Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

ذكريات مع وديع حدّاد (ملفّ)

شهادة

 

ليلى خالد: ذكريّات مع وديع حدّاد

خلاصة حوارٍ أجراه: وسام الخطيب

لم يكن "الخال" كثيرَ الكلام؛ فأفعالُه هي التي تتحدّث عنه، ما جعل العالمَ أجمع يُصغي إليه. كان د. وديع ينام ويصحو على شعار "وراء العدوّ في كلّ مكان." فقاعدة الاشتباك الوحيدة لديه هي: "لا قواعد اشتباك!" وهو ذهب فعلًا إلى حيث لا يجرؤ الآخرون، حتّى صار الرجلَ الأخطرَ في العالم. بل أستطيع أن أقول، أيضًا، إنّه جسّد، وبشكلٍ مسبّق، نظريّة الشهيد المثقّف المشتبك باسل الأعرج: فـ"عاش نيصًا وقاتل كالبرغوث."

كنتُ قد طلبتُ من الرفيقة ليلى خالد قبل بضع سنوات أن تُحدّثني عن الدكتور وديع حدّاد. نظرتْ إليّ آنذاك، وقالت: "لا أعرفه. التقيتُه مرّتين أو ثلاثًا، وكان متنكّرًا. كانت لقاءاتٍ سريعةً، في المعسكرات، أثناء التدريب والتجهيز للعمليّات!" ابتسمتُ، وعرفتُ في قرارة نفسي أنّها لا تريد التحدّث عنه. اليوم، في نهاية حديثنا هذا إلى "الآداب،" قالت لي، بعد أن أشعلتْ سيجارتَها مبتسمةً: "طبعًا ما تحدّثنا به عن وديع اليوم هو بالمعنى العامّ لا أكثر!" كأنّها تقصد أن تقول إنّ وديع نهجٌ كاملٌ لا يستنفده حوارٌ مهما طال. هنا خلاصة حوارنا الطويل.

و. خ

 

كيف التقيتُه؟ ولماذا اختارني؟

في العام 1959، كان يأتي إلى بيروت لإدارة المعركة الانتخابيّة لمرشّح "حركة القوميين العرب،" المناضل الراحل محمد زيّات. التقيتُه آنذاك لأوّل مرة، وعملتُ في توزيع المنشورات الانتخابيّة، علمًا أنّي لم أكن قد انتظمتُ في صفوف "الحركة" بعد. كنتُ أحضر الاجتماعات التي كانت تُعقد برئاسة وديع في بيتنا.

كان لقاؤنا الثاني بعد ذلك بسنين. وهو، فعليًّا، اللقاءُ الأوّل بعد انتظامي في صفوف "الحركة،" ومن ثمّ في الجبهة الشعبيّة في شباط 1968. قدِمتُ إلى لبنان من الكويت، حيث كنت أعمل مُدرّسةً، وطلبتُ الاجتماعَ به. أخبرتُه عن رغبتي في تلقّي التدريبات العسكريّة، فرفض، وطلب منّي العودةَ إلى الكويت، وتنظيمَ عشرة أفرادٍ من المدرسة التي كنتُ أعمل فيها، و"بعد ذلك سننظر في أمرك."  أغضبني ردُّه. لكنّني عدتُ إلى الكويت، وضاعفتُ الجهدَ في تلك السنة، وتمكّنتُ من تنظيم عشرين فردًا بدلًا من عشرة.

عدتُ إلى لقاء د. وديع سنة 1969. أخبرتُه أنّي تمكّنتُ من تنظيم ضعف العدد الذي طلبه منّي، إضافةً إلى جمعي التبرّعات. كرّرتُ طلبي، فوافق وقال: "سننظرُ في أمركِ بعد التدريب أيضًا! مستعدّة تموتي؟"

ــــ بالطبع! فالفدائيّ مستعدّ دومًا للموت!

ــــ ليس هذا هو المطلوب! مستعدّة تنحبسي؟

ــــ أجل!

ــــ أيضًا، ليس هذا المطلوب! مستعدّة تشاركي بخطف طائرة؟

ضحكتُ؛ إذ لم يكن هذا النوعُ من العمل معروفًا ضمن سياقات العمل الثوريّ. أجبتهُ أنّني على استعداد للقيام بأيّ عمل.

