Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

سـفَـر... ولا اغـتـراب!

نصّ

 

 

بلادٌ لا تملك إلّا أن تحبّها وتُجِلَّها وتنبهرَ بها.

بلادٌ لا يمكن إلّا أن تذكّرَكَ ببلاد العـُـرب والغِـربـان، هناك حيث تُذبح الأوطان. تذكّركَ بوطنك فتُـشـجيك وتُدمع فؤادك وروحك. تذكّرك به لا لأنّه تشبهه، بل لأنّها لا تشبهه ــــ وكم تمنّيتَ لو...

هناك، في جمهوريّة التشيك، على بعد سفرٍ جوّيّ لأربع ساعات من هنا، هناك في پـراﭺ معشوقة ڤـولـتـاڤـا الذي يخترقها ماءً وبهاءً، وتحيطه هي ألقًا وأناقةً، هناك أدركتَ سرّ قصّة عشق دامت ثلاثة عقود بين شاعر ومدينة.

هناك في پـراﭺ ("پـْراها" بلغة أهل الجمهوريّة التشيكيّة -"پــْراها"! سبحان مَن بَـراها!)، هناك أدركنا مجدَّدًا أنّه قد تكون للمرء أوطانٌ لا وطنٌ واحد وحيد. هناك في العاصمة الحسناء الباهرة الساحرة، عرفتَ أنّ محمّد مهدي الجواهريّ، شاعرَ العراق الكبير (الذي أمضى من عمره المديد ثلاثين سنة في عاصمة تشيكوسلوڤاكيا آنذاك)، لم يكن في اغتراب، وإنْ كان في غربة.

في بلاد البهاء تلك، حيث لم تصْدف خلال ثمانية أيّام سياحتك في نهاية آب سنتمترًا مربّعًا واحدًا من غبار، عاينتَ مجدَّدًا كيف تنتقل الشعوبُ من مرحلةٍ إلى مرحلة، وتجتاز أزماتِها، فتَصعد وتَسعَد وتُسعِد وتبني أوطانًا. في تشيكيا، شاهدتَ دولةً هي مَعرِضُ جَمالٍ وأناقة. كيف لك أن تنسى جَمالَ العمارات والمنازل وواجهات المحالّ التجاريّة؟!

 

سـيـاحـة فـي سـاحـة

في طرف ساحة ڤاتسلاڤ الكبيرة، كان هناك عشراتُ الناس: نصفُهم أطفال، والنصفُ الآخر كبارٌ مأخوذون بروعةِ ما يروْن، مبتهجين كالأطفال وبالأطفال. كان هناك شابٌّ دفعته الحاجةُ إلى ملء صندوق كبير بالماء والصابون والغراء، صانعًا من ذاك المزيج بالوناتٍ مختلفةَ الأشكال. إلى جانب الصندوق علبةٌ صغيرةٌ جمع فيها ما يتفضّل به المشاهدون من قطع نقديّة. تتطاير البالونات كبيرةً وصغيرة، كرويّةً وبيضويّة، ثمّ تتلاشى، فيصنع الشابُّ غيرها. لدقائق وقفتُ مبهورًا مسرورًا. كانت السماء ترشّ بعض رذاذ ممّا أخذتْه من البحر ومن البَرّ. وبَيْنا كنتُ أتحسّس القطع النقديّة التي في جيبي لأتوجّه إلى العلبة الصغيرة المجاورة لصندوقه، فاضت السماءُ بخيرٍ عميم فَرّق المجتمعين في الساحة، ودفَعَ الشابَّ أن يلملم أغراضه مبتعدًا عن ناظريّ.

في لحظة، تحوَّلَ مدخل المحلُّ التجاريّ إلى مأوًى في انتظار توقُّف هطول المطر. طال الانتظار قرابة ربع ساعة. وفي لحظةٍ ما، سمعتُ كلامًا عربيًّا لطيفًا. كان هناك ثلاثة سوريّين يتبادلون أطرافَ الحديث بصوت مسموع لا إزعاج فيه.

كالمُخْبرين وجدتُ نفسي أسترقُ السمع وأحرص على عدم الاقتراب من الثلاثة كَيْلا أسبّب لهم إزعاجًا، ولئلّا أسبّب لنفسي إحراجًا إن لاحظوا ما أتعمّد فعله. كانت تلك دقائقَ حلوةً حقًّا. لهجاتُ السوريّين تأسرني حين أستمع إليها في المسلسلات، فما بالك حين تكون حيّةً لا مسجَّلةً؟!

كان الثلاثة رجلين وامرأة. فهمتُ أنّ أحد الرجلين مقيم في پراﭺ منذ مدّة قصيرة، وأنّ الآخرَيْن هما امرأة وزوجها يخصّانه. بدا لي أنّ الزوجين قد وصلا إلى العاصمة التشيكيّة منذ وقت قصير جدًّا، وأنّ الثلاثة تواعدوا على الالتقاء في الساحة الجميلة ليتابعوا مسيرهم صوب ساحة الساعة. ابتسمتُ حين سمعتُ الزوج يفسّر لزوجته سبب تسمية هذه الساحة؛ فقبل ذاك بأيّام قليلة، كنتُ قد أخبرتُ رفاقي في الرحلة أنّ تلك الساحة، التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر، قد أُطلق عليها ذاك الاسم نسبة إلى ڤاتسلاڤ هاڤل (2011-1936)، وهو كاتب مسرحيّ تولّى رئاسة تشيكوسلوڤاكيا منذ نهاية العام 1989 حتّى تمّوز من العام 1992، ثمّ تولّى رئاسة جمهوريّة التشيك وحدها (بعد انفصال شطرَيْ تشيكوسلوڤاكيا وتشكيل دولتين) من العام 1993 حتّى العام 2003. وأردفتُ أمام رفاق الرحلة أنّ الأمر غريب نادر؛ فأين تجد مجتمعًا يرئّس أحدًا من أهل الفكر أو الثقافة أو الفنّ؟! لكنْ بعد يومين من وصولنا إلى تشيكيا وادّعائي المعرفة، اتّضح لي، من تصفّح غوغل، أنّ تلك الساحة تُنسب إلى اسم أحد القدّيسين التشيكيّين.

حاولتُ أن أحفظ الكثير ممّا سمعتُ من السوريّين الثلاثة. تحدّثوا عن أوضاع سوريّا، ولا سيّما عن دخول إرهابيّي العالم إليها. أوْضحُ ما سكن في الذاكرة تَحَدُّثُهم عن عرسٍ سوريّ يبدو أنّهم مدعوّون إليه هنا في پراﭺ. المضيف من بين الثلاثة تحدّث عن سوريّين شهدهم يحتفلون بعرس رغم كلّ الظروف. وتوّج كلامه بما لا يُنسى: "ثقافتنا ثقافة فرح. ما فيهن يفرضوا علينا ثقافة تانية مَهما حاولوا."

عبلّين- فلسطين

اتّصل بنا من نحن دار الآداب