Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

عامل التنظيف

قصة قصيرة

 

 

نظرتْ إلى شاهد القبر الحجريّ والدمعُ ينفلتُ من عينيها: ما أوحشَ هذه الحياةَ حين يُغادرها الأحبابُ!

مرّرتْ كفّها في خشوع فوق الإسمنت الذي يرقد تحته: أستودعُكَ الله. سأعود إليك مرّةً أخرى ببعض الورود.

وانقلبتْ راجعةً إلى دارها في كمدٍ.

***

عند مدخل الشارع الذي تسكن فيه، رأت غبارًا. ثمّ تراءت لها مكنسةٌ تحرّكها يدان، بحماس. أسرعتْ نحو باب الدار تفتحه. اقتحمت المطبخ:

ــــ أمّي، أرأيتِ؟

ــــ ماذا؟

ــــ جاؤوا بعامل تنظيف!

ــــ حياتي صَبحة...

تضمُّها الأمُّ بيديها كلتيهما.

تغرَق الفتاة في البكاء.

***

تتالت الأيّام، واستأنس الجيرانُ بالعامل ذي الملابس الخضراء يمرّ كلّ صباح. يجرّ عربتَه الضخمة. يجمع الأوساخَ فيها، ثمّ يعود بها عند الظهر، وقد أضحت كالجبل.

كان العامل شابًّا يافعًا، أسمرَ البشرة، دائمَ الابتسامة، مبادرًا بالتحيّة. يعمل بتفانٍ. لا يَرى كاغدًا في الشارع إلّا أزاله.

ويومًا، كانت صَبحة ترمقه من الواجهة الأماميّة للمنزل منحنيًا لتعبئة الأوساخ، حين مرّ به رجلٌ يضع نظّاراتٍ سوداء. ركله، من دون سابق إنذار، ركلةً طرحتْه أرضًا. ثمّ أخذ في لطمه وشتمه وتهديده. وانصرف، كأنّ شيئًا لم يكن.

انطلقَتْ صبحةُ كالمجنونة نحو الشابّ المُلقى أرضًا. الدم يغطّي أنفَه. ثيابه الخضراء بدَت لها مألوفة؛ عيناه، شفتاه، ملامحُ وجهه، كذلك بدت مألوفة. عاونتْه على القيام، ثمّ أدخلَته الدار، وأخذت تنادي أبويْها.

الأمّ لاهثةً: "ماذا يجري؟"

الأب، متثائبًا خلفها يفرك عينيه من أثر النوم، وقد صودف أنّه يومُ راحته، حدّق في الشابّ، وقال:

ــــ أيّ صباح هذا؟ ما بك؟ ما أصابَ وجهك؟

العامل مخفيًا آلامَه: "تعرّضتُ للضرب."

تركض صَبحة بصندوق الأدوية، وتضعه أمام الشابّ. ثمّ تمسح دماءه، وتعقّم جرحَه.

الأب ذاهلًا: "هل أنفكَ يؤلمك؟"

ــــ لا. لا بأس. شكرًا على المُساعدة.

قالها بلطف قاصدًا صَبحة. وانصرف خجلًا بعد أن فضحتْه عيناه.

ــــ كيف تُدخلين زبّالًا أحمق إلى داري؟ ماذا لو لم نكن أنا وأمّك هنا؟ لقتلكِ وسرقنا أيّتها الفهيمة!

توقّفتْ عن إرجاع القطن إلى الصندوق. عيناها متلألئتان بالدّموع: "زبّال!! كأنّك نسيتَ العمّ صالح؟ ليسوا كذلك. هم أنظف منّا. هم يرفعون عنّا أوساخنا..."

وانفجرتْ باكيةً.

***

عائدةً من الكلّيّة بعد أيّام، التقت العامل الشابّ في أحد الأنهج. لم يرها في البداية. ألقت عليه السّلامَ، فالتفت بسرعة وازدادت ابتسامته عذوبة.

ــــ أهلًا بكِ. شكرًا على إحسانكِ لي المرّة الفارطة.

ــــ ليس في الأمر إحسان. هل أسألك؟

ــــ بالطّبع.

ــــ مَن يكون ذلك الرّجل؟

تنهّد طويلًا ثمّ قال:

ــــ رجل استدان منه أبي مالًا لم أستطع إرجاعه.

ــــ ولمَ لا يدفع أبوك المبلغ؟

ــــ أبي تركني وأمّي مديونيْن...

ــــ وأين ذهب أبوك؟

ــــ مات.

ــــ سامحني لم أقصد. أسأل؟

ــــ نعم أسمعك.

ــــ لمَ الدّيْنُ؟

ــــ كان يتداوى.

ــــ ما اسمك؟

ــــ عثمان.

ــــ أنا صَبحة. تشرّفت بمعرفتك.

ومدّت إليه يدَها مصافحةً.

علت وجهَه الأسمر ذا الملامح المألوفة حمرةٌ قاتمة. تناول المكنسة بيسراه، ومدّ يدًا مرتعشةً تكسوها آثارُ التراب والأوساخ.

ــــ هذا شرفٌ لي يا صبحة.

ــــ أتعرف يا عثمان؟ كانت تجمعني قديمًا علاقةُ حبٍّ بعامل تنظيف.

قطّب الشاب حاجبيه ثمّ قال مستغربًا:

ــــ أنتِ؟ كيف؟؟

ــــ فهمتَني خطأً! فقد عرفتُه شيخًا عاملَ خير. كان يدعو لي بالنجاح والتوفيق كلَّ صباح، ويناديني بابنته. كنتُ أسبقه لأكنسَ أمام الدار حتّى أريحه. لكنّه كان أحيانًا يسبقني. وحصل ذاتَ مرّة أن صدمتْني سيّارة، في مكان ليس بعيدًا عن هذا المكان، ومرّ الرّجلُ الطيّب من هناكَ، فحملني إلى المشفى، وتبرّع لي بدمه، وهو المريض. لقد أنقذني من الموت، ولكنّ الموت كان يتربّص به في تلك اللحظات.

تجري الدموعُ على خدّيها وهي تحكي. تسمع وقعَ سقوط المكنسة أرضًا. مصعوقةً نظرتْ إلى عثمان. كان يبكي بصمت.

تونس

اتّصل بنا من نحن دار الآداب