Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

غياب العتمة

قصة قصيرة

 

 

دخل أبو محمّد غرفتَه الصغيرة، الملاصقة لباب مقبرة المدينة الفاخرة، المكتظّةِ بأموات الدرجة الأولى من سكّان العاصمة. أوقد مدفأةَ المازوت، وانتظر انبعاثَ الدفء من حوافّها المتآكلة.

لم يعرف أبو محمّد، خلال أعوامه السبعين، من الدفء والحنان سوى دفء المازوت؛ فهو بلا زوجةٍ ولا أولاد، ولا أقارب من الدرجة العاشرة. ويُقال إنّ أمّه ولدتْه ورمتْه هنا، قُرب باب المقبرة، واختفت في جوف الليل؛ ليلتقطه ناطورُ المقبرة القديم، ويسلِّمَه إلى دار الأيتام، ويتوسَّطَ له أهلُ الخير، فيعيّنوه ناطورًا بعد وفاة الناطور السابق.

هكذا، أبصر أبو محمّد النورَ هنا لأوّل مرّة. وما زال يتابع النظرَ إلى هذه القبور الفاخرة بقيّةَ حياته؛ لا يخرج من المقبرة إلّا لإحضار حاجيّاته البسيطة.

في الميتم، كان يظنّ أنّ مربّيتَه هي أمُّه. وعندما كبُر وعرف الحقيقة، صُدم صدمةً قاسية. رفض في البداية تصديقَها، وواظب على زيارتها حتّى وفاتها، التي شكّلتْ ــــ بدورها ــــ صدمةً إضافيّة له؛ إذ خسر مصدرَه الأوّلَ والأخيرَ لما يشبه الحنانَ.

عندما يخرج من المقبرة كان ــــ لسبب غريب ــــ يقف قرب الباب الخارجيّ، ويطيل النظرَ والإصغاء. لعلّه كان يستجدي رائحةَ أمّه، أو بقايا مشيمته على الأرض. أو ربّما كان يتفقّد لونَ الخطيئة التي انسكبتْ هنا ذاتَ عتمة، ويُعيد تجميعَ زفراتِ أمّه وهي تلفظه ببطء.

***

اكتمل اشتعالُ المدفأة. وتطاول عنقُ اللهب محاولًا التحرُّرَ من وطأة المكان الذي حُشر فيه. وغزا الدفءُ جسدَ أبي محمّد اليابس، فاستسلم لنومٍ قَلِقٍ، ولأحلامٍ لا يَعرفها إلّا هو وهذه العتمةُ المتجذِّرةُ في روحه.

في الخارج، كان موكبُ الجنازة يقترب من باب المقبرة، وصوتُ القرآن المنبعث من سيّارةِ نقلِ الموتى ينشر الهلعَ والسكينةَ في الوقت نفسه. انتفض أبو محمّد، وفتح بابَ المقبرة لتدخل السيّاراتُ الفارهة، وعاد إلى غرفته من جديد.

في الليل، بعد انتهاء مراسم الجنازة، حمل أبو محمّد مصباحَه وخرج ـــــ كعادته ــــ يتفقّد قبرَ الزائر الجديد الذي انضمّ إلى مملكته الصامتة. هالتْهُ كمّيّةُ الورود المرميّة على قبره، إذ يتوجّب عليه أن ينقلها إلى الخارج.

بعد انتهاء مراسم الأسبوع، انتظر أبو محمّد حلولَ الظلام، وبدأ بحمل الورود الذابلة صوب الباب الخارجيّ للمقبرة.

في الخارج، كانت الرياحُ الباردة تجوب شوارعَ المدينة الفارغة، فتضفي على المكان حزنًا شفيفًا يذكِّر بكلّ مواسم الرحيل.

أنهى أبو محمّد نقلَ الورود الذابلة. كوَّمها قرب المكان الذي رمته فيه أمُّهُ ذاتَ خطيئة. جلس ليرتاح وهو يشيِّعُ المكانَ بنظراتٍ غريبةٍ وكئيبة. بدأ صوتُ سعاله المخنوق يخبو شيئًا فشيئًا.

في الصباح، مرَّت سيّارةُ البلديّة. توقّفت قرب تلّة الورود، وبدأ العمّالُ برميِها إلى السيّارة، وتفاجأ أحدُهم بجثّة أبي محمّد بين الورود الذابلة.

بعد انتهاء الشرطة من إجراءاتها المعتادة، حضرتْ سيّارةُ دفن الموتى التابعة لإحدى الجمعيّات الخيريّة لنقل الجثمان. وبينما كانت سيّارةُ البلديّة تَتّجهُ بالورود الذابلة صوب مكبّ القمامة، كانت سيّارةُ دفن الموتى تسير وحيدةً بجثّة أبي محمّد خارج تخوم المدينة، صوب مقبرة الغرباء.

اللاذقيّة

اتّصل بنا من نحن دار الآداب