Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

ذعرٌ في باريس: إنسانيّة داعش!

مقالات

 

تنقل الروايات أنّ الفاطميّين نكّلوا بالمتمرّد، علّاقة، بعد سحق تمرّده. فـ"قاموا بسلخ جلده وهو حيّ، وحشوْه بالقشّ والتبن، ومن ثمّ صلبوه حتّى الموت على أسوار المدينة." كنتُ أتخيّل المشهدَ في صغري، ولا أفهم كيف فعل الجلّادون ذلك، كيف استطاعوا احتمالَ صراخه الأليم وهم يسلخونه. كان التوحّش دومًا يُذهلني.

 

 

داعش: خروجٌ عن القياس البشريّ؟

تسمّر الناسُ أمام الشاشات. صورٌ نظيفةٌ تأتي من باريس، وأخبارٌ غامضةٌ تقول إنّ حدثًا جللًا يقع. وانبلج الفجرُ عن مجزرةٍ راح ضحيّتَها أكثرُ من مائة وعشرين ضحيّةً، كانوا في مسارحَ ومطاعم؛ كانوا في أمانٍ لم يدمْ حين دخل عليهم القتلةُ، الذين لم يحاولوا الهربَ، فقُتلوا هم أيضًا.

قامت القيامة ودُقّت أجراسُ التحذير. وعلى الرغم من أنّ ضاحيةَ بيروت كانت قد تعرّضتْ قبل ذلك بيوميْن لتفجيريْن انتحاريّيْن أوْديا بأكثر من أربعين شخصًا، فإنّ "التضامن الدوليّ مع الضحايا وضدّ الإرهاب" لم يَسْلك طريقه إلى الضاحية، ولا إلى بيروت وطرابلس وسوريا والعراق واليمن وباكستان وغيرها قبل ذلك. وعادت المقالاتُ حول داعش إلى الازدهار: من مشيرٍ إلى الجذور الإسلاميّة للتطرّف، فمُبرّرٍ لها بتعداد الارتكابات التي نفّذتْها مجموعاتٌ دينيّة مختلفة في أزمانٍ قديمة.

"داعش تمثّل الإسلام، داعش لا تمثّل الإسلام": تلك هي المقولة التي طغت على مسارات البحث. لكنْ هل الموضوع، حقًّا، هو"الإسلام"؟ هل تشكّل داعش خروجًا عن سيرورة "الحضارة البشريّة" حتى الآن؟

تمثّل الانقساماتُ الهائلةُ في المذاهب الإسلاميّة أرضًا خصبةً لمن يريد وسمَ "الإسلام" بالإرهاب، ولمن يريد الدفاعَ عنه، سواءً بسواء. فليس هذا الانقسامُ إلّا دليلًا على القدرة على الانطلاق من النصّ الثابت (القرآن) والمتقلقِل (الأحاديث وقراءات التاريخ المتناقضة) من أجل الوصول إلى الشيء ونقيضِه في الوقتِ ذاته. ومن هنا فإنّ العودة إلى النصوص القديمة، وإلى ممارسات المسلمين التاريخيّة، من أجل البحث عن"بذور" هذا الإرهاب، تَنْصب فخًّا نلِجُه من غير احتسابٍ للمخاطر. أكان الإسلامُ في بداياته "متوحّشًا"؟ لا أعرف إلى أين يصل بنا الجوابُ عن هذا السؤال؛ إذ لو افترضْنا أنّ تاريخي كان "متوحّشًا" فعلًا، فهل سيَفْرض عليّ أن أكون متوحّشًا اليوم؟ وبالعكس، إذا ثبت أنّ تاريخي كان"مسالمًا،" فهل سيحوّلني ذلك إلى"غاندي" أُقْعِي أمام مغزلي؟

ماذا عن تاريخ بلاد الأسوج، الذي يُعتبر الآن الأنموذجَ الأرقى في ممارسات الإنسانيّة؟ هل يمكن الركونُ إلى ماضيهم الهمجيّ لنَسِمَهم بصفةٍ ليست فيهم الآن؟ وماذا لو قرّروا العودةَ الآن عن ممارساتهم الإنسانيّة، فاحتلّوا بلادًا أخرى ونكّلوا بأهلها؟ أأعودُ، حينها، إلى صفاتٍ همجيّةٍ "ميّزتْ" قبائلَ الفايكنغ الغازية لأقولَ إنّها سببُ وحشيّة الأسوج اليوم؟ أأعودُ إلى بدايات القرن الماضي حين كانت السلطاتُ تُجري عمليّاتِ خصْيٍ متعمّدةً لمن لا تنطبقُ عليهم معاييرُ الإنسان الأسوجيّ الأبيض تمامًا؟ أمْ عليّ العودةُ إلى زمنٍ أحدث؟

لو افترضْنا أنّ تاريخي كان "متوحّشًا" فعلًا، فهل سيَفْرض عليّ أن أكون متوحّشًا اليوم؟ وبالعكس، إذا ثبت أنّ تاريخي كان"مسالمًا،" فهل سيحوّلني ذلك إلى"غاندي" أُقْعِي أمام مغزلي؟

