Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

حَجَرا النرْد

قصة قصيرة

 

 

يرمي العم أحمد حجرَي النرد بعصبيّة أملًا في الحصول على"بيش، دورت"(1)ـــ فرصتِه الوحيدة للنجاة من الخسارة المُحقّقة ــــ إلّا أنّهما يستقرّان على "سي، دو."(2) يبتسم الأستاذ منير، ويرمي النرد هو الآخر ليحصل على ما يُنهي اللعبة، فينفجرُ العمّ أحمد قائلًا: "حظّ الشراميط،" ثمّ يغلق طاولة الزهر بعنف. يضحك الأستاذ منير، فيرتجّ كرشُه المندلق أمامه. يحصل جدلٌ طويلٌ ينتهي كالعادة بالتحدّي والوعيد.

في اليوم التالي، يتكرّرُ المشهد. ونادرًا ما يربح العمّ أحمد. أمّا إذا ربحَ، فإنّه يبقى مبتسمًا، ويمازحُ كلّ مَن يلتقيه. وقد يمتنع عن اللعب ليومين، مُستمتعًا بفوزه، قبل أن يعود إلى النرد، وما يحمله من مفاجآت.

***

أعرف العم أحمد مذ كنتُ طفلًا. وهاهو كأنّ الزمنَ لمْ يَمُرّ به: الثياب ذاتها؛ تسريحة الشعر ذاتها؛ الشنب ذاته؛ قامته المشدودة ذاتها؛ والأهمّ، كلماته النابية ذاتها. الشيء الوحيد الذي تغيّر هو يوميّاته؛ حيث بات يلتزم منزلَه منذ أُحيلَ على التقاعد. فتراه جالسًا على الشرفة، يتأمّل المارّة، ويتمتم بكلماتٍ مبهمة، هازًّا رأسه يمينًا شمالًا، كأنّه يتأسّفُ على شيءٍ ما.

دعاني ذات مساءٍ إلى زيارته، وقدّم لي القهوة بالعسل. لم أستسِغها، وعجبتُ من هذا المشروب الكريه، فوصف ذوقي بـ"الشعبويّ،" وكان يقصد "الشعبيّ." عندما شرحتُ له الفرقَ بينهما، ضحك وقال: "مازلتَ شَعبويًّا." وأضاف همسًا: "احمدْ ربّك أنّني لم أقُلْ شيوعيًّا." فأجبتُه: "لله الحمد."

حدّثَني عن النصّابين، وأصحاب العاهات، ومدمني المخدِّرات، والقَتَلة، والمثليّين والمثليّات، وعن مغامرات المسؤولين وسرقاتهم ونهبهم للقطّاع العامّ. وسمعتُ من الكلماتِ البذيئةِ والشتائمِ ما لم أسمعْه طوال حياتي. كانت الأعضاء الجنسيّة (الذكريّة والأنثويّة، بما فيها الحيوانيّة) تفرقع فوق لسانه، وتخرج من فمه ببساطةٍ وعفويّةٍ كالبوشار. تعرّفتُ بفضله إلى المواخير(3) السرّيّة في مدينتنا، وإلى أشهر العاهرات أمثال: شوهاز، وأمّ الليرة، وميماسة، وشوكو، وأخيرًا سمارة التي كانت تُصنّف "درجة أولى،" على خلاف الأُخريات اللواتي صُنّفن "درجة سياحيّة،" كما قال. وعندما سألتُه عن علاقته بهنّ، لم يُجبْني. وبدأ فجأةً يدندن: "وإيه يفيد الزمن مع اللي عاش فى الخيال."(4)

كان غناؤه نقلةً نوعيّةً في حديثنا. وشعرتُ أنّني أحلّق عاليًا، مبتعدًا عن الأرض وهمومها. سحرني شجنُ صوته، وروعةُ أدائه. وخرجتْ منّي "آهٍ" طويلةٌ رغمًا عنّي. وطلبتُ إليه أن يُسْمعني مقطعًا آخرَ، ففعلَ. وكان جمال صوته اكتشافًا حقيقيًّا بالنسبة إليّ.

***

مضى وقت طويل قبل أن أستوعب تناقضاتِ هذا الرجل، الذي كنّا نشاهد علامات الرّعب ترتسمُ على وجوه بناته متى نادى على إحداهنّ. وكذلك الأمر إذا نادى على زوجته، التي كانت تركض لتلبية طلباته من دون إبطاء. وأذكر أنّني كنتُ أسمع، في الكثير من الليالي، صراخًا وبكاءً أنثويّين آتييْن من منزلهم، وفي صبيحة اليوم التالي تتسرّبُ الأخبار: العمّ أحمد أوسعَ امرأته ضربًا!

لكنّ ظهور الأخيرة في دكّان الحي تشتري الخبزَ والخضارَ والحليب، كان يُوقِع الجيرانَ في حيرة: فهاهي الزوجة تبتسم لجاراتها، وتُلقي عليهنّ تحيّةَ الصباح، وهي في أحسن حال. إذًا، من الذي كان يبكي طوال الليل هناك؟ وأجابت أمّي مرّةً عن هذا السؤال فقالت: "إنها تُداري على عائلتها."

لا أحد يعلم ما هو عمل العمّ أحمد الذي يُغيّبه عن بيته أيّامًا. كان متكتّمًا في هذا الخصوص أشدَّ التكتّم. وكانت بزّتُه العسكريّة الكوريّة ــــ التي لا تشبه البزّات المتعارف عليها في ذلك الوقت ــــ تثير الريبة والتساؤلات.

لم يشغل بالي فيما مضى هذا الجار. لذا غاب عن ذاكرتي عندما سافرتُ، وأنا في عمرٍ صغيرٍ نسبيًّا، وتنقّلتُ من عملٍ إلى آخر في غير بلد. حتّى في إجازاتي القصيرة لم أكن لأتذكّره إنْ لم أرَهُ مصادفةً في الطريق. لكنّ كلّ ذلك تغيّر عندما عُدتُ بعد غياب طويل لأستقرّ في مدينتي وأنشئ عملي الخاصّ. وترافقَ ذلك مع إحالته على التقاعد، وبات وجودُه على شرفة بيته القريب مشهدًا يوميًّا يلفتُ الانتباه. تقول أمّي: "جارنا هذا غير جارنا الذي كان،" مشيرةً بذلك إلى التحوّل الذي طرأ على شخصيّته، إذ صار أكثر لطفًا.

لم يكن لديه الكثيرُ من الأصدقاء؛ بل لم يكن لديه أصدقاء بكلّ معنى الكلمة، سوى الأستاذ منير. ولطالما سمع الجيرانُ صوتيْهما يلعلعان ويختلطان بقرقعة أحجار طاولة الزهر، وصوتَ تدحرجات النرد مفجِّرًا ــــ باحتمالاته المختلفة ــــ انفعالاتِهما.

***

تعرّفتُ إلى الأستاذ منير في زيارةٍ أخرى إلى العمّ أحمد. وبدا على درجة كبيرة من الاطّلاع والثقافة. فأحببتُه، ونشأتْ بيننا مودّة. التقيتُه فيما بعد في المقهى، وتبيّن أنّ هناك الكثير ممّا يجمعُنا. واتّفقنا على لقاءات أُخرى. لكنّ القدر لم يسمح لنا بالذهاب أبعد من ذلك؛ إذ لم تمضِ عدّة أسابيع على تعارفنا، حتّى سمعتُ بخبر وفاته من العم أحمد، الذي بكاه بحرقة، وتلقّى العزاءَ مع أهله كأنّه واحدٌ منهم.

في ذلك المساء ــــ بعد عودتنا من المقبرة ــــ أصرّ على دعوتي إلى منزله. وفاجأني حين وجدتُه يفتح طاولة الزهر! لم يخطر في بالي أنّ دعوته كانت من أجل هذا الأمر. ولم ينفع اعتذاري، أو ادّعائي أنّني لا أجيد اللعب. ومضى يوزّع الأحجار ويرتّبها من دون الالتفات إلى ما أقول. كنتُ أراقبه وهو يفعل ذلك بيدين مرتعشتين، بينما أتساءل في ذهني:

هل الحياة لعبة؟ هل نحن وحيدون إلى هذه الدرجة؟ هل يتحكّم بمصائرنا حجرُ نرد؟ هل يمكننا استبدالُ الأشخاص في حياتنا بهذه السهولة؟ ثمّ، مَن هو الصديق؟ وكيف تكون الصداقة؟ كيف تنشأ؟ كيف تنتهي؟ ولماذا؟ ها أنا أحتلّ كرسيّ الأستاذ منير الذي كان يشغله قبل يومين فقط. ولكن انظرْ أين هو الآن!

لأوّل مرّةٍ في حياتي ألفيتُني أفكّر في مثل هذه الأمور، التي تبدو بديهيّة للوهلة الأولى. لم يَدعني أسترسل مع أفكاري، وانتبهتُ إليه يطلب مني البدءَ باللعب. جاءني صوتُه متهدّجًا. نظرتُ، فوجدتُه يبكي. وعندما حاولتُ مواساته قاطعني قائلًا: "تفضّل،" من دون أن ينظر إليّ.

لم يغضبْ كالعادة حين خانه الحظّ. لم يشتمْ. لم يرمِ النردَ بعصبيّة، ولم يحرّكْ أحجارَه بعنف. حتّى إنّه أغلق دفّتَي الطاولة بهدوء حين انتهينا من اللعب. ثمّ دخل البيت، ليعود حاملًا ليترًا من العرق، وكأسين زجاجيّتين، ولتلحقَ به زوجتُه بعد دقائق وتهتمّ "بباقي التفاصيل." كنتُ في حاجة إلى شيء من ذلك أنا أيضًا، فلم أمانع.

شربنا نخبَ المرحوم، وبكى العم أحمد من جديد. ثمّ رفع كأسه قائلًا بمودّة: "نخب صداقتنا!" لم أعرف قبل هذه اللحظة أنّنا صديقان. لكنّي رفعتُ كأسي وكرّرتُ خلفه: "نخب صداقتنا!" لم نتكلّم كثيرًا. وكان يقطع الصمت ليحدّثني عن شيء ما لا أهميّة له، أو ليسألني عن أمرٍ غالبًا لا أعرفه. لم أكن نديمًا يُعتدّ به، إلّا أنّ "صداقتنا" تعمّدتْ بالعرق والذكريات والغناء. ترنّمَ بصوته الشجيّ، وأمتعني حين غنّى: "سوف تلهو بنا الحياةُ وتسْخر ... فتعالَ أُحبُّكَ الآن أكثر."(5) ومرّ على بعض المواويل الشعبيّة الحزينة، فغصّ بالبكاء أكثر من مرّة. وكان يهرب إلى كأسه، ويجرع ما فيها دفعةً واحدةً، بينما كنتُ أكتفي برشفاتٍ صغيرةٍ وصفها ــــ حين انتبه إليها ــــ بـ"الخيانات." وبعد أن غلبه السكر وقف متمايلًا، ثمّ بدأ يكيل الشتائم لكلّ ما يخطر في البال: بدءًا من الخالق، مرورًا بالموت، وانتهاءً بالوطن والأرض والنساء. تكلّم عن حظّه العاثر، والندم، والعمر، والزمن، ووجع المفاصل، وعن قدراته الجنسيّة الخارقة للطبيعة. تكلّم عن الصداقة، وعن الحبّ. وشتمَ بأقذع الألفاظ حياتَه بكلّ مراحلها. شتم والدَه، وألحق به جدَّه. ثمّ فجأةً انهار على كرسيّه وبكى بقهر.

جلستُ قربه واحتضنتُه. وما إنْ وضع رأسَه على كتفي حتّى غفا، وبدأ يشخر بطريقة مضحكة. ولحسن الحظّ، حضرتْ زوجتُه في الوقت المناسب لتخرجني من هذا المأزق. فساعدتُها ووضعناه في السرير.

***

لم أطوّر علاقتي بالعمّ أحمد كما كان يودّ. وتركتُ الأمورَ تسير بشكل طبيعيّ بين جاريْن ودوديْن. وقد ساعدني فارقُ السنّ بيننا على رسم الحدود المطلوبة. واستوعبَ الأمرَ كما يجب: فلم يعد يلحُّ في دعوتي كلّما رآني مارًّا أمام بيته، ولم يعد يهاتفني بعد منتصف الليل؛ وكان قد فعل ذلك عدّة مرّات خلال الأشهر التي تلت سهرتنا تلك، بغاية دعوتي إلى "سَكرة"(6) عنده في البيت. وباستثناء زياراتنا القليلة إليه ــــ أنا وبعض أقاربه ــــ كان يقضي معظمَ وقته وحيدًا. ولا أنسى حين رأيتُه يومًا يلاعب نفسَه: يرمي النرد، ثمّ يحرّك أحجارَه، ليرمي النردَ مرّةً أخرى، ويحرّك أحجارَ خصمه المفترض، ثمّ يشتم أو يبتسم تبعًا لمشيئة الزهر.(7)كان مشهدًا حزينًا جعلني أشفق عليه. ولاحظتُ، فيما بعد، أنّه بدأ يكلّم نفسَه بصوت مسموع، ويمشي جيئةً وذهابًا على الشرفة طوال النهار. كذلك لم يَعُد أحد من الجيران يسمع صوتَ بكاءٍ آتٍ من بيته. وصار من المألوف رؤيتُه وزوجتَه يشربان قهوة الصباح على الشرفة برفقة بناته الثلاث. 

