المنظومة. وذلك الدعم المقدّم إلى "نداء تونس" جاء، بلا شكّ، في مقابل وعودٍ بوقف التتبّعات في حقّ مَن تعهّد القضاءُ بملفّاتهم، وفي مقابل التخلّص من بعضِ ما جاء به مشروعُ العدالة الانتقاليّة ممّا يمْكن أن يُلحقَ الضررَ بالمنظومة المذكورة. بهذا الشكل يكون نظامُ بارونات المال والفساد قد استكمل ترميمَه، ووفّر لنفسه غطاءً تشريعيًّا كاملًا من خلال مؤسّسات منتخبة ديمقراطيًّا.

هذا الفهم لمشروع القانون خلق حالةً من الرفض السياسيّ والأخلاقيّ "للمصالحة." وقد عملتْ مجموعة من الشباب الناشط على تحويل هذه الحالة إلى زخمٍ احتجاجيّ في الشارع، وعلى توسيع رقعتها لدى القوى السياسيّة والفئات الشعبية. ونجم عن التحرّكات الأولى ضدّ "قانون المصالحة" تشكّلُ نواةٍ أَطلقتْ على نفسها اسم "مانيش مسامِح،" وتبنّت شكلًا تنظيميًّا هيكليًّا هو "الحملة."

 

شباب ضدّ النظام

تعرِّف "مانيش مسامح" نفسَها بأنّها "حملةٌ مستقلّة، خارج الاصطفافات التقليديّة للأحزاب والمنظّمات، تستمدّ شرعيّتَها من المواطنين المشاركين فيها والمساندين لها، مهما كانت خلفيّاتُهم وانتماءاتُهم، على أن يتبنّوْا أهدافَ الحملة وشعاراتِ 17 ديسمبر: شغل، حريّة، كرامة وطنيّة، عدالة اجتماعيّة (3). 

تندرج حملة "مانيش مسامح" ضمن التشكيلات الشبابيّة غير النمطيّة وغير التقليديّة، التي تنشط في شكل مجموعاتٍ شبكيّةٍ متلامسة، نابعةٍ من أسفل، ومرتبطةٍ بشكل "ريزوميّ،" غيرِ هرميّ وغير مركزيّ، بحيث يقوم كلُّ عنصرٍ مكوِّنٍ للهيكلة الجمليّة بالتأثّر من بقيّة العناصر والتأثير فيها. وقد طوّر المفكّران الفرنسيّان جيل دولوز وفيليكس ڨاتاري مصطلح "الريزوم" (4).  (الجذر الأرضيّ للنبات الذي يتمدّد أفقيًّا تحت التراب) لوصف النموذج الإبستمولوجيّ الذي يتطوّر باستمرار، وتنتظم عناصرُه على المستوى التراتبيّ نفسه، لا على مستوياتٍ خاضعةٍ لتسلسل هرميّ، ويستوعب هياكلَ أكثرَ تركيبًا وأقلَّ تجانسًا. وشكلُ التنظيم هذا يَنْبذ المركزَ، والعقيدةَ الجامدة، والتقسيمَ المسبَّقَ للسلطة وللمعلومة، والزعاماتِ والتفرّدَ بالقيادة أو بالقرار.

اتّخذتْ "مانيش مسامح" منذ بدايتها هيكلةً أفقيّةً، استئناسًا بالتجارب الشبابيّة التي سبقتْها. ونجحتْ في استيعاب طاقات مختلفة وغير منسجمة، وتجميعِها لا حول مشتركٍ هويّاتيّ أو فئويّ أو إيديولوجيّ ضيّق، بل حول جملةٍ من الأهداف الموضعيّة التي تحفظ بوصلتَها قراءةٌ للوضع السياسيّ منحازةٌ للثورة ولاستحقاقاتها.

هذه المرونة مكّنت الحملةَ من هدفين:

1) التشبيك بين مجموعات مثل: الشباب المنتظم في أحزاب، والشباب المسيَّس ولكن الرافض للتنظّم الحزبيّ، وأغلب أحزاب المعارضة، وجزء مهمّ من المجتمع المدنيّ التقليديّ والجديد، وجزء من جمهور كرة القدم الغاضب من النظام بسبب التعامل البوليسيّ أساسًا، والشباب المعطَّل عن العمل، وجزء كبير من الطبقة الوسطى التي ترى في تفشّي الفساد وتعميمِه تهديدًا لمصالحها الاقتصاديّة، وجزء من موظّفي الإدارة المتضرِّرين مباشرةً من تمرير "قانون المصالحة."

2) حماية بنية المجموعة من استهداف عناصرها، عبر التشويه أو المضايقة المتكرّرة أو الإيقاف، ومن تعطيل ديناميكيّة عملها.

