Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

ذكريات مع الوديع (ملفّ)

شهادة

 

 

بين بعلبك والوحدات والأغوار وبيروت

شكلّتْ بعلبك حاضنةً للمقاومة الفلسطينيّة. وشارك العديدُ من أبنائها في معركة المالكيّة، وتصدّوْا لكلّ الاحتلالات التي تعرّضت المدينةُ لها. وكان للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين موقعٌ في حيِّنا.

في يومٍ شتويٍّ مشمس، والأرضُ يكسوها الثلجُ، مرّ رجلٌ يصطحب طفلًا لا يتجاوز العاشرة، وتبادل السلامَ مع أبناء الحيّ. تقدّمتُ نحوه، وحيّيتُه وهو يدخل مكتبَ "الجبهة." بعد هنيهة، خرج ليستقلّ سيّارةَ لاندروفر، وينطلق ملوِّحًا لنا بيده. وعند سؤالي عنهما، عرفتُ أنّه الدكتور وديع حدّاد (الخال) وابنُه هاني.

في اليوم التالي عاد، فجالسناه لنسمعَه يقول: "هذا الحيّ كحيّ الوحدات في الأردن، بطيبة أهله، ومحبّتهم للمقاومة." وكان يتنقّل في الحي على سجيّته، كأنّه في الوحدات.

في عطلة الصيف، قرّرتُ أن أتلقّى التدريبَ العسكريّ، فقصدتُ جارنا "علّام،" الذي حوّلَ بيتَه إلى مقرّ لـ"الجبهة." كلّف علّام شخصًا اسمُه "هاني" (أبو مصطفى) أن يوصلَنا إلى الأردن للالتحاق بالمعسكر. طال غيابي عن الأهل، فأيقنتْ والدتي أنّني غادرتُ الأراضي اللبنانيّة برفقة هاني. لم يرُقْ لها ما فعلتُه، فسارعتْ إلى منزل هاني (وكان قد عاد إلى بعلبك)، وانهالت عليه بالشتائم، متوعّدةً بأنّها لن تغادر منزلَه "حتى تعيدَ حسن إليّ."

انطلق والدي، برفقة هاني إلى الأردن لإعادتي إلى بعلبك، فلم أحظَ إلّا بليلةٍ واحدةٍ قضيتُها في الأغوار.

استُدعيتُ إلى منطقةٍ تُسمّى جبل الحسين. هناك، التقيتُ والدي، بحضور "الخال" وديع حدّاد الذي قال لي: "نحن بحاجةٍ إليك في بعلبك أكثر من حاجتنا إليكَ هنا. تخدمُنا بالنضال الطلّابيّ، وبمتابعة دراستك." وتابع حديثَه: "سنذهب حيث لا يجرؤ الآخرون، ونقولُ ما تقوله المخيّماتُ."

بعدها، زوّد أبا مصطفى ببعض الرسائل والنقود، وعُدنا إلى بعلبك.

عند أطراف بعلبك، كان "حمدان" (أبو جهاد)، السوريّ البدويّ، يُشْرف على تدريبنا ليلًا، ويلازم الوديعَ أثناء وجوده في المدينة. وكنّا نلتقي في الجلسات التنظيميّة. قال لي يومًا إنّه سيشارك في عمليّة عسكريّة لم يعرفْ تفاصيلَها آنذاك، لكنّها كانت لتفجير أنابيب النفط في الجولان. بعد تنفيذ العمليّة، وأثناء الانسحاب تحت غطاءٍ من الدخان والنار، سقط من حمدان سلاحُه (كارلو ــــ بورسعيد)، فعاد يبحث عنه برغم الحرارة العالية، وخرج من عتمة الأدخنة المتصاعدة وهو يحتضنُه.

بعد أيّام، التقينا حمدان وأخبرَنا عن العمليّة. قال: "الوديع لا يُعْلم أحدًا بالعمليّة، ولا بمن سيشارك فيها، ولا بزمانها، ولا مكانها، إلّا عندما نتهيّأ للتنفيذ، وذلك حرصًا على النجاح. وهذه حالُه في كلّ العمليّات." مضت الأيّام، وجاءنا حمدان قائلًا: "عندنا عمليّة جديدة! الوديع أعطى كلًّا منّا مبلغًا حرزانًا (كبيرًا) من المال، وطلب منّا أن ننفقَه كلَّه في أسبوعٍ على ما نحبّ. ما حدا بيرجع ومعو من المبلغ قرش. بتشتروا شو بتستحلوا من الثياب، ونوّعوها، ومعاكم أسبوع." سألتُه عن سبب هذا البذخ، فأجابني أنّ الدكتور يقول "مَن يقدّم دمَه وحياتَه لفلسطين ما رح نبْخَل عليه ببعض القروش."

وبرفقةِ "أبي زهري" (وهو مسؤولُ تنظيم "حركة القوميين العرب" في بعلبك) ذهبنا إلى بيروت لنَعْرضَ على الوديع حالةَ والدي الصحّيّة، التي استعصت على العلاج في بعلبك. التقيناه، فكلّف عدنان (ج) بإيصالنا إلى طبيبٍ مختصٍّ في الجامعة الأميركيّة. سلّم عدنان الطبيبَ كتابًا من زميله وديع، فإذا به يقف ويقبّل الرسالةَ، ويضعها على رأسه. عاينَ الطبيب والدي، وزوّده بالدواء، وقال إنّنا لا نحتاج إلى مراجعة، و"الله معكم." ورفض تقاضي أتعابِه لأنّ "كتابَ الوديع أغلى من الذهب!"

وذاتَ يوم، قصدتُ منطقة قريطم في بيروت، حيث كان الوديع. طلبتُ رؤيته، وانتظرتُ. وإذ بأربعة أشخاص يغادرون القاعة. طال انتظاري فقلتُ لـ"علّام": "ألم يئنِ الأوان؟" أجابني: "ألم تره؟" قلتُ: "لا." قال: "كان أحدَ الأربعة الذين خرجوا!" علمًا أنّني تفحّصتُ وجوهَهم عند خروجهم!

***

أجريتُ مقابلات مع رفيقيْ سلاحٍ مقرَّبيْن من وديع حدّاد، هما عزيز (أبو اسماعيل)، وهاني (أبو مصطفى) ليخبراني عن بعض الذكريات معه. هنا خلاصةُ حديثهما.

***

عزيز (أبو اسماعيل) يروي ذكرياتِه مع "الخال" في الأغوار

كنّا في الأغوار. وبعد يوم تدريبٍ مرهقٍ، عُدنا إلى الكهف. فرش كلٌّ منّا الأرضَ ببطانيّة، وتغطّى بأخرى، وحذاؤه تحت رأسه. عند بزوغ الفجر استيقظنا، واذا بـ"الخال" قد فرش جريدةً ونام قربنا بلا غطاء. استفاق، وسلّمَ علينا شادًّا على أيدينا، وقال لنا:

"لا يطيب لي النومُ إلّا بينكم ومعكم."

وكان الخال يزور منزلي كلّما أتى بعلبك. تقول زوجتي:

"ذات يوم زارنا الدكتور، ولم يكن عزيز في بعلبك. قال لي: على بالي آكل كشك. وإذا به يغفو على الإسفنجة. انتظرتُه حتّى أفاق من نومه، وكان الطعام قد برد. قمتُ لأضعه على النار، قال: لا... ما في وقت... هاتيهم حآكل وامشي."

***

هاني (أبو مصطفى) والفولكس فاغن

كانت الجبهة الشعبيّة تعتمد على السيّارات الخاصّة المدنيّة في تنقّلاتها. وكان أصحابُ هذه السيّارات من الأشخاص الموثوقين؛ وكنتُ أحدَهم. استلمتُ مهامّي بين العاميْن 1967 و1970. في ثلاث سنوات قطعتُ كيلومتراتٍ توازي مساحةَ الأقطار العربيّة؛ فكنتُ أكلَّفُ أحيانًا ــــ في يوم واحدٍ ــــ بالذهاب إلى الأردن مرّتين لأخذ رسالةٍ من "الوديع" والعودة بالجواب.

كنتُ أنام في مكتب مجلّة الهدف، وأنتظرُ اتّصالًا في أيّ وقت من الخال: "أنا ناطرك يا هاني، يالله، تعال." أصل إليه، فيصعد السيّارةَ، متأبّطًا كالعادة حقيبةً جلديّةً صغيرةً سوداء. كانت هذه الحقيبة رفيقتَه الدائمة: يضع فيها باروكتيْن من الشعر المستعار، واحدةً بقصّة شعرٍ قصيرةٍ، والثانيةُ أكثفُ وأطولُ منها قليلًا وذاتُ لونٍ كستنائيّ. في الحقيبة أيضًا راديو صغير، يلتقط قنواتٍ إذاعيّةً عالميّةً، بما فيها إذاعاتُ العدوّ الإسرائيليّ، ليسمعَ اعترافَ العدوّ بالعمليّات التي تنفّذها الجبهة الشعبيّة.

كان الوديع قليلَ الكلام. يستطلع أخبارَ الشقق المستأجَرة، وأخبارَ العناصر العرب والأجانب وتنقّلاتهم. لكنّني كنتُ أنتهز الفرصة دائمًا وأمازحه قائلًا: "شو بعمل يا دكتور لوجع هالراس اللي مرافقني عطول؟" فأسمع الردَّ الأحبَّ إلى قلبي:

"ولكْ الدم يطرش مِن حلقك. بعدك بتسأل؟ شو مفكّرني بعدني بعرف بالطبّ؟ روح اسأل غيري!"

وفي أحيانٍ كثيرة كنتُ أسأله مستغربًا كيف لطبيبٍ برجوازيّ أن يختار العيشَ بهذه الطريقة، فيجيبني:

"إحنا الفلسطينيّة، إذا ما العامل والمثقّف والفلّاح والدكتور والمهندس ناضلوا وقاتلوا ما بتِرجعلنا فلسطين."  

 كان الوديع يتنقل راجلًا، أو في سيّارات الأجرة، توفيرًا للمال، الذي يخصّصُه كلَّه لصندوق العمليّات. وكان يفعل الشيءَ عينَه مع مخصّصه الشهريّ، ويقول لي: "خلِّ سيّارتك لإشِي أهمّ."

إلى أن أتى "الأهمّ،" واستدعاني فورًا وهو يقول:

"بدنا نوصل عا دمشق قبل الليل!"

لم أعرف الهدفَ من زيارة دمشق؛ فالأسئلة في هذا الشأن ممنوعة. كلُّ ما كنتُ أعرفه أنّ مهمّتي إيصالُه، هو ومحمود الهندي وأحمد اليماني (أبو ماهر)، إلى دمشق قرب مسجد ركن الدين. كان محظَّرًا على حدّاد دخولُ الأراضي السوريّة. والطريقُ الوحيدة هي التسلّل عبر الجرود مشيًا.

وصلنا إلى قرية الخريبة البقاعيّة، في السلسلة الشرقيّة المحاذية للحدود السوريّة. كان مقرَّرًا أن نترجّل من السيّارة ونكملَ سيرًا في الجرود، لنصلَ إلى الداخل السوريّ، في الوقت الذي أدخلُ فيه إلى سوريا بطريقة شرعيّة عبر منطقة الجديدة، لألتقيهم في الزبدانيّ، وأنقلَهم إلى دمشق. لكنّني فوجئتُ بدوريّة للجمارك. عرفني أحدُ عناصر الجمارك، وسألني عمّا أفعلُ هنا. أجبتُه أنّني أنقل ركّابًا من قرية النبي شيت إلى بعلبكّ، وأنّ السيّارة "علقتْ" بالوحل، وطلبتُ مساعدةَ الدورية. وهذا ما حدث!

لم يكن أمامي إلّا أن أقترحَ على الوديع ومرافقيْه الذهابَ بهم بطريقة شرعيّة عبر الحدود. فأجابني حدّاد ممازحًا:

"ولكْ يا هاني أدّيش قابض؟ بدّك تعدمني؟!"

وصلنا إلى الجديدة. وعند حاجز الكفاح المسلّح أُوقفت السيّارة، وبدا أنّ أحد العناصر تعرّف إلى حدّاد. حدّق به ثم قال:

"إذا راجعين الليلة بتلاقوني أنا هون. الله يحميكم!"

وبالفعل هذا ما حصل. لقد لعب الحظّ لعبته الذكيّة؛ فالعنصر كان من الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين!

كان الدكتور قليلَ الكلام، شديدَ الذكاء، كتومًا وسرّيًّا في شأن التخطيط، سريعَ الحركة والمشي. لا يشرب القهوة، بل يفضّل الشايَ الخفيف والزهورات. قلّما يجد وقتًا للنوم. وكان مزوحًا وبشوشًا. يسيطر على ردّات فعله. لم يغضب خلال ثلاث سنوات إلّا عندما جئتُه بخبر الانفجار الذي استهدف بسّام أبو شريف.

(...)

وتسألني، يا رفيق حسن، عن تحرير الحكيم جورج حبش من السجون السوريّة؟ اسمعْ إذن.

شاركتُ في عمليّة تهريب أسلحةٍ من الأردن إلى لبنان. مرّت أوّلُ صفقةٍ بسلام. بعدها، اكتشفت المخابراتُ السوريّة الأمر، وبدأت المكائد. أوصلتُ خبرًا إلى الدكتور جورج حبش بأنّ هذه المخابرات على استعداد لمساعدة الجبهة الشعبيّة في نقل الأسلحة عبر الأراضي السوريّة، وتسليمِها عند الحدود اللبنانيّة، على أن يجتمع حبش بعبد الكريم الجندي وينسّق معه. لبّى حبش الطلبَ، وذهب إلى دمشق. وهناك، اعتُقِل ونُقل إلى معتقل الشيخ حسن.

علم حدّاد وطار صوابُه، وبدأ بالتخطيط لإنقاذ رفيقِ دربه، وأحبِّ الناسِ إليه.

أرسل فتاتين، خضعتا لتدريبٍ سرّيٍّ دقيق، إلى دمشق، وفقَ خطّةٍ مُحكَمةٍ لم يُطْلعْ عليها أحدًا. بعد مرور أشهر أبلغتا الوديع بموعد نقل "الحكيم" من المعتقَل إلى فرعٍ آخر. فطلب وديع منّي، على الفور، الذهاب إلى سوريا، واستئجارَ شقّتين مفروشتين: الأولى في دمشق خلف مشفى المجتهد ليقيم فيها "ستّةُ شباب قبضايات غزاوزة [من غزّة]" بحسب وصف حدّاد، والثانية في بوّابة الصالحيّة.

عند السابعة مساءً بدأت العمليّة. ارتدى الشبابُ زيَّ ضبّاط الشرطة السوريّة الرسميّ، واستقلّوا سيّارات لاندروفر كتلك التي تستخدمها الشرطة، ونصبوا حاجزًا على بُعد أمتار من السجن. أوقفوا الدوريّةَ التي تُقلّ الحكيم حبش، وبادر "الغزاوزة" إلى ضرب عناصرها، واختطفوه منهم بالقوّة، ونقلوه إلى سيّارة مدنيّة يقودها أحدُ رجال الدين، الذي انطلق بالحكيم إلى بيروت عن طريق الصبّورة ــــ دير العشائر. واقتادوا أفرادَ الدورية مقيّدين بسيّارتهم وأسلحتهم إلى بعلبك.

تزامنًا مع هذه العمليّة، عطّلتْ مجموعةٌ ثالثة خطوطَ الهاتف السلكيّ واللاسلكيّ بين لبنان وسوريا، إلى أن وصل الحكيمُ والمجموعاتُ إلى بيروت سالمين، وأُفرج عن عناصر الشرطة.

(...)

وهل تذكر يا رفيق حسن حكاية شاهين شاهين؟

بينما كنتُ في مكتب مجلّة الهدف، إذ برجلٍ أربعينيّ أشقر، كثّ الشاربين، يطلب مني مقابلة الدكتور وديع. استنطقتُه، فقال إنّه من صفد، وقد وصل عبر الجرود إلى لبنان. أخبرتُ حدّاد، الذي قال إنّه سيراه عند الخامسة من بعد ظهر الغد، في شقّةٍ حديثة الاستئجار خلف فندق البريستول في بيروت. أثناء اللقاء، وصف شاهين لحدّاد منزلَ الأخير في صفد. فسأله "ما المطلوب؟" واذا به يريد الالتحاقَ بالعمل معه في المقاومة. وعده حدّاد خيرًا، وانصرف.

بعد أسبوع رافقتُ الخال إلى الشقّة، فجلس مع شاهين. وأثناء إعدادي الشايَ، سمعتُ "طراطيش" حكي عن مهمّةٍ سينفّذُها شاهين منفردًا في داخل فلسطين المحتلّة، وأنّ الوديع سيرسل له الأسلحة. لم يكن شاهين وقتَها متحمّسًا للفكرة، غير أنّ حدّاد أصرّ على ذلك، وقال له: "برجع لعندك تَا درّبَك على الشيفرة اللي بدّنا نتواصل عبرها."

بدأ حدّاد تدريبَه في أوقاتٍ مختلفة. إلى أن اكتشف بالمصادفة أنّ شاهين نطق حرفًا عبريًّا، وهو الذي قدّم نفسَه على أنّه أُمّيٌّ ولا يتحدّث إلّا العربيّةَ. لم يُظهر حدّاد أيَّ ردّة فعل. لكنّه طلب منّي أن أتوجّهَ فورًا إلى الأردن. وحمّلني رسالة إلى الأرض المحتلّة، على أن أنتظر الردَّ لأحمله إلى حدّاد مجدّدًا. استغرق تبادل الرسائل أسبوعًا كاملًا وبشكلٍ يوميّ، واكتشف الوديع أنّ شاهين شاهين "مشبوه."

وذات يوم، استيقظ الجميعُ على صور شاهين معلّقةً في المخيّمات، وقد كُتب تحتها:

"استشهد في سبيل الواجب!"

بعلبك

اتّصل بنا من نحن دار الآداب