***

مضى عامان على هذه الحال قبل أن أستيقظَ صبيحةَ أحد الأيّام على صوتِ سيّارة إسعاف. وعندما خرجتُ لأستفسرَ عن الأمر، عرفتُ أنّ "صديقيّ" تعرّض لأزمةٍ قلبيّة، ونُقل إلى المشفى. لحقتُ به، لكنّني وصلتُ متأخّرًا. حزنتُ كثيرًا. وشعرتُ أنّني خسرتُ "صديقًا" بحقّ، والتزمتُ التزامًا تامًّا مع زوجته وبناته؛ فبقيتُ معهنّ في المشفى حتّى خروج النعش إلى المسجد، ومنه إلى المقبرة، حيثُ وقفتُ بين الجموع أشاهد بحزنٍ عمليّة التحضير للدفن. كنتُ أراقب ما يحصل، وأنقّل نظري بين الحفرة المستطيلة والتابوتِ الموضوعِ إلى جانبها، وأتذكّر جاري وولعَه بـطاولة الزهر. أتذكّر صوتَه الجميل، وأحاديثَه الغريبة، وشتائمَه الفريدة، والتغيّرات التي طرأتْ عليه منذ إحالته على التقاعد إلى يوم وفاة صديقه الأستاذ منير، وانتهاءً بالأيّام الأخيرة قبيل وفاته.

بينما كنت شاردًا، سمعتُ أحدهم يهمس باسمي من الخلف. التفتُّ لأجد رفيقًا لي لم أقابله منذ أيّام مرحلة الدراسةالثانويّة. صافحتُه بحرارة. ثمّ وقفنا جانبًا في انتظار لحظة الدفن. أثناء الحديث سألني: "هل تعرف لمن هذا القبر؟" وأشار إلى قبرٍ ملاصقٍ للحفرة التي يتمّ تجهيزُها. كان قبر الأستاذ منير. فقلت: "نعم. يبدو أنّهما سيكملان مشوارهما معًا." لكنّ ابتسامة سخرية ارتسمتْ على وجه صاحبي، جعلتني أدخل معه في حديث مقتضب، عرفتُ من خلاله ما لم أعرفه طوال حياتي عن العمّ أحمد:

عرفتُ سرَّ البزّة العسكريّة الغريبة التي كان يرتديها حتّى بعد تقاعده. وعرفتُ سرَّ غيابه الطويل عن بيته، وسرَّ الخوف في عيون بناته وزوجته. عرفتُ سرَّ الصراخ في آخر الليل، وصوتَ البكاء الأنثويّ الحزين. عرفتُ أنّ العم أحمد كان سجّانًا، وأنّ الأستاذ منير ومحدّثي كانا سجينيْن سياسييْن عنده، طيلة فترة اعتقالهما التي امتدّت لعشر سنوات.

في تلك الأثناء كان المرحوم يُوارى الثرى. فعدتُ وصاحبي لنشاركَ الناسَ باقي الطقوس، ولأقدّمَ العزاءَ لأهل الفقيد، قبل أن أغادر ذلك المكان، تاركًا خلفي جزءًا من تاريخ بلادي ممثّلًا في شخصين يرقدان جنبًا إلى جنب كحجرَي النرد، وصوت أمّ كلثوم يتردّد في ذهني:

"سوف تلهو بنا الحياة وتسخر ... فتعالَ أُحبّكَ الآن أكثر."

اللاذقيّة

(1) العددان خمسة وأربعة، باللغة التركيّة.

(2) العددان ثلاثة وإثنان، باللغة الفارسيّة. وتلفظ بالأصل "سه" إلّا أنّنا نلفظها "سي." وتُستخدم الأرقامُ الفارسيّة في قراءة أحجار النرد، كما درجت العادةُ في بلادنا.

(3) جمع ماخور. وهو بيت الدعارة.

(4) مقطع من أغنية "رقّ الحبيب" لأمّ كلثوم. كلمات: الشاعر أحمد رامي. لحن: الموسيقار محمد القصبجي.

(5) مقطع من أغنية "هذه ليلتي" لأمّ كلثوم. كلمات: الشاعر جورج جرداق. لحن: الموسيقار محمد عبد الوهّاب.

(6) جلسة لشرب الكحول والسهر والدردشة.

(7) اسم آخر للنرد.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب