Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

عقربان كفيفان

قصة قصيرة

 

 

رنّ الهاتف بقوّةٍ قرب أذني. استيقظتُ فزعًا وصرختُ بأعلى صوتي: "أغلقوا هواتفَكم كي ننام قليلًا." تيقّنتُ من أنّ جهازي هو الذي يرنُّ بجانبي. ضغطتُ على أوّل زرٍّ لامس إصبعي، فتوقّف عن الرنين، وعدتُ إلى النوم. لا أدري كم تحرّك عقربا الساعة الكبيران على حائطي، لكنّني نمتُ حتّى عاود الهاتفُ الكرّة، وعاونه ــــ هذه المرّة ــــ صراخُ والدي: "أغلقْ هذه الخردة." أغلقتُه نهائيًّا. فتحتُ عينيّ، فثبتَتا على العقربين الأبلهين.

السابعة وعشر دقائق: تأخّرتُ. تأخّرتُ بعشر دقائق عن الاستيقاظ. لم يبقَ إلّا عشرون دقيقةً للذهاب. هببتُ من سريري. بحثتُ عن خفَّيَّ هربًا من لسعة برودة الأرضيّة. إلى الحمّام مسرعًا. العودة إلى الغرفة مسرعًا. لممتُ قميصي وسروالي عن الكرسيّ الذي رميتُهما عليه البارحة. وضعتُ نظّارتيّ: صار العقربان أوضح وأسرع.

السابعة وسبع عشرة دقيقةً: جلستُ إلى الطاولة وحيدًا. كانت أمّي قد استيقظتْ قبلي، وحضّرتْ قهوةً وخبزًا طازجًا، وعادت إلى النوم. إلى جانبهما بعضُ المال. لم يكن غيري مستيقظًا؛ فلا تسمع إلّا أصداءَ شهيقٍ وزفيرٍ من غرفة والديّ، ومن حينٍ إلى آخر يتعالى شخير. آه... هناك، أيضًا، عقربا ساعة المطبخ، بصوتهما الجليّ كضميرٍ صارخ.

السابعة وخمس وعشرون دقيقةً: رميتُ ما طُلتُه من الكتب والكرّاسات في الحقيبة من دون أن أتأكّد من أنّها مخصّصة لبرنامج اليوم. وقفتُ أمام المرآة محاولًا إيجادَ طريقةٍ لتخليص شعري من بشاعته.

السابعة وتسع وعشرون دقيقة: لم تبقَ إلّا دقيقةٌ واحدة! العقرب الكبير يحثّ السير. بحثتُ عن جوربين نظيفين. لم أجد. استعملتُ اللذين وجدتُهما في حذائي. أين المفتاح؟ لا أثر له. "بَلاه!" حملتُ الحقيبةَ والمال، وأغلقتُ البابَ ورائي في هدوء. تساءلتُ: هل ينام العقربان إنْ لم يكن أحدٌ في الغرفة؟

السابعة وثلاث وثلاثون دقيقةً: متأخّرٌ ثلاثَ دقائق. جذبتُ البابَ الخارجيّ بقوّة، تاركًا إيّاه ينغلق بمفرده. مشيتُ في طريقٍ ملتوية، غارقةٍ في سكون الصباح. من هنا وهناك، خرجتِ القططُ تتلمّس طريقَها، باحثةً عن فطورها بين المزابل. بلغتُ الشارعَ الرئيس. على الرصيف، تتعالى أصواتُ الموظّفين والتلاميذ وهم يحالون إيقافَ سيّارة تاكسي لا ترضى بالوقوف لغير البنات. والبنات غطّى وجوهَهنّ الصباغُ، في هذا الوقت المبكّر، وكأنّ ساعاتِهنّ في المنزل بلا عقارب! أمرُّ بجانبهنّ، في سيرٍ حثيث، حتّى أصل إلى مفترق الطّرُق. أُبطئ خطوي، علّي أرى وجهًا أعرفه، فيشاركني عبءَ المسافة. بلا جدوى! أواصل المشيَ بين الوجوه اليوميّة: المجنون، مروى، السمينة، الدجّاج، الخضّار، أستاذة الرياضيّات سابقًا، عُمّال المغازة، نادل المقهى، بائع اللبلابي، الميكانيكيّ، المُشرف على مركز التكوين. كأنّ اليومَ البارحةُ... الغدُ!

البارحة الساعة الخامسة: لم تبقَ إلّا ساعةٌ وأصير حرًّا. دخلتُ الدرسَ الأخيرَ أجرّ قدميَّ جرًّا. مكتوب على السبّورة "الخصائص التضاريسيّة للبلاد التونسيّة." قرأتُ هذا العنوان سبعَ سنين، ولا أدري موضوعَ الدرس إلى الآن. فجأةً، باغتني الأستاذ: "هل كرّاسك كامل ومنظَّم؟" أشرتُ بالنفي. قال في هدوء: "أخرجْ ولا تعد إلّا حين يصبح كرّاسُكَ جاهزًا!" لم أسمع شيئًا بعد كلمة "اخرجْ." تبدو الكلمة ــــ بصوتِ أستاذ، وقبل أن يتحرّك عقربا الدرس ــــ كدعوةٍ للغناء: I believe I can fly.

اليوم الساعة الثامنة إلّا ربعًا: أقفُ متّئكًا على أحد الأعمدة. الجرس يرنّ. تتقدّم نحوي تلك الطويلةُ قائلةً: "تعال. حَيِّ العَلَم." أنظرُ إليها بعينين بائستين، ولا أستوعبُ ما تقول. ينشغل ذهني: "ما اليوم؟" أُحسّ أنّني أضعتُ محورَ الزمن. تلك الشمطاء تسحبني من سترتي: "ماذا؟ هل أصابك الصمم. تعال حيِّ العلَم." أتذكّر أنّني طُردتُ البارحةَ من حصّة الجغرافيا. واليوم، أدرس تكنولوجيا؛ اليوم، إذًا، هو الأربعاء، يومُ العذاب الأسبوعيّ. لكنّني لا أتذكّر أنّني وضعتُ في حقيبتي كرّاسَ التكنولوجيا. هل أحيّي العَلَم الآن؟ ماذا عن الحارس المتّجه نحو الجرس؟! أُحسُّ وقعَ خطواته في أذني. أرى إصبعَه يقترب من الزّرّ الإلكترونيّ بالتّأثير البطيء. تبًّا لك!

الساعة الثامنة: دخلتُ الدرسَ آملًا ألّا يُكشفَ أمري. مرّت ساعةٌ ولم يحدث شيء. فجأةً، ناداني: "أسامة. أنت مطرود البارحة. هل أحضرت بطاقةَ دخول؟"

ــــ آآآآه... سآتي بها لاحقًا.

سكت. ثمّ وقف. تقدّم بين الصفوف باتّجاهي. وصل إليّ. كنتُ أنظر إلى زرّ ميدعته وقد كاد ينفجر فوق بطنه المنتفخ. سأل: "أين الكرّاس؟" ومن دون انتظارِ جوابٍ، أضاف: "هيّا أخرجْ!"

"أخرجْ من الآن... أنت حرّ" هكذا سمعتُه. خرجتُ. تكاسلتُ كقطٍّ استيقظ للتوّ من نعاسه. إلى أين؟ ساعاتٌ معلّقة في الهواء يلوكها عقربان، أين أصرفها؟!

في اللّيل: يغمض الضوءُ عينيه. ينزل هدوءُ الظلام على البيوت الساهرة. ويستبيح التلفزيون، المُتحلَّق حوله، العقربين. أنا في غرفتي. حولي سكونٌ رقيق. أنظرُ إلى الواجبات منتظرًا لحظةَ البدء في إنجازها، ولا تأتي. الكسل يمنعني من ذلك ــــ لا يهمّ، غدًا أنسخها من أصدقائي. السقف جميل في غرفتي. الوقت مطّاطٌ ساخن. صوتُ التلفزيون يملأ الساحات. وسقفُ غرفتي كونٌ أكتشفه.

الثانية بعد منتصف الليل: يغرق الجميعُ في نوم عميق. باب غرفتي مغلق. أفتح النافذة ليضيء مصباحُ الشارع غرفتي. لا رغبة لي في النوم؛ لقد شربتُ كلَّ ما تبقّى من القهوة خلسةً. سكونٌ حذرٌ يخيِّم على الجدران الأربعة. أسمع صوتَ العقربين في ساعة المطبخ يلهثان، ويتشاكيان مللَ الروتين اليوميّ. أتمدّد على سريري. تعب شديد يتملّكني. وزن ثقيل ينصبّ على رأسي. سيمفونيّة الـ"تّيك توك" كالسهام في طبلة أذني، وقد تعبتْ عيناي من حركة الجفون.

فترةٌ من التأمّل في سقف الغرفة، تتبعها حالةٌ من اللّاشعور. أتذكّر فيها أنّ غدًا يومٌ قديمٌ أعرفُه.

بنزرت، تونس

اتّصل بنا من نحن دار الآداب