Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

عن مناطقنا التي تختفي: صُور نموذجًا

مقالات

          

لا مفرّ: نحن نغيّر الأمكنة ونسهم في تسليعها. ومهما كانت نيّاتُنا طيّبةً ومدفوعةً بالعطاء أو المحبّة، فإنّنا ــــ عبر سلوكنا الباحثِ عن الترفيه ــــ غالبًا ما نكون مشغِّلًا أعمى لفائض القيمة، وأداةً منفِّذةً لأهواء السوق. لسنا أحرارًا في ظلّ النظام الرأسماليّ؛ فهو يتلاعب بعلاقتنا بالأشياء، موجِّهًا حاجاتِنا نحو ما يفيد البورجوازيّة، سياسيًّا واقتصاديًّا. "الاستهلاك" هي كلمة السرّ التي تستطيع أن تظهِّرَ ما نحن فاعلون في حلقة العرض والطلب.

في ظلّ الغياب شبهِ التامّ للسياحة الخارجيّة في لبنان في السنوات الأخيرة، تركّز العملُ في القطاع السياحيّ، في عدّة مناطق، على السياحة الداخليّة. وقد ظهرتْ جبيل والبترون وبرمّانا وغيرُها أماكنَ أساسيّةً بالنسبة إلى"البورجوازيّة الوطنيّة." أما صُور (في جنوب لبنان) فقد احتلّت في السنوات الأخيرة، بفضل بحرها "النظيف" مقارنةً بأماكنَ أخرى على الشاطئ اللبنانيّ الملوّث، دورًا مماثلًا بالنسبة إلى طبقةٍ اقتصاديّةٍ أقلّ ارتياحًا من الناحية المادّيّة، وتبحث عن استجمامٍ رخيص الثمن.

وإذ نتكلّم عن السياحة، فإنّنا نعرّفها بأنّها فعلٌ استهلاكيٌّ للموادّ والأفكار والممارسات والأمكنة. ويتمّ "استهلاكُ الأمكنة" عبر تسطيحها وتسليعها، أيْ عبر تحويلها إلى مادّةٍ سهلةٍ للتبادل، بعد تجريدها ممّا يمكن أن يَحْمل ألمًا أو ظلمًا أو "قذارةً" ما، فتغدو هذه الأمكنةُ مدنًا (شبهَ) فاضلة، وسكّانُها بالغي السعادة. وذلك أشبهُ بمَنْ يكنس الأرضَ فيخفي الغبارَ تحت السجّادة لأنّ "الزوّار" سيصلون عمّا قريب.

هنا تكمن المشكلة السياسيّة في "السياحة" إذن: إنّها تكمن في تحويل الأماكن اليوميّة المعيشة إلى فضاءاتٍ تدّعي الكمالَ كي لا يَهْرب السيّاح؛ فهم، في هذه الساعات القليلة التي سيقضونها في الأماكن السياحيّة، يدفعون ثمن طلاء الشوارع ملوّنةً، وتجريد الشرفات من الغسيل الوسخ.

***

يتركّز تأثيرُ المدّ السياحيّ في صُور بين منطقتين أساسيتين: الحارة القديمة، المعروفة بـ"حارة المسيحيّة"؛ والشطّ الرمليّ المعروف بـ"الخِيَم."

أ ـــــ في الحالة الأولى تبدأ الأزمة بتحويل جزءٍ من هذه الحارة الفقيرة إلى مقصدٍ للسيّاح، وبتشجيعٍ مباشرٍ من البلديّة. فقد طُليتْ واجهةُ البيوت المطلّة على الشارع الرئيس (الذي يكاد لا يتّسع لسيّارةٍ واحدةٍ من شدّة ضيقه)، وزُيّن الشارعُ نفسُه حتى ليبدو شبيهًا بأحد شوارع قرى جنوب إيطاليا. وبسهولةٍ تامّةٍ يستطيع المارّةُ في هذا الشارع أن يشاهدوا ما يجري داخل البيوت، وأن يعاينوا حالة أهلها، ما يشكّل تعدّيًا مباشرًا على خصوصيّة الناس. هذا ناهيكم بمرور السيّارات (بهدير محرّكاتها وأصوات أبواقها) تحت شبّابيك غرف نوم الأطفال.على أنّ اهتمام البلديّة بهذا الشارع (30 مترًا فقط تقريبًا) جعل السيّاحَ لا يهتمّون بالشوارع الأخرى غير الملوّنة المحيطة به؛ فالمهمّ هو هذا الشارع فقط، والباراتُ القليلةُ المتناثرة حوله، والفنادقُ (البوتيك ــــ أوتيل) التي يملكها عددٌ قليل من العائلات البورجوازيّة من حارة المسيحيّة ــــ وهي فنادقُ أَغلقتْ بعضَ المنافذ إلى البحر ليتسنّى لروّادها الاستمتاعُ بها وحدهم!

ولأنّنا نتكلّم عن "حارة المسيحيّة،" فمن الطبيعيّ أن تكون هناك حارةٌ "للمسلمين،" أو ما يُعرف بـ"حارة الجلاجيق."* ومن اسمِها هذا تعرفون أنّها ليست وجهةً ذكيّةً للسيّاح، إذ ما من "تسويق" (ماركيتينع) في العالم سيجعل هذا الاسمَ جاذبًا لهم. هناك، لا ألوانٌ ولا باراتٌ ولا فنادقُ صغيرة جميلة على البحر، بل فقرٌ مدقع، وحاراتٌ ضيّقة، ومبانٍ تتكدّس ولا يرى أحدٌ فيها احتمالًا للاستثمار السياحيّ. هي أصلًا مخزنُ "زعران" أحزاب المدينة التي يفضّل زعماؤها الإبقاءَ عليها فقيرةً كي يستطيعوا السيطرةَ عليهم كما يريدون.

ب ـــــ وفي الحالة الثانية، نتكلّم على "الخِيَم،" وهي أكشاكُ القشّ التي تؤجّرها البلديّةُ، وتقع على الشاطئ الرمليّ جنوبَ المدينة. إلى هذه المنطقة، يتوجّه أكثريّةُ روّاد بيروت/ منطقة الحمرا، وهم أكثريّةُ سيّاح صور، وتحديدًا إلى خيمةٍ واحدة، بعيدًا عن أهل قضاء صُور بكامله الذين يتقاسمون حوالى أربعين خيمةً أخرى. ينغلق هؤلاء الروّادُ على أنفسهم كما يفعل الدخلاءُ عادةً، ويستمتعون بترفيهٍ "بريء" بعيدٍ عن صخب المدينة. والحال أنّ إحدى مشاكل السياحة هي النشاطات التي تنفصل عن "أهل المنطقة،" وتجعل الزوّارَ/السيّاحَ يبدون مجموعةً غريبةً عن المنطقة وأهلها، باستثناء البائع و"الغارسون" والعمّال الذين يقدّمون لنا الخدمات فيما نحن نؤدّي "دورنا" كسيّاح في الجنوب.

كنتُ أضحك حين يقول لي أحدُهم إنّه يعرف "أشخاصًا كثيرين" من صور، إذ أكتشفُ من أسمائهم أنّهم عمّالُ هذه الخيمة. من المؤسف فعلًا ألّا تخرج العلاقات التي نبنيها في مناطق السياحة والترفيه عن دائرة الاستهلاك، وأنّ كلّ ما تفعله هو إعادة إنتاج ديناميّات القوّة الموجودة. فكأنّنا نقول:"لسنا محليّين يا جماعة، بل سيّاح؛ فحافِظوا على العلاقة بيننا بهذا الشكل. نحن ندفع، وأنتم تقدّمون الخدمة. نحن هنا للترفيه عن أنفسنا، لا غير!"

***

هذه هي "صُور" بالنسبة إلى السيّاح: جزيرتان صغيرتان من الترفيه في وسط البحر. السيّاح، بهذا المعنى، يجردون الخريطة، فتبقى المناطقُ التي يزورونها، والناسُ الذين يخدمونهم فيها، وتختفي الأحياءُ والمناطقُ الأخرى والبشرُ الآخرون. وهكذا، عبْر زيارة أسبوعيّة قصيرة لجزءٍ صغيرٍ من المدينة، يُنتج السيّاحُ نظرةً استشراقيّةً اختزاليّةً للمدينة وناسِها.

المشكلة الإضافيّة في تسليع صُور و"سيْحنتِها" (تحويلها إلى مجرّد مقصدٍ للسياحة) هي أنّ السيّاح أولئك، وبزياراتهم "البريئة" المتكرّرة تلك، وبأعدادِهم الكبيرة، يَفْرضون ذوقًا وسلعًا جديدة ومختلفةً في سوقٍ لم تكن تعْرضها من قبل، واعتاد أهلُها سلعًا أرخص. كما أنّ هذه السياحة تشجّع على رفع أسعار الإيجارات وثمن الموادّ، وتدعم طردَ أصحاب الأملاك للمستأجرين الفقراء (ما يُعرف بالإنكليزية بـ gentrification) بغية احتلالها من قِبل سكّانٍ ينتمون إلى طبقةٍ أعلى.

في جميع هذه الحالات يؤثّر الاستهلاكُ في الشكل المدينيّ، وفي استخدامه. فتذوب مدنُنا وتختفي، وتنحلّ عنها الحياة، كما ينزلق آخرُ إصبعٍ لغريقٍ يتمسّك برزمة قصبٍ تغرق معه. وعليه، فإنّ السياحة الداخليّة، إذ ترتدي شكلًا "بريئًا" من أشكال الترفيه، فإنّها لا تقلّل من تأثير النموذج الرأسماليّ وتوجّهه. أفَليست المشاركة في تغيير شكل المنطقة، والمساهمةُ في تهجير أهلها، وتحويلُ حاراتها القديمة إلى متاحف ملوّنةٍ ميتة... مشاركةً في تسليع رأس المال للمناطق والمدن؟

السياحة، وما تشجّعه من تهجيرٍ قسريّ طبقيّ، هي مشاركة غير واعية في المشروع الرأسماليّ لتهديم مناطقنا. وهذه السطور نداءٌ ضدّ "البراءة،" وضدّ تسطيح الأمور واعتبارها "مجرّدَ" ترفيه.

بيروت

 


* جلاجيق: مفردها "جلجوق،" كلمة عامّيّة، تُستعمل للدلالة على الشخص الفقير، العديم الثقافة، المنتمي إلى مجموعة "غير مرحّب بها" اجتماعيًّا.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب