Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

"خزائن": نحو وعيٍ أرشفيٍّ جديد

مقالات

 

 

عن الذاكرة

لطالما نوّه المؤرّخُ الفرنسيّ، فرنان بروديل، بأهمّيّة الذاكرة الاجتماعيّة في تشكيل التاريخ. فقد رأى أنّ التاريخ هو "العنصرُ الذي من دونه لا يمْكن أيَّ وعيٍ وطنيٍّ أن يتشكّل، و[أنّ] الوعي الوطنيّ هو العنصر الذي من دونه لا يمكن أيَّ ثقافةٍ طريفة، أو أيّ حضارةٍ حقيقيّة، أن تتشكّل."

من هنا تأتي أهمّيّةُ الأرشيفات، لا في وصفها مادّةً لحفظ التاريخ فحسب، بل مساحةً أيضًا لمتابعة التفاعلات اليوميّة، في واقعٍ يتشكّل باستمرار، ويلعب فيه الزمنُ وإعادةُ البناء دورَي البطولة: فيصير التاريخ شظايا مبعثرةً، لا يَحْكمها المنطقُ الخطّيّ بقدْر ما تَحكمها الرؤيةُ المتخيَّلة.

يقول جاك دريدا: "كلُّ أرشيف هو في الوقت ذاته مثقّفٌ ومحافظ، ثوريٌّ وتقليديّ." فقد يكون الأرشيف، أحيانًا، جبهةً ضدّ شعبٍ ما، حين يتعلّق الأمرُ بسياسة محدّدة في نشر الموادّ وتوقيتِ هذا النشر وصياغتها وشحنها بالدلالات المختلفة. وقد يكون، في أحيانٍ أخرى، مشروعًا ثوريًّا كالكثير من الأرشيفات الفلسطينيّة التي شُنّت عليها الحروب: بدءًا من الأرشيفات الفلسطينيّة قبل النكبة، كأرشيفات المصوّرين الفلسطينيين وأرشيفات المحامين؛ وصولًا إلى أرشيف "بيت الشرق" (2003) الذي ما يزال مُصادرًا حتّى اليوم.

في زمن الصراع المصيريّ تصير الحاجةُ إلى الأرشيف ملحّةً، فيها من الخوف على الإرث العربيّ أكثرُ ممّا فيها من "الرفاهية" المعرفيّة أو "الترف" الحضاريّ الذي تمرّ فيه الدولُ المتقدّمة. فأمام صراعات إقليميّة ومناطقيّة، وفي ظلّ التغيير في المفاهيم وفي الوعي المُشكِّل لهذا التغيير؛ ومع بروز قوًى وانهيار أخرى، وظهور قطاعاتٍ اجتماعيّة وثقافيّة وخروج قطاعات أخرى؛... تعلو من جديدٍ أهمّيّةُ حفظ الذاكرة الاجتماعيّة للوجود العربيّ.

تستوجب حالةُ التشكّل الوليدة هذه متابعةً مستمرّة؛ فالتاريخ يصعب فهمُه في هذه الحالة لكونه سيرورةً لم تكتمل بعدُ، ولم تستوفِ التجربةُ كاملَ ارتداداتها. وتبقى الموادُّ الورقيّة والصور والتسجيلات هي مادّتَنا الوحيدة لضبط اللحظة التاريخيّة وتجميدها، من أجل فهمها لاحقًا وإعادة قراءتها، وللحفاظ على ذاكرة الناس.

قد يكون الفلسطينيون من الشعوب العربيّة الأولى التي اضطُرّت إلى حفظ ذاكرتها مبكّرًا سعيًا إلى إنتاج سرديّةٍ فلسطينيّةٍ في مواجهة خطاب عدوّهم. ومن هنا، شنّت المؤسّسةُ الإسرائيليّة، دومًا، حروبَها على الأرشيفات الفلسطينيّة كي تُنقل إلى الأرشيفات الإسرائيليّة.

انطلاقة "خزائن"

انطلقتْ مبادرة "خزائن" في القدس في 1/10/2016. واخترنا هذا الاسم لسببين: أوّلًا، لأنّه الاسم الذي كان يُطلق على المكتبات في الحضارة العربيّة ــــ الإسلاميّة. وثانيًا، لأنّ فلسفة الأرشيف تقوم على إفراد مساحةٍ لكلِّ مَن يساهم فيه، بحيث تُفتح "خزانةٌ" خاصّةٌ باسم كلّ مَن يساهم في موضوعٍ ما وفي أرشيفه.

