شهريار يرحل وحيدًا
25-11-2015

 

لا أدري كم أمتدّ نومي على هذه الحالة.

 

يدي تحت رأسي، وعنقي ملتوٍ، وتنفّسي مضطربٌ حتى لأكاد أختنق.

لا يدَ تربّتُ بحنانٍ على رأسي أو كتفي، أو تداعبُ خدّي، لتنبّهَني بسلاسةٍ إلى أنّ نومي سيّئ، وإلى أنّه ثمّة مَن يهتمّ بي وبراحتي.

لم أجدْها حيث ننام في مقصورتنا. تأمّلتُ الفراشَ الخالي، وتساءلتُ: منذ متى كفّت عن رواية الحكايات التي كانت تأخذني إلى عالمٍ ساحر، ونومٍ هانئٍ، فأريح رأسي في حضنها كأنّني طفلُها؟

تحاملتُ على نفسي، وأنا أترنّح، وتوجّهتُ إلى جناح ولديْنا. حين دفعتُ البابَ الموارب، رأيتُها تتمدّد في سرير ابننا الأصغر، بينما هما يريحان رأسيْهما على ذراعيْها. كانت تستلقي على ظهرها، وشعرُها الأسود ينبثق من تحت رأسها، ويؤطّر وجهَها الغافي المطمئنّ.

لبثتُ أتأمّلهم. ولوهلةٍ شعرتُ كأنّني غيرُ موجود؛ فحضوري لا يلفت انتباهَ أحد. وتساءلتُ، وكأنّني أوجّه سؤالي إليها: "منذ متى اعتدتِ تركي نائمًا في جناحي الملكيّ وحيدًا، لتنامي مطمئنّةً بين طفليْنا الغارقيْن في سبات عميق على ذراعيكِ اللتين لطالما أرحتُ رأسي بينهما، وغفوتُ عميقًا، لا أتقلّبُ، بفضل حكاياتك التي هدهدتْ قلقَ روحي؟ أبتِّ، يا حبيبتي، تستمتعين برواية الحكايات لهما أكثر من روايتها لي؟!"

خطر ببالي أن أشدّها من أصابع راحتها الجميلة، لأوقظها، لأزجرَها بصوتٍ لم أفجّرْه في وجهها منذ أن أخذتني إلى عالم حكاياتها في ليلة زواجنا الأولى؛ صوتٍ كثيرًا ما أرعد في وجه كلّ فتاةٍ تزوّجتُها، منذرًا بوضع حدٍّ لحياتها. وددتُ أن أصرخ بأعلى صوتي: "ماذا فعلتِ بي؟! كيف تهجرينني، وتنشغلين بابنيْنا، وكأنّني شيء لا لزوم له؟!"

يا إلهي، أأغار من طفليَّ؟!

منذ دخلتْ قصري لم يعد جنسُها ملعونًا، منذ أن باتت أمًّا لابنيَّ الوادعيْن الضامنيْن لدوام حكم سلالتي من بعدي، بدمٍ نقيّ لا تشوبه شائبة؛ فلقد جعلتها حبيسة القصر ثلاثَ سنوات، ولم تغب عن "عيوني" في القصر. ولكنْ، ما أدراني أنّها أحبّتني كما كانت تردّد بهمسها المدوِّخ في الفراش، وأنا أريح رأسي على فخذيْها، فيما هي تسكب حكاياتِها الساحرةَ في أذني؟

منذ متى تتسلّل إلى جناح الأميريْن، اللذيْن ينتظرانها كلّ ليلة ربّما بعد أن تنيم أباهما الملك؟

أتراها ملّت روايةَ الحكايات لي؟ أمْ أنّها لم تعد تملك حكاياتٍ تنيمني بها؟

واضحٌ أنّ الولدين اجتذباها منّي، وأنّهم ــــ الثلاثة ــــ باتوا أسْرةً لا تحتاج إليّ، وبتّ زائدًا عن الحاجة!

هل انتهت حكايتُنا يا سيّدة روحي؟!

كان عليّ أن أتنبّه إلى أنّ حكاياتك لي غدتْ سريعةً، وأنّكِ صرتِ تروينها بلامبالاة. وهذا ما أفقد مخيّلتي متعةَ التحليق إلى بلادٍ بعيدة، إلى دنيا لا تخطر على بال بشر.

بماذا تحلمان يا أميريَّ؟ أمّا أنا فلا أحلم؛ فلياليَّ باتت خاويةً بعد ان انتزعتما أمَّكما منّي!

***

جرجرتُ ساقيَّ تحت جسدي المتهاوي، عائدًا إلى جناحي الفارغ. وضعتُ تاجي الملكيّ على السرير فوق وسادتيْن. تأمّلتُه. راودتني فكرةُ تحطيمه، ثمّ دحرتُ الفكرة.

ها أنا أترك لكِ التاجَ، والولديْن، والسريرَ الخالي، بل أترك لكِ المملكة أيضًا. فقد عزمتُ منذ أزحتِ رأسي عن حضنك، وهجرتْ أصابعُكِ رأسي، على الرحيل.

مرّةً، وأنا في موكبي المهيب، رأيتُ في الريف رجلًا يحمل على كتفه صرّةً، ويتوكّأ على عصًا. كان يغنّي، وهو يتمشّى بين الحقول، متوجّهًا إلى لامكان. تمنّيتُ أن أكون مثله: أتمشّى بين الحقول، وأسافر إلى حيث أشاء، بلا موكب ولا حاشية.

سأحقّق أمنيتي. سأفعل. وحين تستيقظين لن تجدي مليكَكِ، ولن تضطرّي إلى سرد الحكايات لتهدهدي روحَه.

هيّا، فلأُعِدّ صرّةً تحوي بعضَ الملابس. ولأحملْ قليلًا من المال، وعصًا عاديّةً من عصيّ كرومي. ولأمضِ مع الفجر إلى حيث تأخذني أقداري. ولتؤلّفْ سيّدتي حكايةً جديدةً ترويها للأميريْن الصغيريْن عن ملكٍ اختفى تاركًا عرشَه من دون أن يعرف أحدٌ إلى أين يمضي.

هل ستخبرين الأميرين أنّ والدهما الملك تزوجّ من جنّيّة سحرتْه وأحبّها، فأخذته إلى مملكة أبيها تحت مياه البحر؟

هل ستتساءلين، عندما تريْن عجوزًا يحمل بقجةً على ظهره، ويمضي متوكّئًا على عصًا بين الحقول: أيكونُ قد صار كهذا العجوز، مترحّلًا في بلاد لن يعود منها؟

***

وداعًا لزمن الحكايات. فلأذهبْ وحدي في حكايتي التي تبدأ مع هذا الفجر.

عمّان

رشاد أبو شاور

قاصّ وروائيّ فلسطينيّ من مواليد العام 1942. انخرط في صفوف المقاومة الفلسطينيّة واستلم عدّة مناصب في مؤسّسات منظّمة التحرير الفلسطينيّة. عمل نائبًا لرئيس تحرير مجلّة الكاتب الفلسطينيّ الصادرة عن اتّحاد الكتّاب العرب والصحفيّين الفلسطينيين في بيروت. عضو في جمعيّة القصّة والرواية.

من مؤلّفاته:

البكاء على صدر الحبيب- رواية - بيروت 1974.

العشّاق - رواية - بيروت 1978.

آهٍ يا بيروت - مقالات - دمشق 1983.

الربّ لم يسترح في اليوم السابع - رواية 1986.