Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

حوار مع آني كنفاني في الآداب، العدد 7/8، 1992 (ملفّ)

حوار
المحاور: 

 

في ذكرى استشهاد غسان كنفاني الخامسة والأربعين (8 تمّوز/يوليو 1972) أحببتُ أن أشرك قرّاءَ الآداب في هذا الحوار الذي أجريتُه مع آني كنفاني، زوجة غسّان، عشيّة الذكرى العشرين لاستشهاد غسان (تموز 1992). هنا نص الحوار، أعيد نشره تحيةً إلى غسّان، وتحيّةً إلى آني، التي تواصل ــــ بتفانٍ عزّ نظيرُه ــــ حمْلَ إرثِ غسان وإبقاءَه حيًّا في نفوس أطفال المخيّمات الفلسطينية بشكل خاصّ.

***

س: لا يعرف العربُ الكثير عنكِ يا آني. لقد تحدّثتِ في كتاب صغير عن التحاق أبيك بحركة المقاومة الدنماركيّة في مواجهة النازيّة التي احتلّت الدنمارك. هل بإمكانك أن تحدّثينا عن خلفيّتك العائلية، وتوجّهاتك السياسيّة، ونشاطاتك الطلابيّة؟

آني: كان جدّي من أوائل الثوريين، ومن أوائل الديموقراطيين الاشتراكيين في الدنمارك. وكان أبي نجّارًا، التحق بدايةَ حياته بالحزب الشيوعيّ الدنماركيّ، وعمل طويلًا في خدمة الفقراء وفي سبيل تطوير أوضاع العمّال في المجتمع والحزب ونقابات العمّال. وقاتل، مع رفاقه، ضدّ الاحتلال النازيّ الذي احتل الدنمارك.

أمّا عن وضعي الشخصيّ، فأنا لم أكن منخرطةً انخراطًا مباشرًا في العمل السياسيّ. لقد شاركتُ مثلًا في التظاهرات المطالبة بالحدّ من استشراء الأسلحة النوويّة، والمطالبة بالسلْم، وغير ذلك من النشاطات التي تكثّفتْ منذ منتصف الخمسينيّات. وقد كنتُ إبّان مرحلة "الحرب الباردة" تلميذةً، ثم صرتُ معلّمة. وكنتُ نشطةً في حقل العمل الاجتماعيّ الثقافيّ، كالفولكلور والموسيقى الشعبيّة، وسافرتُ بصحبة فريق متخصّص في هذا الحقل إلى عدّة بلدان في أوروبا. وذهبتُ في إحدى رحلاتي تلك إلى يوغوسلافيا حيث واجهتُ للمرة الأولى قضيةَ الشعب الفلسطينيّ.

وُلدتُ أثناء الحرب، ولا أزال أذكر بعضَ أحداثها. كان على عائلتي أن تغطّي النوافذَ أثناء الليل كي لا تنكشف البيوتُ زمنَ الاحتلال النازيّ. وتدفّق المهاجرون الألمان وغيرُ الألمان الى الدنمارك. وكانت ثمّة امرأةٌ مهاجرةٌ تعيش سرًّا معنا؛ لم نخبرْ أحدًا بأمرها. وكنّا نعيش في بيت صغير. وذات يوم اختفت هذه المرأة، وظننتُ أنها ارتحلتْ إلى السويد، شأنها شأن عدد من المهاجرين واللاجئين السياسيين الآخرين إبّان الغزو النازيّ. وكانت ثمّة إشارة سريّة/ إنذارٌ لأبي، عبارةٌ عن زهرةٍ معيّنة نضعها عند شبّاك بيتنا؛ وكانت هذه الإشارة تعني أنّ عليه ألّا يدخل البيت بل أن يواصل طريقَه على درّاجته، لأنّ ذلك يعني أنّ الألمان يراقبونه.

كان والداي من الناس الأصيلين الكرماء. خلال الثورة الأهليّة الإسبانيّة التي اندلعتْ بين عاميْ 1936 و1939، وهي الفترة التي صادفتْ كذلك اندلاعَ الإضراب الشهير في فلسطين، كانت أمّي وكثيراتٌ غيرها من النسوة الدنماركيّات تجمع الثيابَ أو تصلحها وترسلها الى القوى التقدميّة في إسبانيا.

س: لا شكّ في أنّ أفراد عائلتك وأباك الشيوعيّ بشكل خاصّ قد تعاطفوا مع اليهود الذين اضطهدهم الألمان النازيون، على نحوِ ما اضطهد هؤلاء الشيوعيين والتقدميين الآخرين كذلك.
آني: بالضبط.

س: هل أحسستِ في يوغوسلافيا، حين واجهتِ مأساة الشعب الفلسطينيّ للمرة الأولى في حياتك، بالصدمة؛ صدمةِ أن يكون جلّادو هذا الشعب هم أنفسُهم أولئك الذين جلدهم النازيون، وهم أنفسُهم أولئك الذين تعاطفتِ وتعاطف أبوك وأمُّكِ معهم سنين طويلة؟

آني: حين أُعلن عن إنشاء دولة "إسرائيل" عام 1948، كان أكثرُ الناس في بلدي فرِحين؛ "فقد أتيح أخيرًا لليهود المضطهَدين مكانٌ آمن." ولم يعرف أكثرُ الناس آنذاك، أو أنّهم لم يفكّروا، أنّ ثمة شعبًا آخرَ يحيا هناك، في فلسطين. وحين قال لي طالبان في دوبرفنيك في يوغوسلافيا أثناء حضوري مؤتمرًا للطلّاب إنّهما فلسطينيّان، قلتُ: "أوه، جيّد أنّني أعرف شيئًا عن الرقص الشعبي الإسرائيلي!" عندها، نظرا إليّ وطلبا إليّ الجلوسَ وأخبراني عن المأساة الفلسطينيّة، فتملّكني الغضبُ الشديد، لأنّه كان قد مضى حوالي ثلاثين عامًا على نشأة تلك المأساة من غير أن أعرفَ عنها شيئًا! وتساءلتُ: "إذا كان هذا شأني، أنا القادمة من عائلة تقدميّة، فماذا يكون شأن الآخرين؟"

س: هل طَرح مثلُ هذا التساؤل في ذهنك آنذاك تساؤلًا آخر عن طبيعة القوى اليساريّة التقدميّة في وطنك، وفي أوروبا بشكل عامّ؛ تلك القوى التي تحدثتْ على الدوام عن "التضامن الأمميّ ودعم الشعوب المقهورة"؟
آني: نعم. لكنْ لا تنسَ أنّنا نتحدّث عن مرحلة الستينيّات. كان الشيوعيون واليهود آنذاك مضطهَدين سواءً بسواء. وكان الكثيرُ من الشيوعيين يهودًا. غير أنّ الدنماركيين لم يكونوا يعلمون شيئًا عن الفلسطينيين: فقد كان الإسرائيليون مهيمنين على الصحافة آنذاك؛ بل إنّهم لا يزالون كذلك حتى اليوم؛ وها هو رئيسُ تحرير واحدةٍ من كبريات الجرائد الدنماركيّة مواطنٌ إسرائيليّ إلى جانب كونه مواطنًا دانماركيًّا. وحين عدتُ من يوغوسلافيا وأخبرتُ والدي بما سمعتُه من الفلسطينيين، دُهش واعترف بأنّه لم يكن يعلم شيئًا من ذلك القبيل. وحين طرحتُ هذا الموضوعَ أمام الطلّاب والأساتذة، لم يعلم إلّا أستاذٌ مهاجرٌ واحدٌ ما كنتُ أقوله، رغم أنّ بعضَ الطلّاب أبدوْا اهتمامًا بالموضوع. وتساءلتُ مرةً أخرى: "كيف استطاع العالمُ أن يتدبّر أمرَ دفن القضيّة الفلسطينيّة ثلاثين سنة بأكملها؟" لكنّ الحقّ هو أنّ الشعب الدنماركيّ لم يتجاهل القضية، وإنما عتّم عليه الإعلامُ تعتيمًا تامًّا.

س: ما كان انطباعُكِ الأوّل عن الفلسطينييْن اللذيْن قابلتِهما؟
آني: كانا منطقييْن. لم يخبراني عن مشروعهما السياسيّ؛ فقد كان لقائي بهما في أول الستينيّات، أيْ قبل أن يَختمر مشروعُ "دولة علمانيّة ديموقراطيّة في فلسطين التاريخيّة". لكنهما شرحا لي ما حدث لوطنهما. ثم ذهبتُ إلى سوريا ولبنان عام 1961، وتعرّفتُ بطريقةٍ أفضل إلى المشكلة الفلسطينيّة. وكتبتُ مقالة، بعد زواجي من غسّان بعامين، نشرتُها في الدنمارك، وصار أهلي أكثرَ تفهّمًا للقضيّة الفلسطينيّة. وحين ذهب غسّان إلى الدنمارك سنة 1964 كان الوضع قد تحسّن تحسّنًا ملحوظًا، وكان أبي قد كتب عدّة مقالات، وصار أخي جزءًا من الحركة المؤيِّدة للفلسطينيين. وتطوّر الوضع بعد هزيمة 1967. ويمكن القول إنّ جزءًا يسيرًا كان يُكتب في الصحافة الدنماركيّة عن فلسطين قبل ذلك الزمن.

س: هل طَرح الدنماركيون، والعرب هنا، السؤال: "لماذا تتخلّى طالبةٌ وأستاذةٌ دنماركيّة عن وطنها الأصليّ وتعتنق وطنًا آخر لا يوجد إلّا في الماضي وفي الأحلام والأماني؟"
آني: قد يكون لخلفيّتي العائليّة والطبقيّة (فقد كان أبي، على ما أسلفتُ، ثوريًّا وابنَ طبقة عاملة) دخلٌ في توجّهاتي السياسيّة الجديدة. بالطبع ثمّة قضايا في الدنمارك أهلٌ لأن يناضل المرءُ من أجل تحقيقها. ولكنّ القدَر، ربّما، هو الذي دفعني إلى المجيء إلى هنا. ولا شكّ في أنّ المشكلة الفلسطينيّة مختلفة نوعًا ما عن غيرها من المشكلات العالميّة؛ فليس ثمّة شعب طُرد بأكمله من أرضه وهُجّر إلى بلادٍ أخرى. لكنّ أبي ناضل ضدّ النازيين، والإسبان ناضلوا ضدّ فرانكو، وثمّة نضال من أجل إحقاق حقوق الأطفال في أن يكون لهم مأوًى وكساء وتعليم وغذاء في العالم أجمع.

س: أنتقلُ إلى غسّان كنفاني. التقيتِه يا آني في أيلول عام 1961 في بيروت، وكان آنذاك محرِّرًا في مجلّة "الحرية" الناطقة بلسان "حركة القوميين العرب." هل تذْكرين لنا بعض تفاصيل لقائكما الأول؟
(شعّت عينا آني لحظةً، ثم خمدتا، وعادتا الى الإشعاع، قبل أن تضيف):
آني: جئتُ من يوغوسلافيا إلى دمشق، وفي نيّتي أن أذهب بعد ذلك إلى بيروت ومصر. وكان لغسّان أصدقاء أعطوْني رسالةً لكي أحملها إليه في بيروت، فيُعينَني كذلك على الدخول إلى المخيّمات الفلسطينيّة. وحين أخبرتُ غسّان بمرادي غضب، وقال إنّني لا أوافق على أن تشاهدي مخيّمات اللاجئين قبل أن تعرفي أكثرَ عن المسألة كلها.

س: ماذا شعرتِ إذّاك؟
آني: كنتُ قبل جواب غسّان متحمِّسةً لرؤية المخيَّمات. لكنّني لم أحسّ بالإهانة بعد جوابه.
س: وبعد ذلك؟
آني: تزوّجنا في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1961. ووُلد "فايز" في العام التالي. وصار غسّان رئيسَ تحرير المحرِّر، وكان عمرُ فايز آنذاك عامًا ونصفَ العام. كان غسّان يعمل كثيرًا، بل كان يتابع عمليّات طبع الجريدة نفسها. وتحوّلت المحرِّر إلى ثاني أكبر جريدة لبنانيّة حين كان غسّان يرأس تحريرها. وكتب غسّان في مجلّة الحوادث أيضا، وفي الأنوار تحت اسمٍ مستعار هو: فارس فارس.

س: هل قال لك لماذا كان يستخدم اسمًا مستعارًا؟

آني: الحقيقة أنّ مجمل ما كتبه بهذا الاسم عبارةٌ عن مراجعات كتب، ونقد اجتماعيّ. ربّما كان ذلك طريقَه إلى الكتابة بأسلوبٍ غيرِ الذي استخدمه في رواياته وقصصه ومقالاته السياسيّة. ولم يكن تغييرُ اسمه لأيّة دواعٍ سياسيّة.

س: وكيف عشتما بعد ذلك؟
آني: سكنّا في شقّة في شارع الحمراء ببيروت. وفي بداية العام 1962 حصلتْ محاولةُ انقلاب في لبنان. ولم تكن لديه أوراقٌ رسميّة، فلازم البيتَ، وكتب رجال في الشمس.
س: قبل أن نتحدث عن هذه الرواية، هل باستطاعتك أن تذكري لنا كيف عرض عليك الزواج؟
آني: بالطبع!
س: نستطيع أن نلغي هذا السؤال إن شئتِ!
آني: لا، لا أمانع! لقد دعاني إلى العشاء بعد أسبوعين على لقائنا، وكان ذلك في مقهى الغلاييني. جلس. وقال: "قبل أن نغادر هذا المقهى، عليكِ أن تجيبي عن سؤالي: هل تتزوجينني؟" ثم أردف قائلًا: "لكنني فقير، لا مال لديّ، لا هويّة. ثم إنني أعمل في السياسة، لا أمانَ لي. وأنا مصاب بالسكّري."
س: هل كنتِ تضحكين؟
(ضحكتْ آني وأشعّت من جديد وقالت):
آني: كنتُ أستمع إلى كلّ تلك النقاط السود، ثم قلتُ له: "عليّ أن أفكّر في عرضك." وكنّا نصعد الدرجَ المفضي إلى فناء المقهى. لكنّني قبل أن أصل إلى الدرجة العليا قلتُ: "نعم سأتزوّجك!" وأذكرُ أننا ذهبنا إلى مقهى الدولتشي فيتا، وشاهدنا بعض الأصدقاء القدامى وأخبرناهم بقرارنا. وتحمّس وضّاح فارس، ولا سيّما حين علم بأننا سوف نقيم احتفالًا بالمناسبة! (ضحك).

س: هل حاول أصدقاءُ غسان الفلسطينيون ثنيَه عن الزواج بأجنبيّة؟

آني: منذ الأيّام الأولى لوصولي إلى بيروت، التقيتُ أصدقاءَ غسان من النادي الثقافي العربي. ولم يثنه أحد على الإطلاق. هذا حسب علمي على الأقلّ.
س: وهل التقيتِه بشكل مكثّف على امتداد الأسبوعين اللذيْن سبقا زواجَكما؟
آني: نعم. كنا نلتقي يوميًّا. وذات يوم قالت لي زوجةُ أخي إنّ أكثر صديقاتي قد تزوّجن. وكنت يومها في الخامسة والعشرين من عمري.
س: وهل ثناكِ أحدٌ من عائلتك عن الزواج بأجنبي؟
آني: لم يتحْ لأحدٍ الوقتُ لمثل هذا الثني! غير أنّ أمي كانت شديدةَ الحزن في البداية. وبعثتُ لأهلي بدعوات لحضور عرسي. لكنّ صدمتهم كانت أعظمَ من أن يتماسكوا! غير أن أخويّ الأكبريْن قالا لوالديّ "لا تقلقا. آني فتاة ناضجة وتعرف ما تصنع!" لكني علمتُ في ما بعد أنّ زواجي كان صدمةً لأمّي. كانت فكرةُ جيلهم عن "العربيّ" تتلخص في أنّه يتزوج من أربع نساء، إلى ما هنالك من خرافات.

(هنا ألحّت آني على العودة بذاكرتها إلى ما قبل زواجها بغسان وأكملتْ):

أذكر الآن أنّه عند قدومي من يوغوسلافيا إلى دمشق قبل الزواج، رحتُ أفتّش عن مركز "الاتحاد العامّ لطلبة فلسطين". وما إنْ نزلتُ من السيّارة حتى نظرتُ حولي، فلم أعثر على شيء حيّ. وفجأةً وجدتُ سيّارةً ذاتَ لوحة دانماركيّة، فعزمتُ على المكوث قربها إلى حين وصول صاحبها. وإذا بصاحبها طبيبٌ دنماركيّ يعمل في "الفاو." أخبرتُه بحالي، فعرض عليّ نقلي في سيّارته إلى حيث ينزل في أحد الفنادق، على أن نتناول طعامَ الغداء معًا، ثم يريني بعضَ شوارع دمشق. كان إنسانًا طيّبًا. ثم قال لي: "غدًا، عليكِ أن تذهبي إلى سفارة الدانمرك ثم تعودي أدراجَكِ إلى الدانمرك." لكنّني أقمتُ عدّة أيّام في منزل في دمشق للطلّاب العرب، قبل أن أذهب إلى بيروت وأتزوّج غسّان. وبعد مدّة، كتبتُ إلى ذلك الدنماركيّ، وقلت له إنّي لم أعد إلى الدنمارك وإنّني سوف أتزوج ههنا في بيروت.
لقد عاملني أصدقاء غسّان وعائلته (عمّته، أخته...) بحميميّة. وكنّا نعيش، أنا وغسّان، في بناية حيث "صيدليّة المدينة" في الحمراء.

س: ما كان موقف غسّان من المراسلين الأجانب والمراسلات الأجنبيّات؟
آني: كان غسّان يقابل العشرات من هؤلاء، ولا سيّما حين أصبح الناطقَ الرسميّ باسم الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. وكان يتوقّع أن يكون بعضُهم ساذجًا، أو راغبًا في التعاطف الزائف مع الشعب الفلسطينيّ، أو جاسوسًا. لكنّ غسان امتلك قدرةً فائقةً على الإقناع، وتحوّل مكتبُ مجلّة الهدف إلى خليّة نحلٍ للمراسلين. ولم يكن له أعداءٌ حتى بين المراسلين الذين كانوا يعادون القضيّة الفلسطينيّة. وإني لا أشكّ لحظةً في أنّ سببًا أساسيًّا من أسباب اغتيال الصهاينة لغسّان هو قدرته على إقناع المراسلين والعالم أجمع بعدالة القضيّة الفلسطينيّة.

س: لنعد إلى "رجال في الشمس." كتبها غسّان خلال شهرين من الاختفاء عن أعين السلطات اللبنانيّة.

آني: بل أذكر أنّ الشرطة جاءت لتفتيش البناية. فزعم ناطورُ البناية أنّ ساكنَ شقّتنا امرأةٌ أجنبيّة. وقد كان ذلك هو السببَ الأوحد في عدم تفتيش شقّتنا، وربّما السبب الأوحد في عدم إلقاء القبض على غسان.
س: إذن، لقد أنقذته!
آني: الحقيقة أنّ الناطور هو الذي أنقذه.
س: ماذا بعد عن ظروف كتابة الرواية؟
آني: كان غسّان يدخّن كثيرًا. وفجأةً قرّر أثناء كتابة رجال في الشمس أن يتوقّف عن التدخين، ورمى بعلبة الدخان، وقال "خلص!" ثم قرأ لي الرواية مترجمةً، وأهداها إليّ.
س: هل كنتِ تعترضين على بعض ما يكتب؟
آني: كنتُ أحبّ جميعَ ما كتبه. وأعشق رجال في الشمس، وأرض البرتقال الحزين، وعالمٌ ليس لنا، وأعتقد أنّ كتابته تأخذ بالأنفاس. وقد كتبتْ لي صديقة دنماركيّة تقول إنّها لم تفهم القضيّة الفلسطينيّة ولم تقدّرْها قبل أن تقرأ رجال في الشمس.

س: ما كانت علاقة غسان بخالد الحاج؟
آني: خالد الحاج كان من أوائل الشهداء الفلسطينيين. خالد، وأحدُ إخوة أبي ماهر اليماني، كانا من أوائل الشهداء على طريق تحرير فلسطين. وكان خالد من أصدقاء غسّان المقرّبين، ولهذا أهداه ما تبقّى لكم.

س: كيف كان وقع هزيمة 67 على غسان؟
آني: أيقظتُه صباحَ الخامس من حزيران وأخبرتُه بأنّ الحرب قد بدأتْ. كان شديد الحماسة أوّل الأمر. ووصف حماسة العرب آنذاك في أمّ سعد، فذكر أنّ أم سعد قذفتْ بالراديو بعيدًا لكثرةِ ما أورد من أكاذيبَ عن انتصارات العرب. وحين علم غسان بالهزيمة، أصيب بالخيبة الشديدة ولا سيّما بعد أن تحدّثت الإذاعاتُ عن الانتصارات المزعومة. لكنّني ما زلت أعتقد أنّ غسان احتفظ بإعجابه بجمال عبد الناصر رغم الهزيمة.

س: كيف كان وضع غسان الصحيّ آنذاك؟

آني: كان غسّان يعاني، بالإضافة إلى داء السكّري، داءَ المفاصل؛ وهو داءٌ يلمّ بالإنسان عادةً من التخمة وكثرةِ الجلوس، ويسمّى هذا الداء "داء الملوك." وذات يوم ذهب إلى الطبيب وقال له: "شوف يا حكيم. الله حطّني في الملفّ الغلط. أعطاني السكّري، وهذا مرض يأتي في كثير من الأحيان لمن يأكل كثيرًا. وأعطاني داءَ المفاصل، مع أنّني فقير معدم وكثير الحركة!" والمعلوم أنّ غسان كان يكتب كل يوم، وقد ألّف حوالى 19 كتابًا خلال سنوات قليلة، وكان صحافيًّا مداومًا.

س: غادر غسان جريدة الأنوار عام 1969، وأسس مجلة الهدف. هل تذكرين شيئًا عن ملابسات مرحلة الانتقال تلك؟
آني: أراد غسان الاستقالة من الأنوار ومن ملحقـ ـها. قال لي سعيد فريْحة إنّه عرض عليه زيادةً في مرتّبه وقال له "لا أريدك أن تذهب." لكنّ غسان رفض، على الرغم من كون مرتّبه الجديد في الهدف هزيلًا؛ فقد كان لغسّان على الدوام هدفٌ حتى قبل تأسيس الهدف. ومع الهدف كان مقتنعًا بأنه سوف يصل إلى الجماهير وإلى المخيّمات الفلسطينيّة بشكل مباشر.

س: حادثة ذكرها لك أثناء عمله في الهدف؟
آني: ثمّة مراسل من مراسلي الهدف كتب ذاتَ يوم مقالةً تهاجم عاهلَ المملكة العربيّة السعوديّة. ولم يكن غسّان في بيروت آنذاك، لكنّه أعلن أنّه يتحمّل مسؤوليّة كلّ ما يُكتب في المجلة. فأُخذ إلى بعبدا، لكنّه لازم مستشفى السجن طوال الوقت. وكان في تلك المرحلة شغوفًا برسم الجياد وتلوينها، فيعرضها أمام ممرّضيه ويهديهم إيّاها. وكانت هناك ممرّضة شديدة العناية والإعجاب بغسّان، وتأتيه بكلِّ ما يرغب فيه، بل إنّها ظلّت تأتي مع أولادها إلى بيتنا بعد استشهاده أيّام رمضان وأعياد الميلاد، وتجلب لولديْنا الهدايا. كانت تعرف أدبَ غسّان قبل أن يُسجن، بالطبع. لكنّ بقيّة الأطباء، بمن فيهم أولئك الذين لم يعرفوه قبلًا، أعجبوا به كثيرًا. كان لغسّان حسُّ نكتةٍ قويّ، وكان مستقيمًا، ولم يكن له أعداء شخصيون.

س: علاقته بطفليْه؟
آني: علاقة ممتازة. وينطبق هذا القول على علاقته بأطفال الجيران وأطفال أصدقائه. وكان يأخذ أطفاله وأطفالَ الجيران إلى سينما الحمراء أيّام الأحد بعد الظهر ليشاهدوا الصور المتحركة.

س: هل كانت لغسّان نظرةٌ رجعيّة إلى المرأة، أو إلى المرأة الغربيّة تحديدًا، أسوةً بالكثير من مثقّفينا، بمن فيهم أولئك الذين يسافرون إلى الغرب ويقيمون علاقاتٍ مع النساء الغربيّات؟ وما درجة تقدميّة غسّان كنفاني حين يتعلّق الأمر بالقضايا الشخصيّة الاجتماعيّة اليوميّة؟

آني: كان يشجّع النساءَ في الجبهة الشعبيّة، كليلى خالد، على مواصلة النضال والقتال. وكانت كتبُه كـ أرض البرتقال الحزين ومن قتل ليلى الحايك مليئةً بالنساء ذوات الشخصيّات القويّة والإرادة الصلبة. وذات يوم، سألتْه إحدى المراسلات السويديّات في لقاء في الجامعة الأميركيّة في بيروت عن موقفه من الرجل العربيّ الذي يتزوّج أربعَ نساء وما ملكتْ أيمانُه، وتحدّثا عن قمع المرأة في البلاد العربيّة، فأجاب: "هنا يتزوّج الرجالُ نساءً كثيرات بطريقة شرعيّة. وأما في الغرب فللكثير من الرجال عدّةُ نساء من غير أن يتزوّجهنّ، فما الفرق؟" هذا لا يعني أنّ غسّان كان يؤيد تعدد الزوجات؛ على العكس تمامًا. غير أنّه كان يؤمن بأنْ لا تحرّر حقيقيًّا للمرأة من غير تحرّرها الاقتصاديّ. وكان يعتقد أنّ تحرّر المرأة يتمّ جنبًا إلى جنب مع تحرّر الرجل والمجتمع، أيْ في سياق التحرّر المجتمعيّ العامّ. وكان بالطبع يطرح الكثيرَ من الأسئلة بصدد الحركة النسائيّة في الغرب؛ بل إنّ النساء في الغرب، على نحو ما تبيّن الجريدة الدنماركيّة التي تجدها أمامك على الطاولة، يطرحن اليوم مثلَ هذه الأسئلة بصدد حركتهنّ عام 1968. وكان يقول لي: "لكِ حريّتُكِ شرط ألّا تؤذي مشاعري، ولي حريّتي شرط ألّا أؤذي مشاعرك. الحريّة مسؤوليّة." وهذا هو موقفي أيضًا.

س: آني، ماذا عن ولديك؟ كيف يريان غسان كنفاني اليوم؟ وما درجةُ تأثيره فيهما؟
آني: كتبتْ لي ليلى (ابنتُنا) من الدنمارك رسالة جميلة (وبالمناسبة أتنبّأ بأنها سوف تكون قصّاصةً جيّدة) تقول إنّها لا تنتمي الى الدنمارك، وإنما إلى لبنان وفلسطين. وقالت إنّه على رغم المزايا التي توفّرها الدولةُ للمواطن في الدنمارك فإنّ شيئًا لن ينسيَها أنّها فلسطينيّة. صحيح أنّ لغتها العربيّة، كما لاحظ أحدُ الأساتذة، ليست في جودة لغة أبيها الكاتب ــــ ومردُّ ذلك، بلا شكّ، إلى حال الاقتلاع القوميّ الذي خضعتْ له (من بيروت إلى الدنمارك...) ــــ لكنّ ليلى وأخاها فايز شديدا التأثّر بغسّان وبأفكاره، مع أنّه مات حين كانا صغيرين جدًّا.
أما فايز فلغته العربية جيّدة جدًّا. وقد ترجم كتابًا لغسان إلى الدنماركيّة. والاثنان يعبّران عن أفكارهما عبر رسائل أخرى غير الكتابة. فليلى رسّامة جيّدة، وقد رسمتْ أثناء حرب الخليج (1991) لوحةً كبيرةً تُصوِّر مشاعرها عندما انهار ملجأُ العامريّة في بغداد فوق رؤوس اللاجئين بفعل القصف الأميركيّ. وفايز يتعاطى الإخراجَ السينمائيّ، ويطمح في أن يُخرج في المستقبل فيلمًا مستمدًّا من إحدى قصص غسان.

س: ابنةٌ ترسم، وابنٌ يصوّر، وزوجةٌ تدير مؤسَّسةً تعليميّةً للاجئين. غسان لم يمت!

آني: لا تنسَ أنّه يحيا أيضًا من خلال كتبه هو بالذات. أذكر أنني تلقّيتُ رسالةً من امرأة دنماركيّة لا أعرفها على الإطلاق. ذهبتْ الى معرض للكتب في فلسطين وراحت تقلّب كتابًا لغسان. وإذ بفتاة فلسطينيّة في حوالي العشرين تقف إلى جانبها، وتشير إلى صورة غسان، وتقول: "اسمعي! هذا بطلُنا!" (تغصّ آني إذ تنطق عبارة: Our hero وتتابع):
في فلسطين المحتلّة، تُقرأ كتبه. ليس المهمّ أن يعيش المرءُ طويلًا، وإنّما المهمّ ما يفعله أثناء حياته. إنّ ما فعله غسّان خلال أعوامه الستة والثلاثين عظيمُ الأثر. وكان يعلم أنّه لن يعود إلى فلسطين أثناء حياته، لكنّه كان واثقًا بأنّ أولاده سوف يعودون. وكان يدرك أنّ الصراع طويل وأنّه في حاجة إلى الكثير من الدماء؛ ذلك ما قاله عقب مجازر أيلول الأسود تحديدًا. وحين سأله أحدُهم: "الجبهة الشعبيّة تقول إنّ الأعداء هم إسرائيل والصهيونيّة العالميّة والإمبرياليّة الأميركيّة والرجعيّون العرب، فكيف ستقاتلون وتنتصرون؟" أجابه غسان: "لم نخترْ أعداءنا، لكنّهم حين يقاتلوننا نقاتلهم!"

اتّصل بنا من نحن دار الآداب