الهدف من هذه المبادرة هو أن تكون قاعدةً لبناء أرشيف واسع يوثِّق نشاطَ الإنسان في العالم العربيّ عامّةً، ونشاط الفلسطينيّ بخاصة؛ بالإضافة إلى تعزيز الوعي العامّ بضرورة حفظ الإنتاج العربيّ من التلف.

ارتأت "خزائن" أن تكون عيّنةُ الجمع هي موادُّ الأفيمرا (Ephemera)، أي الموادُّ الورقيّة القصيرة المدى (ملصقات، مناشير، بيانات، دعوات،..)، لكونها خامةً ضروريّةً لفهم التغييرات الاجتماعيّة في تشكيلاتها الأولى.

ثمّة فارق كبير بين الأرشيفات التقليديّة التي تُعنى بجمع الكتب والمجلّات والصحف، وبين موادّ الأفيمرا. فالأولى موادّ يَسْهل الوصولُ إليها، ومعرفةُ القائمين عليها، وحفظُها. أمّا الثانية فموادّ "مهملة" في نظر الكثيرين ــــ على أهمّيّتها ــــ ويَصْعب التنبّؤُ بمكان صدورها؛ كما أنّها تغطّي حقولًا ومساحاتٍ هائلة (قرًى، مدن، مؤسّسات،...). قد تكون هناك بعض الأرشيفات التي تُعنى بهذه الموادّ العينيّة الصغيرة المبعثرة، لكنّ معظم مبادرات الجمع انقسمتْ بين مبادراتٍ غير ممنهجة، أو مبادرات ممنهجة فعلًا لكنّها محصورةٌ في دولة عربيّة واحدة أو حيّزٍ اجتماعيّ واحد. كلّ ذلك في الوقت الذي تضيع فيه آلافُ المنشورات يوميًّا ـــ ـــ وهي ضروريّة للأجيال القادمة، ولباحثي المستقبل، من أجل دراسة التفاعلات الاجتماعيّة في بلادنا وفهمها.

خلال أشهر الانطلاقة القصيرة، التي لم تتجاوز العام، استطاعت "خزائن" جمعَ أكثر من أربعين ألف ملفّ، من أربع عشرة دولةً عربيّة؛ وجرى مسحٌ ضوئيٌّ لأكثر من عشرة آلاف مادّة؛ إضافةً إلى حفظها في مخازنَ خاصّةٍ تلائم المعاييرَ المهنيّة لحفظ الموادّ. كما ضمّت الموادّ التي جمعتها أرشيفاتٍ غايةً في الأهمّيّة، توثِّق النشاطات الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة فيها.

بموازاة ذلك، عقد القائمون على المبادرة ثلاثةَ لقاءات تدريبيّة للمهتمّين بعالم الأرشفة، فضلًا عن العديد من الندوات والمحاضرات في مدن وبلدات فلسطينيّة عدّة، في محاولة للتنبيه إلى ضرورة الأرشفة، ولبناء قاعدة واسعة من المهتمّين في الحقل.

نحو وعي جديد

تحوي صفحة خزائن اليوم، على الفايسبوك، ما يقارب عشرةَ آلاف متابع. وعلى صفحتها نقاشٌ هادئ وواعٍ عن ضرورة إعادة تجميع مركّبات الصورة كافّةً لفهمِ حقيقةِ ما جرى. وتنشر "خزائن" قراءاتٍ نقديّةً تاريخيّة لمفكّرين وصحفيين فلسطينيين، وصورًا لمصوِّرين فلسطينيين نُهبتْ أعمالُهم ووُضعتْ في الأرشيفات الإسرائيليّة، وملفّاتٍ من المنشورات والصحف الفلسطينيّة الموجودة في الأرشيفات الإسرائيليّة. وتقدّم "خزائن" خدمةَ استخراج الموادّ المتاحة منها لمن يحتاج إليها.

يسعى القائمون على "خزائن" إلى أن تكون الموادّ المجموعة متاحةً للقرّاء خلال السنة القادمة، وذلك عبر إنشاء موقع إلكترونيّ مفتوح للجميع؛ إضافةً إلى تقديم استشارة بحثيّة وعلميّة في كلّ ما يخصّ قضايا الأرشفة.

"خزائن" تجربة لا تزال في بدايتها. وهي لا تملك أيَّ تمويل. ولا تتلقّى رعايةً من أحد. تعمل عبر فريق مكوّن من عشرات المتطوّعين في العالم، يجمعهم الإيمانُ بالفكرة وبضرورة استمرار المشروع. وعلى الرغم من حداثتها، فإنّها تبشّر بنهضةٍ ما. هكذا يؤمن القائمون عليها أنّ الوعي هو المدخل، وهو ركيزة أيّ بناء في المستقبل.

القدس

اتّصل بنا من نحن دار الآداب