تطوّرتْ هذه "الريزومات" تدريجيًّا، لتشكّل تنسيقيّاتٍ قائمةً بذاتها، ومستقلّةَ الموارد والقرار، في أغلب محافظات البلاد. وقد نجحتْ في الحفاظ على الخيط الجامع بينها، ألا وهو: سحبُ مشروع "قانون المصالحة." كما ساندتْ كلَّ حركة اجتماعيّة من شأنها دعمُ المسار الثوريّ وتحصينُه. وخَلقتْ حالةً من الزخم والالتفاف كان في مقدِّمتها شبابٌ اعتمدوا آليّاتِ عملٍ جديدةً، واشتغلوا على تطوير خطابٍ شبابيّ مبسَّط ومستحدث يستجيب لتطلّعات الساحة الشبابيّة ويعكس رغبتَها في تجاوز ما هو قديمٌ وتقليديّ.

 

محاربة الفساد: شعارٌ ترفعه الدوائرُ الماليّةُ العالميّة

أتاح الجدلُ، الطويلُ نسبيًّا، حول "قانون المصالحة،" لحملة "مانيش مسامح،" فرصةَ البروز فاعلًا سياسيًّا رئيسًا مناهضًا للفساد. غير أنّ الحملة، والقوى ذاتَ التوجه الاجتماعيّ التقدّميّ، ليست الوحيدةَ التي ترفع لواءَ مكافحة الفساد؛ فقيادات الأحزاب الحاكمة التي تحوم حولها شبهاتُ فساد، والأحزابُ الليبراليّة، وكذلك المؤسّساتُ الماليّة العالميّة على غرار صندوق النقد الدوليّ والبنك العالميّ، لا ترى أيَّ حرجٍ في ادّعاء كونها في مقدّمة "محاربي" هذه الظاهرة!

فمن ناحية، تجد "اتحاد الصناعة والتجارة" (وهي منظّمة الأعراف) من بين أكثر المحرِّضين ضدّ الفساد المتمثّل في التهريب الذي تفشّى بعد 17 ديسمبر بشكل خاصّ واستفادت منه نخبٌ اقتصاديّة جديدة تمكّنتْ من الإثراء في ظرفٍ وجيزٍ وتأهّبتْ لأداء أدوارٍ متقدّمة في الشأن السياسيّ وفي صناعة القرار. فأمام تضرّر مصالح هذا "الاتحاد" من صعود هذه النخب الجديدة، المنعوتةِ بـ"الدخيلة" و"الوصوليّة،" مثّل شعارُ "التصدّي للفساد" مدخلًا لمواصلة احتكار السوق والسيطرة الحصريّة على دواليبه.

إلى جانب الفاعلين السياسيين والمنظّمات المحلّيّة، برز مؤخّرًا متدخّلٌ آخر في "الحرب على الفساد" يتمثل أساسًا في صندوق النقد الدوليّ والبنك العالميّ، اللذيْن عادا بعد الثورة لتقييم أدائهما في تونس (5).  لكنّ هذا التقييم لم يَكشف عن العلاقة المتينة بين شبكات الاحتكار والفساد من جهة، وموظّفين كبار في الدولة من جهة ثانية، وهي علاقةٌ أنتجتْ "اقتصادَ المحاسيب تحت نظام حكم اللصوص"  (la kleptocratie)؛ وإنما دفعت البلادَ نحو المزيد من الخوصصة وإلغاء صندوق الدعم وتحرير الدينار ــــ وهي إجراءاتٌ قامت بها تونس في السابق بطريقةٍ غير شفّافة استفادت منها المجموعاتُ النافذةُ القديمة نفسها. وإلى جانب هذه الإجراءات (6) التي تهدف إلى القضاء تدريجيًّا على دور الدولة في الحياة الاقتصاديّة، اشترطت الهيئاتُ الماليّةُ العالميّة على الحكومة التونسيّة التخفيضَ من مؤشِّرات الفساد، واتخاذَ إجراءات مستعجلة لتفكيك شبكات الفساد والتهريب، مقابلَ تسريحِ ما تبقّى من أقساط من القروض المخصّصة لتونس. وهي تواصل العملَ على تحويل السوق التونسيّة إلى سوقٍ تنافسيّةٍ مفتوحة، تخضع لأهواء الشركات العابرة للقارّات ومجالسِ إدارة بنوك الاستثمار الكبرى؛ كما تعمل على القضاء على كلّ ما من شأنه تعطيلُ دخول الشركات العالميّة والمستثمرين الأجانب وعولمةِ الاقتصاد المحلّيّ.