داعش هي داعش، بما يمكن أن نعْرفَه عنها من المعلومات المعلَنة، ومن المعلومات المستترة في غياهب ملفّات مخابرات العالم، التي تراقِبُ الإرهابيين أو تشغّلُهم. داعش هي داعش، وهي على ما قُرّر لها أن تكون، بالصورة التي قدّمتْها عن نفسها قتلًا وذبحًا وحرقًا وإغراقًا وتفجيرًا. الأمر أشبهُ بفيلم سيّئٍ يجب أن يكون الشرّيرُ فيه شرّيرًا يمتنع التعاطفُ مع قتله والتنكيلِ به. لا أميلُ إلى نظريّة المؤامرة، لكنّ أحدًا لا يستطيع أن يقول إنّ داعش تتصرّف من دون تعاونٍ أو استشارةٍ أو تطمينٍ من غير جهةٍ (متناقضةٍ أحيانًا)، وإنّ بيعَها للنفط (السوريّ) وشراءَها للأسلحة والمعدّات والسيّارات ذاتِ اللون الموحّد يتمّان في غفلةٍ عن الأقمار الصناعيّة ووسائل التجسّس التي تحصي أنفاسي اليوميّة!

هل أَذودُ عن الإسلام من صفة "التوحّش"؟ ليست الصفاتُ بقادرةٍ على اختزال المجموعات البشريّة، وليست هذه هي المسألة هنا. المسألة ببساطة: هل ما تقوم به داعش، وتصوِّرُه بأحدث التقنيّات، خروجٌ عن القياس البشريّ؟ هل داعش توحّشٌ لم نعهدْه أو تخلّيْنا عنه؟

 

الداعش التاريخيّ عند الإنسان

في معرض الدفاع عن الذات قام العديدُ من المسلمين بنبش مجازر الشعوب الأخرى لعرضها، بحجّةِ أنْ لا أحدَ أفضل من الآخر. وعلى الرغم من عقم هذه الحجّة، فإنّها فتحتِ البابَ واسعًا أمام استعادة إرثنا البشريّ المُشبع بالدماء وحزِّ الأعناق وقطعِ الأطراف وأكلِ الأكباد وشيِّ الأجساد وتعليقِ الرؤوس والتمثيلِ بالجثث واستعمالِ الأعداء فئرانَ تجارب وغيرِ ذلك من فنون التوحّش.

أكانت تلك مرحلةً وانقضَتْ؟

هل اعترفت الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّة بفداحةِ ما جَنَتْ يداها في آب 1945 في هيروشيما وناغازاكي اليابانيّتيْن؟

ليست المسافةُ الزمنيّة شاسعة؛ فذلك النظام هو ذاتُه النظامُ الذي ما زال يَحْكم في الولايات المتّحدة، الأمرُ الذي يرتّب عليه مسؤوليّةً أخلاقيّةً بسبب تدميره مدينتيْن، وإبادتِه مائةً وستّين ألفًا من مواطنيهما في ثلاثة أيّام. لكنْ، عوضًا مِن تحمّل المسؤوليّة والاعتراف بالجريمة، ما زالت الروايةُ الأميركيّةُ الرسميّةُ مصرّةً على تبرير قرار "إنهاء الحرب بلا خسائر،" علمًا أنّ كلّ الدراسات أجمعتْ على أنّ اليابان كانت في طريق إنهاء الحرب مع دخول الاتّحاد السوفياتيّ الجبهة ضدّها، بعد الانتهاء من النازيّة في ألمانيا.

يصف أمين معلوف* شيئًا من الوحشيّة المجّانيّة التي مارسها الصليبيّون الأوائل في بلادنا، ويتوقّف في فصل بعنوان "أكلةُ لحومِ البشر في المعرّة" عند جماعة "الطفور" الصليبيّة، وتعمُّدِها أكلَ لحوم المسلمين على غير جوع. وينقل على لسان المؤرّخ راول دي كين قولَه: "كان جماعتُنا في المعرّة يغْلون وثنيّين بالغين في القدور، ويشكّون الأولادَ في سفافيد ويلتهمونهم مشويّين" (ص 63). ويزيد في موضعٍ آخر أنّهم كانوا يأكلون كلَّ شيء بما في ذلك الكلاب؛ وكلُّ ذلك لم يكن بسبب حاجتهم إلى البقاء على قيْد الحياة. والسؤال الأساسيّ، إذًا، هو: هل فائضُ القوّة البشريّة أدّى بهم إلى الخروج عن طورهم الحيوانيّ ـــ ذي العُرفِ القائلِ بعدم القتل إلّا للأكل أو الدفاع عن النفس ـــ إلى مراحل القتل المجانيّ والتوحّش والتمثيل بالجثث؟

وفي مواقفَ مماثلة، كيف يمكن تفسيرُ الصور التذكاريّة التي كان الجنودُ الفرنسيّون يرسلونها إلى حبيباتهم وزوجاتِهم من الجزائر، وهم يلْهون برؤوس الجزائريّين المقتولين؟ كيف يمكن تفسيرُ تفنّن هتلر في قتل اليهود وغيرِ اليهود عبر غرفِ غازٍ وأفرانٍ على ما أشيعَ؟ الإجرامُ حالةٌ متفشّيةٌ عامّةٌ؛ فليس بالضرورة أن يكون هتلر، أو القائدُ الفرنسيُّ في الجزائر، أو الضابطُ الأميركيُّ في فيتنام أو العراق، هم مَن ارتكبوا ــــ شخصيًّا ــــ هذه الأفعالَ الهمجيّة، بل ارتكبها في الغالب ضبّاطٌ وجنودٌ فخورون بما يقومون به، ويصوّرون ذلك بسرور. ماذا عمّا يصل إلينا من صور التعذيب في أقبية المخابرات العربيّة كافّةً؟ صحيح أنّ ذلك من عناصر تخويف الناس، لكنْ ألا تروْن شهوةَ القتل والتعذيب في عيون السجّانين؟

 

داعش: مشكلة "إسلاميّة" أمْ بشريّة؟

المشكلة، إذن، هي في النزوع البشريّ إلى التوحّش "المفرط،" وإلى كُمون هذا النزوع في البشر بانتظار الظروف "الملائمة" لظهوره وفاعليّته. الظروف "الملائمة" هي التي تفجّر المكبوتات التوحّشيّة. واليوم، فإنّ النظام العالميّ ليس استثناءً عن المسيرة البشريّة، بل هو "أحبلُ" (تذكير حُبلى) دائمٌ بتلك الظروف: إنّه نظامٌ اقتصاديٌّ متوحّش، تسيطر عليه مصارفُ لا ترى إلّا الكتلَ النقديّةَ تتحرّك، وتجّارُ سلاحٍ يستميتون للتوقيع على عقودهم، كائنًا من كان الموقِّع. داعش، وكلُّ شبيهاتِها في الأمكنة والأزمنة، وليدةٌ شرعيّةٌ دائمةٌ لنظامٍ متوحّشٍ أوجده الإنسانُ، وعبْره يدمّر كلَّ شيء.

 

إنسانيّة داعش!

من هنا فإنّ داعش "إنسانيّةٌ" تمامًا، بمعنى أنّها وليدتُنا، نحن البشر الذين نعيش في ظروفٍ تَدْفع بنا إلى الخوفِ واليأسِ والرعبِ من الآتي الذي يرمينا بين أيدي مَن يتلقّفنا ويستخدمُنا للسيطرة والتملّك. قد تنتهي داعش بعد سنة، أو بعد سنتين، أو عشر سنوات، لكنّنا نعرف أنّها لم تنتهِ حقًّا، بل عادت إلى الكمون في وعي البشر، وسينفجر "الداعشيُّ" فينا في مكانٍ آخر وبشكلٍ آخر وفي يومٍ آخر.

لأنّ النظام الذي يسود العالمَ يعرف كيف يستفيد دائمًا من الحروب والويلات، ولا يضيرُه أن تُخاضَ الحروبُ في الأماكن البعيدة عنه

إنّ بقاء هذا النظام العالميّ على ما هو عليه من جشعٍ وظلمٍ ونهبٍ منظّمٍ لثروات الناس، وضربٍ لأمانهم بِغدهم، كلّ ذلك سيجعل الكمونَ الداعشيّ ــــــــــ في أيّ شكلٍ ظهر وفي أيّ مكانٍ برز ــــــــــ جاهزًا للتحوّل حقيقةً مخيفةً. وسينفجر في مكانٍ قريبٍ من البؤس ويسوده الإحساسُ بالظلم. ولأنّ النظام الذي يسود العالمَ يعرف كيف يستفيد دائمًا من الحروب والويلات، ولا يضيرُه أن تُخاضَ الحروبُ في الأماكن البعيدة عنه (وإنِ اقتربتْ قليلًا فلا بأس)، فسيَعرف كيف يستفيد منها كما حدث في 11 أيلول الأميركيّ، وكما سيحدث الآن بعد أحداث باريس. ومادام الوضعُ كذلك، فستبقى الطبيعة الإنسانيّة المتوحّشة تظهر، وتُعرَض، وستظلّ "تُدهشنا" لأنّنا نريد دائمًا أن ننسى تاريخَنا البشريّ.

وما دام عقلُنا عاجزًا عن تصوّر بديلٍ من نظام السيطرة والتملك عبر المال والسلاح، نظامٍ يعمل ليلَ نهارَ على تدمير عناصر الحياة على الأرض؛ وما دام القتلُ عندنا هو ما تقترحه علينا الكاميراتُ، فيصير داعشيٌّ يَقطع الرأسَ أفظعَ من طائرةٍ "ذكيّةٍ" تقصف عرسًا أو مستشفًى أو ملجأً في العامريّة (العراق) وتَزهق أرواحَ المئات؛ ما دام الوضع كذلك، أتريد أن تقْنعني بأنّ داعش هي أسوأ إنجازٍ بشريّ؟!

بيروت

*أمين معلوف، الحروب الصليبيّة كما رآها العرب، ترجمة عفيف دمشقيّة (بيروت: دار الفارابي، طبعة ثانية، 1998)، ص 63.

 

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب