Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

سمير القنطار و"استدخالُ" الدعاية الإسرائيليّة

موقف

 

تحت اسم القائد جمال عبد الناصر، قاد "اللبنانيُّ،" "ابنُ الجبل"، عضوُ جبهة التحرير الفلسطينيّة، الشابّ سمير القنطار، في أواخر السبعينيّات من القرن الماضي، عمليّةً عسكريةً في نهاريا ضدّ الكيان الصهيونيّ، عبر الجنوب اللبنانيّ (صُور)، وسُجن بسببها قرابةَ ثلاثين عامًا.

في زمنٍ أسبقَ، لم تكن الحدودُ الجغرافيّة (بين قُطْرٍ عربيٍّ وآخر)، ولا التضاريسُ الداخليّة (بين ساحلٍ وجبلٍ ووسطٍ ضمن القطْر الواحد)، أو الفوارقُ الطائفيّةُ والمذهبيّة، أو الجيليّة (بين شابٍّ وكهلٍ وشيخ)، أو الجندريّة أحيانًا، قاطعةً أو توحي بالثبات الأبديّ مثلما قد توحي اليوم؛ كانت فلسطين توحِّدُ اليمنيَّ والأردنيَّ والتونسيَّ والسوريَّ والمصريَّ وملايينَ العرب الآخرين (وكثيرين من غير العرب أيضًا)، على اختلافهم. في العام 1936، مثلًا، قاد الثورةَ الفلسطينيّةَ ضدّ البريطانيين شيخٌ من جّبلة (من أعمال اللاذقيّة في سوريا)، سبق أن تخرّج من الأزهر (في مصر)؛ وكان اليمنيُّ والتونسيُّ يقاتلان العدوَّ الإسرائيليَّ في قلعة الشقيف سنة 1982 إلى جانب اللبنانيّ والفلسطينيّ؛ بل لماذا نذهب بعيدًا: فسمير "اللبناني" نفسُه قام بعمليّته الأولى، التي سبقتْ عمليّة نهاريا/القائد جمال عبد الناصر، من الحدود الأردنيّة ـــــ الفلسطينيّة، إيمانًا منه، بلا شكّ، بأنّ صراعنا مع الكيان الصهيونيّ الغاصب لا تعوّقه حدودٌ وتضاريس.

 المهم أنّ سمير القنطار، القائمَ، شأن آلاف آخرين في ذلك الزمن، عند تقاطعِ لبنانَ وفلسطينَ والعروبةِ (الناصريّة) واليسارِ، ما إنْ خرج من الأسْر الصهيونيّ المديد حتى بدأ العملَ، وبالتنسيق الكامل مع حزب الله والنظام السوريّ، من أجل العودة إلى فلسطين، وهذه المرّة من بوّابةٍ ثالثةٍ غير الأردن ولبنان: هي بوّابة الجولان المحتلّ. وحين اغتالته، قبل أيّامٍ في سورية، غارةٌ إسرائيليّةٌ، لم يكن السبب أنّه "يؤيّد بشّار قاتلَ الاطفال،" ولا لأنّه يدعم "نظامَ البراميل"؛ فلو كان الأمرُ كذلك لاستهدفتْ إسرائيلُ أشخاصًا آخرين من أنصار ذلك النظام الذين لا يفعلون شيئًا لمقاومة إسرائيل فعليًّا. كما أنّها لم تغتله لأنها أرادت أن "تثأر" لدم الطفلة الإسرائيليّة التي زُعم أنّ سميرًا "هشّم رأسَها بعقب بندقيّته" في عمليّة نهاريا؛ وإلّا لكانت استهدفتْ مئاتِ الأسرى المحرَّرين الذين قاموا بعمليّاتٍ أكثر دمويّةً قبل أن تأخذَهم الحياةُ إلى مشاغلَ أخرى، نضاليّةٍ أو غيرِ نضاليّة . إسرائيل استهدفتْ سمير القنطار لسببٍ واحدٍ لا غير:  لأنّه لم يتوقّفْ عن القتال، بل الأنكى بالنسبة إليها أنّه قرّر أن يصعّد هذا القتال باتجاه فتح جبهةٍ جديدةٍ طال انتظارُها وتأخّرَ "توقيتُها المناسبُ" عقدًا بعد عقد!

إسرائيل لا يهمُّها "المقاومون" الدجّالون أو المزايدون. ولا يهمُّها "المقاومون السابقون" (على قياس اليساريين السابقين)، التائبون، الزحفطونيّون، المسبِّحون بحمد السلام والواقعيّة وموت الإيديولوجيا. إسرائيل لا يهمُّها إلّا من بقي مقاومًا ويخطّطُ على مدى سنواتٍ لاحقة لأن يكون مقاومًا أفضلَ، وأذكى، وأشرسَ، وأوعى، وأوسعَ امتدادًا، وأعمقَ انتشارًا.

كلُّ هذا يعلمه الجميعُ، أو الكثيرون. ومع ذلك، ففور اغتيال سمير، عمد عددٌ من "المعارضين" إلى تشويه ماضيه (تحديدًا عمليّة نهاريا/القائد جمال عبد الناصر)، وتزويرِ ما كان يقوم به في سوريا في الآونة التي سبقتِ استشهادَه. نعم، سمير القنطار لم يُخْفِ يومًا تأييدَه للنظام السوريّ، ولعلّه لم يكن "نقديًّا" ولا متحفّظًا في ذلك التأييد. ومن حقّنا جميعًا، أيًّا كانت خلفيّاتُنا ومواقفُنا، أن نناقشَه في خِياراته، حتّى بعد استشهاده، إنْ حرِصْنا على تطوير المقاومة ــــ وهو أحد الأهداف العليا للمناضلين والمثقفين العضويين. ما لا يحقّ لنا أن نفعله هو أن نكذب. لا يحقّ لنا مثلًا، أن نتبنّى روايةً إسرائيليّةً، عمرُها من عمر التدليس الصهيونيّ، زعمتْ أنّ سميرًا "هَشّم" رأسَ الطفلة الإسرائيليّة؛ فجريدة معاريف نفسُها أكّدتْ في 22/4/1979 أنّ الطفلة "قُتلتْ في تبادلٍ لإطلاق النار على الشاطئ" بين المجموعة الفدائيّة التي قادها سمير والقوّاتِ الإسرائيليّة.(1) ولا يحقّ لنا، مثلًا آخرَ، أن نزعم أنه يشارك في "قتل أطفال سوريا" من دون أن نقدّم أدنى دليل. لا يحقّ للمرء أن يزيّف الحقائقَ ويلوّثَ تاريخًا عريقًا من النضال في الميادين والسجون والمعتقلات ومراكز التحقيق الإسرائيلية لمجرّد اعتراض ذلك المرء على محطّةٍ تاريخيةٍ واحدةٍ من حياة سمير، هي مرحلةُ تحالفه مع النظام السوريّ... وخصوصًا أنّ هدف سمير من هذه المحطّة لم يكن خدمةَ النظام السوريّ في ذاته، بل خدمة فلسطين وقضيّة تحريرها من إسرائيل، ومن خلال جبهة الجولان التي قد يعرف عنها سمير أكثرَ من آلافٍ غيره.

ما لا يجدر بنا أن نفعله هو أن نزيّفَ النضالَ القوميّ المديدَ من أجل فلسطين بسبب وجود صراعٍ في سوريا وعلى سوريا، وأن "نستدخلَ" دعايةَ إسرائيل ضدّ المناضلين العرب من أجل دعم إسقاط النظام السوريّ. وبالمناسبة: هذا الاستدخال لا يَخدم هؤلاء المستدخِلين على الإطلاق، بل يصوّرُهم معادين لتحرير فلسطين من الاحتلال أكثرَ ممّا يصوّرهم مناصرين لتحرير سوريا من الاستبداد.

بيروت   

 


1-  راجع الدقيقة 35 من الشريط الآتي:

https://www.youtube.com/watch?v=ZStEXwldwm0&app=desktop

اتّصل بنا من نحن دار الآداب