في صيف ذلك العام، استدعاني إلى الأردن. كان اللقاء في بيته، وغرفُه كلُّها مغلقةً. ولم يكن هناك مكانٌ لعقده سوى في المطبخ. سألتُه عن سبب اختياري لخطف الطائرة، فأجابني: "لأنّي أعرفُكِ. أنا أعرف الشخصَ من عينيْه، إنْ كان مستعدًّا للموت أمْ لا. ولهذا سألتُكِ تلك الأسئلةَ التي كنتِ تجيبين عنها بشكلٍ تلقائيّ وبلا تردّد."

والحقّ أنّ د. وديع كان يعرفني جيّدًا منذ صغري، وذلك لمعرفته بعائلتي. وهو يعرف الجهدَ الذي بذلتُه للانضمام إلى "حركة القوميين العرب،" و"الاستثناءَ" الذي نلتُه بسبب صغر سنّي في ذلك الوقت.

إنسانيّة الثورة

كان همُّ د. وديع الأساس، بعد تحرير وطنه، إطلاقَ سراح المعتقلين. وانطلاقًا من فهمه لطبيعة العدوّ، فإنّ موضوع الطيران في رأيه كان نقطة ضعفٍ لدى هذا العدوّ. والأهمّ أنّ د. وديع كان يفكّر في كيفيّة طَرْق أسماعِ العالم؛ هذا العالم "الذي أَجرم في حقّنا كشعبٍ فلسطينيّ،" على حدّ تعبيره. لكنّ د. وديع كان يريد أن يفعل ذلك من خلال "عمل نظيف."

فكرة "العمل النظيف" كانت دائمًا في رأسه، لأنّ الثورة الفلسطينيّة "ثورةٌ إنسانيّة" كما كان يقول. من هنا، كان يُوصينا دومًا ــــ عند تكليفنا بأيّ مهمّة ــــ بعدم إيذاء أحد، سواء من ركّاب الطائرة أو من طاقمها، والدفاع عن أنفسنا فقط إذا تعرّضنا للهجوم. وفي ساعات التحضير اليوميّة لمُنفّذي تلك العمليّات كان يقول "إنّ إنجازكم لهذا العمل سيُسهم في حرّيّة الرفاق الأسرى الذي يتعذّبون في سجون الاحتلال." كان يُشعر الفدائيَّ المتدرّبَ بأنه أصبح مسؤولًا عن حياة الأسرى، فيكون ذا حماسٍ واعٍ للعمل الذي يقوم به.

هو معلّمي وأستاذي ورفيقي وقائدي الذي تعلّمتُ منه الالتزامَ والأخلاقَ. كان يُحذّرني ويُنبّهني: "إيّاك أن تُفلتي القنبلة داخل الطائرة! نحن لسنا ضدّ الناس؛ فالركّاب وطاقمُ الطائرة لا علاقة لهم بما يحدث وبما نعمل. لا تؤذوهم!" حتّى في عمليّة طائرة العال [الإسرائيليّة]، وجّه إلينا التعليماتِ نفسَها: "تدافعون عن أنفسكم فقط!"

 

الاختصاص صِنو الإخلاص

يمتلك الدكتور وديع حدّاد قدرة غير عاديّة على استقطاب ذوي الاختصاص؛ فقد استقطب، مثلًا، أشخاصًا مختصّين بالطيران لتجهيزنا للعمليّة. وكنّا نقرأ طويلًا عن الطيران والطائرات. كان منزله عبارةً عن قاعدة: زوجتُه وابنُه وأختُ زوجته يعيشون في غرفة، وباقي الغرف مغلقة يعيش فيها أفرادٌ لا يعرفون بعضُهم بعضًا. وهذا أهمّ ما نتعلّمه من وديع المخلص لقضيّته وشعبه: كيف نكون مخلصين لقضيّتنا وشعبنا، ونضحي من أجلهم. ولا تزال كلماته تدوّي داخل رأسي:

"كلمة مستحيل هي لغايات اللغة فقط. في العمل الثوريّ لا شيءَ مستحيلًا."

 

وديع: المرح، الحازم، الطفل

وديع شخص مرح جدًّا، لكنّه حازمٌ جدًّا في ما يتعلّق بالعمل.

غير أنّ ما لم أكن أتصوّره إطلاقًا هو أنّ هذا الشخص يمتلك طفلًا في داخله. ففي لحظة وداعنا قبل العمليّة بكى. سألتُه مستنكرةً: "هل تبكي؟!" فأجابني أنّه مسؤولٌ عن حياتنا، خصوصًا أنّنا سنُحلّق فوق فلسطين. قال لي:

"وأنتِ فوق فلسطين سلّمي عليها! قولي لها إنّ هنالك رجالًا ونساءً يدافعون عنها."

 

المرأة

وعى وديع جيّدًا أهمّيّةَ دور المرأة الفلسطينيّة، وأنّها شريكةٌ في عملية النضال التحرّريّ. كان يقول إنّنا رفعنا شعارَ "المرأة والرجل معًا في معركة التحرير،" وعلينا تطبيقُ ذلك. كانت معظمُ عمليّات خطف الطائرات تتمّ بقيادة رفيقات؛ فهو يرى أنّ المرأة "أهدأ" من الرجل في هذه المواقف. وهذا ما برهنتْ عليه التجربةُ فعلًا.

 

عن علاقاته العالميّة

كان وديع حريصًا على نسج علاقات مع حركات التحرّر العالميّة التي استقطبتْها الثورةُ الفلسطينيّة. كان ينطلق بالحوار مع تلك الحركات بالقول: "أنا لاجئ فلسطينيّ، وهنالك أربعةُ ملايين لاجئ مثلي. نحن كلّنا نريد أن نعود إلى بلادنا. اغتصب الصهاينةُ أرضَنا، وتحريرُها واجبٌ علينا." وبذلك، كان وديع يضع أُسسًا لرؤيته السياسيّة. وفي حال رغبتهم في نقاش المزيد كان يَعْرض عليهم أن يحاوروا القيادة. بمعنًى آخر، كان وديع يضع أمامَهم سببَ وجودنا كثوريين، وفي حال رغبتهم في الاستزادة يرسلهم إلى الأردن لمقابلة الحكيم [جورج حبش]؛ ليسألهم بعد ذلك، وبعد الاتّفاق على الرؤية، إذا كانوا مستعدّين للعمل معه.

عن خلافه مع الجبهة الشعبيّة

أرى أنّ الجبهة لم تصب في استبعاد الدكتور وديع من القيادة. لقد كان عليها التروّي وإجراءُ المزيد من الحوار الداخليّ.

ففي العام 1970 أصدرت اللجنة المركزيّة في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين قرارًا بوقف خطف الطائرات. لكنّ الدكتور وديع (الذي كان معارضًا للقرار) أمر بخطف طائرة والهبوط بها في أوغندا سنة 1976. كان ذلك في زمن الحرب الأهليّة في لبنان، وكانت المقاومةُ الفلسطينيّة مشغولةً بالدفاع عن نفسها. وكانت تلك العمليّة تهدف إلى إعادة لفت أنظار العالم إلى الثورة الفلسطينيّة، وبخاصةٍ أنّ عدد الأسرى الفلسطينيين كان قد ازداد في تلك الفترة. إضافة إلى أنّ الدكتور وديع كان يريد إثباتَ جدوى هذا النوع من العمل.

أثار عمل د. وديع جدلًا في الهيئات القياديّة داخل الجبهة الشعبيّة، التي استدعته لمناقشته في الأمر. ولمّا كانت قيادةُ العمليّات الخارجيّة خارج لبنان، فقد رفض القدومَ، ما نجم عنه بعد ذلك استبعادُه.

 

وديع والحكيم وغسّان

كان واضحًا، داخل الجبهة، أنّ الحكيم جورج حبش ووديع مثل التوأم. خلال وجودي معه في العمل، كان يبلّغ الحكيمَ بأيّ عمليّة، لأخذ الاحتياطات الأمنيّة اللازمة، سواء في الأردن أو لبنان.

كما كان يُعْلم الشهيد غسّان كنفاني بجميع العمليّات التي كان يُخطِّط لتنفيذها. فقد كان غسّان يكتب الرسائلَ التي يُفترض أن تقرأها كلُّ خليّة في الطائرة التي تخطفها. وكان وديع يخبر غسّان بنجاح العمليّة ليصرّح للإعلام بذلك. كان الدكتور معجبًا بغسان بسبب صغر سنّه ونباهته، وكانت علاقتُهما متينةً جدًّا.

حين قُصف بيتُه

ذات ليلة، في شهر أيّار من العام 1970، كنّا في منزله نخطّط لعمليّةٍ سأنفّذها. كنتُ جالسةً أكتب تفاصيلَ العمليّة التي أحفظها عن ظهر قلب كي أُبلغ الحكيم جورج حبش بها. كان وديع يمشي في ممرّ المنزل حافي القدمين، كعادته عند النقاش أو التحضير لأيّ عمليّة (لا أعرف سبب ذلك، ولكنّه كان دائمًا يخلع حذاءه أثناء الاجتماعات). فجأةً، فوجئنا بأربعة صواريخ: اثنان ضربا الشقّة، وتحديدًا غرفة النوم التي تنام فيها زوجتُه وابنُه، والصاروخان الآخران ضربا شقّةً أخرى.

بعد إسعاف ولده، وتركِ زوجته فاقدةً الوعيَ، وبعد مجيء الشرطة، كان همّ وديع... لملمة أوراق العمليّة المتطايرة من أثر الانفجار!

 

عن هاجسه الأمنيّ

كان وديع يقول: "عملُنا عملٌ جماعيّ، مثل عمل الدوريّة. وإذا تخلّى أحدٌ عن هذه الدوريّة يحقّ لي قتلُه." هذا، وكان وديع يرتدي، أحيانًا، أربعةَ بناطيل وأربعةَ قمصان، ويحمل دائمًا في حقيبته شعرًا مستعارًا، فيدخل إلى مكان بشكل ويخرج منه بشكل مختلف!

 

عن "وراء العدوّ في كلّ مكان"

لم يقتصر عملُ وديع على الخارج فقط، بل كان يعمل في الداخل المحتلّ أيضًا؛ إذ كان يُهرّب الأسلحةَ إلى رفاقنا في فلسطين، ويُخطّط للعمليّات هناك أيضًا، مثل عمليّة مطار اللد، التي كان من المفترض ألّا تنتهي داخل المطار، بل أن يكون هنالك كمين خارج المطار لضرب القوات التي ستأتي بعد تنفيذ العمليّة في المطار.

كان شعار "وراء العدو في كل مكان" نابعًا من فهمه أنّ عدوّنا ليس الاحتلال الإسرائيليّ وحسب، بل الحركة الصهيونيّة ومصالحها في العالم أيضًا، وأنّ علينا ــــ من ثمّ ــــ ضربَ هذه المصالح في الخارج أينما وُجدتْ. وفي الوقت نفسه كان وديع يُكلّفنا بالقراءة والبحث عن مصالح الحركة الصهيونيّة في الخارج، وكان يستغلّ معرفتي باللغة الإنجليزيّة للقراءة والبحث.

في رأيي أنه ينبغي علينا أخذُ متغيّرات العالم في الاعتبار، لكنّ هذا لا يمنع ــــ من خلال علاقاتنا بالقوى التقدميّة ــــ أن نعمل على إلحاق الضرر بالمصالح الصهيونيّة بشكلٍ أو بآخر، وبغضّ النظر عن الأسلوب. فمادام هذا العدوّ موجودًا فإنّ علينا ضربَ مصالحه أينما كان. وهنا لا ننسى أنّ الاستراتيجيّة السياسيّة والتنظيميّة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين قد حدّدتْ أنّ الحركة الصهيونيّة العالمية، لا "إسرائيل" وحدها، هي أحد أعدائنا. صحيح أنّ علينا في هذه المرحلة أن نركّز عملنا في فلسطين المحتلّة كي لا نشتّت أنظارَ العالم، بيْد أنّ شعار "وارء العدو في كلّ مكان" ــــ وبالرجوع إلى رؤيتنا الاستراتيجيّة ــــ يبقى ساري المفعول.

 

وصيّتُه

"اسمعي! أنا بدّيش أموت على التخت! إذا مرضت، أوصيكِ أن تطلقي عليّ الرصاص. سأخبرك متى تنفّذين ذلك. أنت الوحيدة المؤتمنة على تلك الوصية!"

كانت تلك وصيّةَ الدكتور وديع لي، أنا تلميذته ورفيقته. وهذه هي أوّل مرّةٍ أُفصح عنها. في تلك الجلسة، استنكرتُ تلك الوصيّة، فردّ: "أنا ما بدّي أموت إلّا بالرصاص!"

في 28 آذار 1978، كان العدوّ الإسرائيليّ قد اجتاح الجنوبَ اللبنانيّ، وكنتُ موجودةً في مقرّ "اتّحاد المرأة الفلسطينيّة،" حيث كنّا نعمل على مساعدة الناس وإغاثتهم. تلقّينا هناك خبرَ رحيل الدكتور وديع. فلمعتْ في رأسي، على الفور، وصيّتُه، ولا سيّما أنّني كنتُ أعرف أنّ وضعه الصحّيّ صعب، وأنّه انتقل إلى ألمانيا لتلقّي العلاج. ذهبتُ إلى الحمّام، وبكيتُ لوقتٍ لا أذكره. فكّرتُ: لو كنتُ عنده في ألمانيا لأمرني أن أطلق النار عليه. ولا أظنّ أنّي كنت سأقوى على تنفيذ الأمر.

عمّان

 

* وسام الخطيب: مترجم، ومحرّر صحفيّ، عمّان.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب