Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

على ذمّة الغيب غدًا

نصّ

 

 

وجوه

أعرفُ هؤلاء الأشخاصَ الذين يركضون في داخلي في الليل. أعرفُهم جميعًا. ومنذ أكثر من عام وأنا أحاول تسميتَهم، لأميّزَهم بعضَهم من بعض. أعلمُ أنّ الأسماء ليست للتمييز؛ فالأشكال تكفي. ولكنّ المشكلة أنّهم متشابهون، متشابهون بشكل مخيف. وأنا فعليًّا لن أناديهم. ولماذا أناديهم؟!

أظنُّهم بالأمس كانوا يلعبون لعبةً ما: أحدُهم يلبس قناعًا يشبه وجهي، والباقون يهربون منه خوفًا. لم أتفاجأ بقدْر ما تساءلت: أأنا مخيفٌ إلى هذه الدرجة؟!

يا إلهي، ما أقسى أن ترى وجهك يركض بين وجوهٍ تهرب من جسدٍ إلى آخر.

 

الحلم

بالأمس حلمتُ أنّني ضرير. ولكنْ، لأنّني أحلم، لم أرَ أيَّ ظلام؛ فقد كنتُ أرى بشكلٍ طبيعيّ، وشيءٌ ما أخبرني أنّني ضريرٌ، فتصرّفتُ كأنّني ضرير: سمعتُ من حولي صوتًا يرشدني، ورأيتُ يدًا تساعدني على تحسّس الأشياء، وتلقّيتُ صفعةً ولم أحاول أن أتحاشاها مع أنّني رأيتها، ولكنّني احترمتُ الحلم وصدّقتُ أنّي ضرير.

 

في الداخل

في داخلي الآن تمطر عيونٌ بشريّة.

تحلّق ذبابةٌ ضريرة.

طفلٌ بشكل عجوز.

صوتُ أمّي ينادي بشيء ما.

أيدٍ مبتورة الأصابع.

جموع تسير، جميعُهم أنا.

 

الظنّ

كنتُ أظنُّ أنّ الحبّ أن أنتظرَ مَن أحبّ؛ أن أكوي قميصي الجديدَ مرّتين؛ أن أميّز بين جوربي الكحليّ والأسود، كي لا يفضحني ضعفُ النظر واختلافُ الألوان. واليومَ فهمتُ أنّ الحبّ هو أن أرمي الوقت والساعات، وأن أركضَ بقميص قديم وجوربين مختلفين نحو مَن أحبّ.

 

خوف

كلَّ أسبوعٍ أسمعُ صوتَ وترٍ جديدٍ ينقطع، بسبب الرطوبة، من كمانِ جاري الضرير. أعرفُ هذا الصوتَ جيّدًا: صوتَ الصراخ الذي يعلن موتَ شيءٍ ما.

ثلاثة أيّام لم أكتبْ فيها شيئًا. أراقب عاداتِ البيوت التي أمامي: إناثٌ يُقَبَّلنَ ويُضربنَ، أولادٌ يرتطمون بالطاولات، مومسٌ تتعرّى بلا سبب، وجاري يخون زوجتَه المسافرةَ إلى كندا. وأنا لا يشغلني سوى أن أسمع صوتَ الأوتار وهي تنقطع. حاولتُ أن أرصدَ عددَها، وأظن أنّني أخطأتُ بعد الوتر الثالث، لأنّني توهّمتُ صوتين ظننتُهما صادرين عن الكمان، وحتّى الآن لم أتأكّد.

جاري، الذي لا أعرف اسمَه، وُلِدَ ضريرًا. وهو الآن في الخمسين تقريبًا. أظنّ أنّ فتاةً في منتصف العشرين تزورهُ يوميًّا أو بشكل دوريّ. المهمّ أنّني أسمع طرْقًا على بابه. أخاف، أحيانًا، أن يكون هو مَن يطرق البابَ من الداخل، ليؤْنسَ وحدته.

اسطنبول

اتّصل بنا من نحن دار الآداب