وهذا ما سارعت الحكومةُ التونسيّة إلى تنفيذه، معلنةً تولّيَها إدارةَ حربٍ ضروسٍ ضدّ الفساد؛ "حربٍ" كانت حصيلتُها الوحيدة إيقافَ بعض رجال الأعمال والديوانيين (موظّفين بالجمارك) المنتسبين إلى البرجوازيّة الجديدة، واستثنت الفاعلين الاقتصاديين "الرسميين" المنحدرين من العائلات الأرستقراطيّة أو العائلات الاقتصاديّة التاريخيّة، مقابل مواصلة التستّر على ملفّات فسادٍ خطيرة وتعطيل عمل الهيئات المنوط بعهدتها التحقيقُ فيها.

 

خاتمة

شهدت الساحة التونسيّة قبيْل الثورة وبعدها نشأةَ تجارب شبابيّة انخرطتْ في محاربة النظام القمعيّ، ثم في إنجاز مهامّ الثورة المباشرة، وحاولتْ (في حدود إمكاناتها) الاشتغالَ على عُدّةٍ معرفيّةٍ جديدةٍ محايثةٍ لواقعها وملمّةٍ بتعقيداته. وقد مثّلتْ حملةُ "مانيش مسامح" حتى الآن أكثرَ هذه الحركات تطويرًا لآليّات العمل الميدانيّ، وجرأةً في التصادم مع النظام، وتأثيرًا في المشهد السياسيّ، التقليديّ والشبابيّ/التجريبيّ معًا. وقد تحوّلتْ في ظرفٍ وجيزٍ إلى محطّ أنظار الكثيرين الذين رأوْا في قدرتها على التعبئة الشعبيّة، وفي سياستها الاتصاليّة الناجحة، أملًا جديدًا في تولّي الشباب قيادةَ المرحلة القادمة، على شاكلةِ ما حصل خلال الثورة.

وهذا جوهرُ التحدّي المطروح أمام الحملة اليوم. فلئن أعلنتْ منذ البداية تبنّيَها لشعارات المسار الثوريّ (شغل، حريّة، كرامة وطنيّة، عدالة اجتماعيّة)، وانحيازَها إلى كلّ القضايا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة، فإنّ الجزء الأكبر من نشاطها ظلّ مقتصرًا على مشروع "قانون المصالحة."

لا جدال في أنّ هذا القانون خرج عن إطاره التشريعيّ الضيّق لتصبحَ معركةُ التصدّي له معركةً رمزيّةً بامتياز؛ ففي المصادقة عليه في البرلمان نجاحٌ للنظام في إعادة آخر بيادقه إلى الواجهة، مقابل انتكاسة المسار الثوريّ؛ وفي الضغط الشعبيّ حتى سحبه من البرلمان دليلٌ على تواصل قدرة القوى المنتسبة إلى الثورة على الفعل والتغيير. وفي فترات الردّة، والإحباط المعمَّم، وغيابِ أطر التغيير الجذريّ، يصبح الرمزُ وقودَ تواصل الأمل وثبات العزيمة. لكنْ، على أهميّة كسب المعركة القانونيّة والرمزيّة، يجب على الشباب الواعد أن يفكّر في أفق تفكيك الدولة الغنائميّة، وبناءِ دولة الحريّة والعدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وأن يعي جيّدًا أنّه جزء من حراكٍ أوسع يعمّ أنحاءَ العالم في رحلة بحث عن أشكال جديدة للنضال؛ أشكالٍ أكثر أفقيّةً ومرونةً، لكنْ أشدّ التزامًا ومحايثةً واقتناعًا بتعدّد المداخل وبتعقيدات النظام الذي نحاول خلقَ بديلٍ له.

تونس

 

 1- العدالة الانتقاليّة، بحسب هذا القانون، هي مسار متكامل من الآليّات والوسائل المعتمدة لفهم ماضي انتهاكات حقوق الإنسان ومعالجتها. ويكون ذلك بكشف حقيقتها، ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم، وجبر ضرر الضحايا، وردّ الاعتبار إليهم، بما يحقّق المصالحةَ الوطنيّة، ويحفظ الذاكرةَ الجماعيّة ويوثّقها، ويُرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطيّ يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان. http://tbinternet.ohchr.org/Treaties/CED/Shared%20Documents/TUN/INT_CED_...

2- https://majles.marsad.tn/2014/lois/55d348e612bdaa20aa5b44f6/texte?version=1

3- عن الصفحة الرسمية لحملة مانيش  مسامحhttps://www.facebook.com/manichmsame7/photos/a.1488333594806000.1073741836.1467781516861208/1488336294805730/?type=3&theater

 

4-  G. Deleuze et F. Guattari F, Rhizome, Introduction, Edit. de minuit, Paris, 1976.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب