Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

في أتون الحرب الأهليّة واجتياح 1978 (1 من 2)

شهادة
المحاور: 

 

يتابع الرفيق ماهر اليماني سردَ شهادته النضاليّة التي بدأها في الآداب على امتداد حلقات عدّة، فيتناول هنا بعضَ محطّات الحرب الأهليّة اللبنانيّة. ونظرًا إلى طول شهادته في هذا المجال فقد ارتأينا قسمتها إلى قسمين؛ على أن يتناول القسمُ الثاني، الذي سننشره الشهرَ القادم، "معركة الفنادق،" والدخولَ السوريّ إلى لبنان سنة 1976، والاجتياحَ الصهيونيّ سنة 1978، وبعضَ دروس الحرب الأهليّة اللبنانيّة.

***

في ربيع العام 1974، حوّلني أبو أحمد يونس، مسؤولُ الأمن في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، إلى العمل العسكريّ، بعد أنْ خدمتُ معه في جهاز الأمن ثلاثَ سنوات. والهدف: رفدُ القطاع العسكريّ بكوادرَ ومقاتلين جاهزين للقتال ضدّ العدوّ، تعزيزًا لقدرات المقاومة، بعد وهَنٍ أصابها نتيجةً لانشقاقِ مجموعةٍ كبيرةٍ من القطاع العسكريّ في لبنان مع الفرع "اليساريّ" في الجبهة (أبو يسار العراقيّ وأبو شهاب، بتحريضٍ من وليد قدّورة).

انتقلتُ إلى القطاع العسكريّ الأوسط (ويضمّ الخطّ الممتدّ مِن الساحل، جنوبَ نهر الليطاني، حتّى الناقورة، امتدادًا إلى منطقة كوكبا). حللتُ أوّلًا في مخيّم الرشيدّية، حيث توجَد قاعدةٌ عسكريّةٌ للجبهة، بانتظار تعيين مهامّي. بعد أيّام، كانت قيادةُ القطاع قد اجتمعتْ باللجنة العسكريّة، وجرى تسليمي قيادةَ القطاع في مخيّم البرج الشماليّ. انتقلتُ إلى "البرج،" والتقيتُ قائدَ القطاع، وهو شابٌّ سوريٌّ من الجولان اسمُه أحمد أمين، وكان مقاتلًا عمليّاتيًّا ممتازًا. بعد خمسة أيّام، اجتمعت اللجنةُ العسكريّة، التي كانت تضمّ مسؤولي القطاعات ومسؤولي العمل العسكريّ في الجبهة  بقيادة الرفيق أبو أحمد فؤاد، وعُيّنتُ نائبًا لقائد القطاع.

أمضيتُ الفترةَ الأولى متنقّلًا بين القواعد العسكريّة في القطاع، من الساحل وصولًا إلى الحدود اللبنانيّة  ــــ الفلسطينيّة. عشتُ مع المقاتلين، واستطلعتُ جوانبَ حياتهم اليوميّة، وسمعتُ منهم شكاواهم، ومعظمُها يتعلّق بالتسليح؛ فمقارنةً بـ"فتح،" كنّا نفتقر إلى السلاح الثقيل والمتوسّط. وكنت أقول لمسؤولي المجموعات والمقاتلين إنّنا مقاتلو حرب عصابات، ونتحرّك دومًا وبخفّة، وإنّ الأسلحة الثقيلة والمتوسّطة تعوِّق حركتَنا.

يومها، اتّخذتُ قرارًا بعدم تثبيت مواقع القواعد العسكريّة فتراتٍ طويلة؛ فهي عرضةٌ دائمًا للاستطلاع الإسرائيليّ، وللقصف الدقيق نتيجةً لتجميع المعلومات والتجسّس المعادي. انتقلتُ بداية إلى قاعدتنا العسكريّة في قانا الجليل، وهي موقعٌ متأخّرٌ عن الحدود، ونقلتُها شرقًا باتّجاه قرية كفرا.

كانت علاقةُ قواعد الجبهة الشعبيّة بالمواطنين في الجنوب اللبنانيّ طيّبة؛ فقد تعمّدنا ألّا نكون قريبين من البساتين وكرومِ الزيتون التي يعتاشون منها، ما خلق إحساسًا بينهم أنّنا نَنشد سلامتَهم في أيّ مواجهةٍ مع العدوّ، وألّا يصابوا في أيّ قصفٍ تتعرّض إليه قواعدُنا. كما أنّني نشّطتُ الاجتماعات الحزبيّة ضمن القواعد العسكريّة، وفيها كنّا نشدّد على البرنامج التثقيفيّ المتضمّن أقسامًا فكريّةً وسياسيّةً وأمورًا مرتبطةً بالعلاقة مع الجماهير. وشدّدنا مع المقاتلين على الأمور الآتية:

ــــ منع التعرّض لأيّ مواطن من القرى المحيطة.

ــــ منع المظاهر العسكريّة عند الدخول إلى القرى.

ــــ بناء علاقة طيّبة مع الجماهير. وقد بدأ ذلك بمساعدتنا الفلّاحين على جمع محاصيل الزيتون والدخان وغيرها؛ كما ساعدنا الأهالي في جمع القمامة، وفي تأمين المياه للآبار التي كانت تجفّ في أواخر فصل الصيف.

ولهذا ميّزَنا الناسُ من الفصائل العسكريّة التي لم تلتزم بقواعد مسلكيّة ضابطة للعلاقة معهم؛ وقد ظهر هذا التمايز عبر ممارساتٍ عديدةٍ قاموا بها: منها زياراتُهم قواعدَنا في الأعياد، وإسماعُنا ملاحظاتِهم عن الإشكالات التي يمكن أن نتجنّبها، بحيث نعالجها أوّلًا بأوّل (كسرعة سيّارة عسكريّة على الطريق، أو دخول أحد المقاتلين القريةَ بلباسه العسكريّ...). كما أنّ الكثير من القيادات والكوادر من الأحزاب اللبنانيّة في القرى كان يلفت نظرَنا إلى قضايا أو شبهاتٍ أمنيّة أو عناصرَ مشكوكٍ فيها.

ولن أنسى أنّ العديد من المثقّفين اللبنانيّين اليساريّين شاركوا في التثقيف الماركسيّ في قواعد "الجبهة،" وكانوا يستقبلوننا في بيوتهم لهذا الغرض، كمنيف فرج وحبيب كرشت ومحمود شعبان. وأخصّ بالذكر الشاعر عبّاس بيضون، الذي كان يزور والدتَه في مدينة صور في نهاية الأسبوع، فيستقبل مجموعةً من مقاتلي "الجبهة" في منزله صباحَ الأحد، ويعطيهم دروسًا في الاقتصاد السياسيّ وقضايا أخرى.

 

عن صور والحركة الوطنيّة فيها

وأذكر العلاقة المميّزة للجبهة، ولي شخصيًّا، مع أهل صور: ففيها كتلةٌ كبيرةٌ من الأحزاب الوطنيّة، كالحزب الشيوعيّ والحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ (بقسميْه يومها) وحزب العمل الاشتراكيّ العربيّ ومنظّمة العمل الشيوعيّ؛ وفيها شخصيّات اجتماعيّة وسياسيّة وفكريّة ونقابيّة ورياضيّة كانت للعلاقة بها ارتداداتٌ طيّبةٌ على "الجبهة" على الصعيديْن النضاليّ والإنسانيّ. فطبيبٌ كنصير بسمة، صديقٌ للجبهة، ومثقّف، وخلوق، وجريء، كان ضرورةً لنا كي نعرف أين نخطئ، وأين نُزعج اللبنانيّين المؤيّدين لنا حين نتّخذ قرارًا غير مدروس. هذا الطبيب كان من الوجوه النضالية المستقلّة التي رُوي الكثيرُ عنها، ولا سيّما في مجال المساعدة الإنسانيّة للفلسطينيّين واللبنانيّين وكلِّ الفقراء بلا تمييز، وفي الكثير ممّا عرفتُه عن دعمه المباشر للمقاومة إبّان الاحتلال الإسرائيليّ للجنوب بعد سنة 1982. فالسّلامُ لذكراه.

كانت مدينة صور مركزًا للقطاعيْن الأوسط والغربيّ للقواعد الجبهويّة. وفيها وجودٌ قويٌّ لقوًى يمينيّة تقليديّة (آل الخليل مثلًا)، ولقوى اليسار اللبنانيّ المتمثّل في أحزاب الحركة الوطنيّة، ووجودٌ كبير للفصائل الفلسطينيّة بالطبع. ومع اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة سنة 1975، وانهيار مؤسّسات الدولة، سيطرت "الجبهة" على مرفأ صور الاستراتيجيّ، وسلّمتْه إلى الحركة الوطنيّة، التي شكّلت "الأمن الشعبيّ" (بديلًا من مؤسّسات القوى الأمنيّة الرسميّة) الذي تولّى أمنَ المرفأ، وسلّم إدارتَه إلى نقابة الصيّادين برئاسة إبراهيم فرّان (شيخ الضيعة). وكان فرّان قد شكّل ميليشيا عسكريّةً، بدعمٍ مِن كتيبة أبو يوسف النجّار في حركة "فتح،" فوزّع مهامّ تفريغ سفن الشحن على الصيّادين. وقد لاحظ الصيّادون المسيحيّون أنّهم لا يصيبهم ما يصيب زملاءهم المسلمين، على الرغم من انتمائهم إلى الخطّ الوطنيّ العروبيّ. وقد بلغنا الأمرُ بسبب علاقتنا الطيّبة بنقابتهم وبالكثير منهم. فتوجّه قائدُ القطاع في الجبهة، أحمد أمين، إلى المرفأ مع مجموعة من المقاتلين، وقابل شيخَ الضيعة، وأصرّ على عدالة توزيع العمل على كافة الصيّادين. كان موقفُنا مدعومًا من جزءٍ كبيرٍ من القوى الحزبيّة اللبنانيّة، ولكنّها لم تكن قادرةً على التدخّل بفعل الدعم الذي يتلقّاه شيخُ الضيعة من مسؤولي كتيبة أبي يوسف النجّار. ضغط أحمد أمين، ومن معه من مسؤولي الحركة الوطنيّة، على نقيب الصيّادين، وألزموه بعدم التمييز بين الصيّادين، وبالسماح لهم باستيراد بضائعهم الخاصّة ليتاجروا بها، مع التشديد على منع استيراد الأسلحة أو نقل المخدِّرات إلى قبرص عبر هذا المرفأ. شَعَر أهلُ صور، بعد هذه الحادثة، براحةٍ لأنّ التمييز الذي كان قائمًا في المرفأ يضرب سمعةَ المدينة في العيش المشترك، وهي سمعةٌ ما زالت قائمة حتّى اليوم.

وفي هذا السياق أذكر أنّ "الأمن الشعبيّ" كان يتموّل من ضرائبَ يفرضها على العمليّات التجاريّة القائمة، ومن ضمنها حركةُ الاستيراد إلى المرفأ. وقد أوقعه ذلك في أكثر من مشكل مع شيخ الضيعة التابع لحركة "فتح" التي كانت تريد السيطرة على قرار الحركة الوطنيّة. وبالطبع كان داعمو الشيخ من بعض مسؤولي "فتح" يتدخّلون لصالحه أحيانًا. وذات نهارٍ من آب 1977 (بعد خروجي من السجون السوريّة)، وصلني من الحركة الوطنيّة في صور أنّ مجموعاتٍ تابعةً لعزمي الصغير، من كتيبة أبي يوسف النجار، تستعدّ للهجوم على مراكز الأمن الشعبيّ في المدينة، نتيجةً لخلاف مع شيخ الضيعة حول استيراد شحنةٍ من المسدّسات. قدتُ مجموعاتٍ من الجبهة، تصحبها أربع عشرة سيّارةً مسلّحةً برشّاشات متوسّطة، وسيطرنا على معظم الشوارع، خصوصًا في محيط المرفأ والسراي و"حارة المسيحيّين،" وأعلنّا الاستنفارَ استعدادًا للتصدّي لأيّة محاولةٍ لاقتحام المدينة. استنفرتْ ميلشيا شيخ الضيعة حول مراكزها، لكنّهم لم يتحرّكوا خارجها؛ كما أنّ وحدات "فتح" تراجعتْ. ومع تدخّل قيادات الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة، تراجع التوتّر، وانسحبنا من المدينة بطلبٍ من الحركة الوطنيّة. ولاحقًا حرق أهالٍ من المنطقة مستودعاتِ شيخ الضيعة.

 

مارون الراس: التحرير الأوّل

استكملتُ تحريكَ القواعد العسكريّة كلّها، ودفعتُ ببعضها نحو الشريط الحدوديّ، حيث أنشأنا قاعدةً بالقرب من بنت جبيل (كان قائدُ القطاع مطّلعًا على كلّ هذه التنقّلات ومبارِكًا لها). ثمّ استطلعتُ مع رفيقين ــــ هما الشيخ جبر (فلسطينيّ من سوريا استُشهد سنة 1976 في جزّين، في اشتباك مع الإسرائيليّين وقوّاتِ العميل سعد حدّاد)، وشابٌّ لبنانيّ من عدلون من آل عبّود كنّا نسمّيه "أبو الفهود" ــــ الشريطَ الحدوديَّ كلّه، من كوكبا حتّى الناقورة، على عكس الاستطلاعات الجزئيّة السابقة. وخلصنا إلى أنّنا في حاجةٍ إلى رسم خطّةٍ شاملةٍ للدفاع على مجمل "الشريط." الجدير ذكرُه أنّ بعض الفصائل (وداخل "الجبهة" نفسها) كانت ترسم صورةً مبالغًا فيها عن الاحتياطات الأمنيّة الإسرائيليّة هناك، فوثّقتُ في تقاريري نقاطَ القوّة والضعف، وأماكنَ الأجزاء المراقبة إلكترونيًّا (وكانت قليلةً يومها)، والكمائنَ المعادية المشرفة عليها، وأشرت إلى نقاط محتملة لاختراق الشريط من أجل تنفيذ عمليّات داخل منطقة الجليل. كما تمكنّا من رصد الدوريّات في هذه المناطق، وأوقاتِها، ومواعيدِ تبديلاتها، ونوعيّةِ أسلحتها، وغيرِ ذلك من المعلومات الضروريّة.

بدأنا بتنفيذ عمليّات استطلاعيّة، ثم ببعض العمليّات الهجوميّة ضدّ آليّات حراسة الشريط الحدوديّ، وأفراد الدوريّات. كانت معظمُ عمليّات ضرب العدوّ تتمّ من داخل الأراضي الحدوديّة اللبنانيّة. لكنْ، مع عودة بعض دوريّات الاستطلاع بمعلوماتٍ تفيد عن هدفٍ دسمٍ داخل الأراضي المحتلّة، كنّا نرسل مجموعاتٍ قتاليّةً صغيرةً لتضرب الهدف، وكان أفرادُها يعرفون تمامًا أنّهم قد لا يعودون.

كانت العمليّة الكبرى هي تحرير مارون الراس من قبضة جماعة سعد حدّاد، الذين كانوا قد دخلوها انطلاقًا من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة فجرَ الثالث من آذار 1978، بدعمٍ مباشرٍ من القوّات الإسرائيليّة. كنت في اجتماع للقيادة العسكريّة للجبهة في صور، وبتوجيهاتٍ من المسؤول العسكريّ أبو أحمد فؤاد، انتقلتُ سريعًا إلى بنت جبيل، حيث عُقد اجتماعٌ بيني وبين قادة القواعد العسكريّة للجبهة في المنطقة من جهة، وبين معين الطاهر، قائدِ "الكتيبة الطلّابيّة" لحركة فتح وأركان الكتيبة من جهةٍ أخرى. كانت "الكتيبة" قد بدأتْ في نقاش آليّات استرجاع مارون الراس حين انضممنا إلى اجتماعهم. وكان هذا التنسيق ضروريًّا لكوننا القوّتين العسكريتين الرئيستين في المنطقة. وكان لا بدّ من استعادة البلدة لخطورة موقعها الاستراتيجيّ، إذ تكشف المنطقةَ الممتدّةَ من حاريص وتبنين إلى ميس الجبل، مرورًا بكلّ عُقد المواصلات بين القرى في هذه المنطقة الواسعة.

أُعدّت خطّةٌ سريعة، ووُزّعت المهامُّ وخطوطُ التقدّم. لم يكن ثمّة مهربٌ من تقدّم الآليّات العسكريّة المسلّحة، التابعة لنا ولحركة فتح، على الطريق الرئيس لقرية مارون الراس. وكانت قيادة هذه القوّة الرئيسة المشتركة بقيادتي عن "الجبهة،" وقيادة ضابطٍ من "الكتيبة الطلّابيّة" اسمُه عمّار. مع بدء التحرّك تعرّضنا لقصفٍ شديدٍ استهدف آليّاتِنا المتقدّمة، لكنّنا لم نتعرّضْ لأيّة خسائر. هذا وقد شارك "جيش لبنان العربيّ" بتمهيد الطريق أمامنا بالقصف المدفعيّ والرشّاشات الثقيلة.

مع تحرّك آليّاتنا من بنت جبيل، كانت مجموعة راجلة من "الجبهة،" تضمّ مقاتلين من "فدائيّي الشعب" (حركة يساريّة إيرانيّة مناوئة للشاه)، قد مشت في الطرقات الجبليّة الوعرة صعودًا باتّجاه القرية، فوصلتْ قبلنا، واستطاعت أن تضربَ دبّابة سوبر شيرمان مكلّفةً بالتصدّي لآليّاتنا. كما وصلتْ مجموعة من "الكتيبة الطلّابيّة" من قرية يارون أيضًا، ومجموعتان من منظّمة العمل الشيوعيّ والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، وخاضت اشتباكًا مع القوّات المحتلّة. في موكب السيّارات احتشدت القوّةُ الرئيسة، وتعرّضتْ لوابلٍ من القذائف. كنتُ وعمّار في سيّارةٍ واحدة، وفَصلتْ بيننا وبين قذيفةٍ تستهدف سيّارتَنا وهدةٌ إلى جانب الطريق. غطّانا غبارُ القذيفة، وسمعتُ صوتَ شظاياها تمزِّق حديدَ التويوتا التي نستقلّها. وصلنا إلى أوّل الضيعة بلا خسائر. نزلت المجموعاتُ المقاتلة من "الجبهة" و"الكتيبة،" وكانت ترافقنا مجموعةٌ صغيرةٌ من "المرابطون" ومجموعةٌ من الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. انتشرنا وخضنا معركةً شرسة، لكنْ سريعة، مع المحتلّين، فدمّرنا خمسَ آليّات معادية، وسيطرنا على اثنتين سليمتين. كما أسرْنا أحدَ أفراد القوّة المعادية.

في حدود الساعة الثالثة كانت المعركة قد انتهت، وانتشرنا في كلّ القرية. مشّطناها بحثًا عن هاربين. وفوجئنا بكمّيّة السلاح التي تركها الغزاة، إذ كانت أكبرَ بكثير من سلاح أيّة قوّةٍ متسلّلة. غير أنّ أجملَ ما في الأمر هو أنّنا لم نخسر أيًّا من مقاتلينا.

دام التحريرُ أيّامًا، إلى أن بدأ الغزوُ الإسرائيليّ في الرابع عشر من الشهر نفسه.

 

من بيروت إلى المعتقل السوريّ

قبل اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة، تشكّلتْ "جبهةُ الرفض الفلسطينيّة،" وكانت الجبهةُ الشعبيّة من أبرز مؤسسيها. شكّلتْ "الرفض" سرايا قتاليّةً مشتركة، إحداها كانت في منطقة صور، وعُيّن أبو الوليد العراقي (من جبهة التحرير العربيّة) قائدًا لها، وعُيّنتُ نائبًا له.
لم يؤثِّر اندلاعُ الحرب الأهليّة سنة 1975 في الوضع القائم في الجنوب اللبنانيّ. لكنْ، مع اشتداد الاشتباكات في بيروت، طُلب إلى السَّريّة أن ترسل تشكيلًا مقاتلًا للمشاركة في المعارك الدائرة هناك، فأُرسلتُ على رأس فصيلٍ تشكّل في معظمه من الجبهة الشعبيّة. انطلقنا بحرًا من صور في ثلاثة "فلوكة" للصيّادين، فيها سبعةٌ وعشرون مقاتلًا. كان طقسُ أيلول معتدلًا، وكان رذاذُ البحر يرسو على وجوهنا، ويصيب أسلحتَنا بالبلل، فنحاول مسحَها بالـ"فيلد" العسكريّ. اسمُ الفصيل كان "الانتحاريّون،" وتميّز بالعصبات الحمراء حول الرأس، وبالعنادِ في القتال.

رست الفلوكة قريبًا من جامع الأوزاعيّ. أوصلتنا عدّةُ سيّارات تابعة لأهل المنطقة إلى منطقة الفاكهانيّ، ومشينا إلى مركز عمليّات جبهة الرفض في أرض جلول. التقيتُ عبد الوهّاب الطيّب، مسؤولَ الأمن في جبهة الرفض (وهو من الجبهة الشعبيّة). لم تكن لديه أوامرُ تخصّنا، فبقينا في حيّ فرحات في مخيّم شاتيلا بانتظار أوامر للتحرّك.

في أواسط تشرين الأوّل أُرسلتُ إلى اجتماعٍ مع إبراهيم قليلات، رئيس "حركة الناصريّين المستقلّين ــــ المرابطون،" ومع زاهر الخطيب، رئيسِ "رابطة الشغّيلة." مررتُ أولًا على مكتب "المرابطون" الرئيس بجانب مسجد جمال عبد الناصر، حيث التقيتُ الرفيق صابر محيي الدين، وهو عضو قياديّ فرزتْه "الجبهة" لمساعدة "المرابطون" بناءً على طلب قليلات. ثم انتقلتُ إلى الاجتماع الذي عُقد في مكتب لـ"المرابطون" في المبنى الذي سيستقرّ فيه لاحقًا نبيه برّي، رئيسُ حركة "أمل." في المكتب جلس قليلات بنظّارتيْه السوداوين، وشرح على خارطةٍ أمامه الوضعَ في منطقة حارة الناعمة، فأخبرنا أنّ المنطقة تتعرّض للحصار من الناعمة شمالًا والدامور جنوبًا، وهي تفتقر إلى المقاتلين والأسلحة والذخائر. كان الطريق الوحيد إلى المنطقة يمرّ عبر الشحّار الغربيّ، فانتقلنا إلى بلدة عبيْه بسيّاراتٍ مدنيّةٍ أمنّها لنا قليلات والخطيب، ومعنا دليلٌ من حارة الناعمة مقرّب إلى رابطة الشغّيلة. تابعنا من عبيه سيرًا، متجنّبين الطرقَ الرئيسة. وصلنا البلدة. لم يكن فيها من المقاتلين سوى بضعة عناصر من "المرابطون" وشباب من القرية. نظّمْنا الشبابَ المدافعين في مجموعات، وحدّدنا نقاطَ حراسة، من جهة الطريق العامّ جنوبًا، والناعمة شمالًا.

في مساء اليوم التالي نظّمْنا وشبابَ القرية هجومًا على مخفر الناعمة، الذي كان يُستخدَم من القوات المعادية قاعدةً عسكريةً لها، فسيطرنا عليه سريعًا، وغنمنا ما فيه من أسلحة وذخائر. الأهمّ أننا خلقنا نوعًا من التوازن مع القوى المعادية، التي صارت في موقع دفاعيّ بعد أن كانت تهاجم حارة الناعمة كيفما شاءت. استقرّت الأوضاعُ هناك، ووصلت قوّة من "فتح" لاحقًا للمساندة، ثمّ عملتْ مجموعةٌ من شباب القرية على تشكيل منظّمة حزبيّة نشطة للجبهة الشعبيّة.

بقينا هناك حوالي شهر، حتّى استُدعينا مجدّدًا إلى بيروت لفترةٍ قصيرة، ثمّ عدنا عبر الطرق الجبليّة إلى قاعدتنا في الجنوب. وبعد أسبوعين أعيد استدعاؤنا إلى بيروت للمشاركة مجدّدًا في القتال، كجبهة شعبيّة هذه المرة، لا كجبهة رفض. فأُرسلنا إلى الشيّاح، حيث استقبلنا بعضُ قادة المحاور هناك، ومنهم قادةٌ من الجبهة الشعبيّة وحزب العمل الاشتراكيّ العربيّ وفتح. بعد مشاوراتٍ سريعةٍ انتقلنا إلى محور الطيّونة، مقابل دار الكتاب الذي تتمركز فيه القوى اليمينيّة الانعزاليّة اللبنانيّة. كان المحور خطرًا لأنّه مكشوفٌ أمام أكثر من موقعٍ معادٍ، مِن بدارو وعين الرمّانة وأطراف فرن الشبّاك. كان المكان بلا دشَم ومقاتلين، فعملنا سريعًا على استحداث مواقع قتاليّة ودشمٍ ونقاطِ استطلاع، وخضنا اشتباكاتٍ عنيفة.

في تلك الفترة وصلتْ أخبار من منطقة الكرنتينا، تفيد بسقوطها ووقوعِ مذبحةٍ مروِّعة في حقّ أهلنا. المجموعة التي أرسلتها جبهةُ الرفض للتعزيز استُشهد أعضاؤها بأكملهم على مدخل الكرنتينا. تطوّرت الأحداثُ سريعًا. وفي تاريخ 20/1/1976، اتُّخِذ قرارٌ باحتلال بلدة الدامور التي كانت تقطع طريقَ بيروت ــــ الجنوب. شاركت الجبهةُ الشعبيّة في الهجوم على الدامور بسَريّةٍ قَدمتْ من القطاع الأوسط، مقرِّ قيادتي في الجنوب. وقد وردتنا أنباءٌ مؤكّدة عن وقوع تجاوزاتٍ وإعداماتٍ وسرقاتٍ عقب سقوط الدامور، إلّا أنّ معظمَ المصادر التي أثقُ بها نسبتْ ذلك إلى "فتح" (بقيادة أبي موسى قبل انشقاقه) و"الصاعقة." أمّا الجبهة الشعبيّة، على ما نُقل إليّ بتقارير ميدانيّة، فأقامت حواجزَ في المناطق الخاضعة للسيطرة، بقيادة فؤاد عبد العزيز، منعًا لعمليّات السرقة، واصطحبتْ جزءًا من أهل الدامور الذين عجزوا عن الهرب برًّا أو بحرًا، وأوصلتهم إلى دير الناعمة. ومن القادة الذين أنجزوا هذه المهمّة غسان حمزة (أبو فاروق)، وهو من حارة الناعمة.

قبل سقوط الدامور بأيّامٍ قليلة، استُدعيتُ من الطيّونة إلى قيادة الجبهة، ومن هناك رافقني [أخي] أبو ماهر وأبو أحمد يونس إلى مكتب أبي عمّار (ياسر عرفات) في الطريق الجديدة. في الطريق أخبرني أبو ماهر أنّني سأذهب لإخراج كميل شمعون من قصره المحاصَر في السعديّات، وكان واضحًا أنّ قرارًا قد اتُّفِق عليه في هذا الشأن مع أبي عمّار الذي أراد تخليصَ شمعون من حصار قوات "جبهة الرفض" التي لا يستطيع عرفات أن يَفرض عليها فكَّ الحصار. استقبلنا أبو عمّار بابتسامته العريضة، وما إنْ جلسنا حتّى انضمّ إلى الينا نقيبٌ من "الصاعقة." كان شابًّا أسمرَ اللون، قويّ البنية، يُدعى صقر. حدّد لنا أبو عمّار مهمّتَنا: علينا أن نذهب، أنا ونقيبُ "الصاعقة،" إلى القاعدة الجويّة التابعة للجيش اللبنانيّ في مطار بيروت، ومن هناك ننتقل بالطوّافة إلى قصر شمعون في السعديّات، فنعمد إلى "سحبه."

انتقلتُ والنقيبَ واثنين من مرافقي أبي عمّار إلى المطار، فالتقينا في القاعدة الجويّة بنقيب من الجيش اللبنانيّ طلب منّي التخلّي عن سلاحي، إذ يُمنع ركوبُ الطوّافة بالسلاح. وبالطبع رفضتُ، وكذلك فعل نقيبُ الصاعقة. استمرّ النقاش أكثر من عشرين دقيقة. أجرى الضابط اللبنانيّ العديدَ من الاتّصالات التي أشعرتني بالمماطلة وبرغبة البعض في إفشال مشاركتنا في عمليّة الإنقاذ. فجأةً، ناداني أحدُ مرافقَيْنا الفتحاويَّيْن، وكان معه جهاز لاسلكيّ يتحدّث فيه، فأخبرني أنّ أمرًا وصل من القيادة بتغيير الخطّة، والانتقال برًّا إلى السعديّات عن طريق بيت الدين في الشوف.

تركنا المطار في حدود السابعة والنصف وعدنا إلى الطريق الجديدة، فوجدنا موكبًا جاهزًا، مؤلّفًا من خمس سيّارات، بينها سيّارتان مجهّزتان برشاشَيْ دوشكا، فانطلقنا إلى منطقة عرمون. عبرنا جسر القاضي، وصولًا إلى كفرحيم، فبيت الدين، ونزلنا باتّجاه الساحل عبر البرجين إلى السعديّات.

وصلنا إلى القوّات المحاصِرة لقصر كميل شمعون حوالي العاشرة والنصف ليلًا، فالتقيتُ أحمد أمين، قائدَ القطاع الأوسط في الجبهة الشعبيّة، وطلبتُ منه أن يساعدونا. وقفنا بجانب أسوار القصر، وبدأتْ عمليّةُ تفاوض مع حاميته من الجيش اللبنانيّ بقيادة عقيدٍ لم يعرّفني بنفسه يومها (عرفتُ لاحقًا أنّه العقيد محمود طيّ أبو ضرغم). طلب العقيد التمهّلَ ليتأكّد من سير الأمور، ثمّ قال لي فجأةً: "الرئيس غادر!" سألتُ المرافق من مكتب أبي عمّار، فتشاور مع قيادته لاسلكيًّا، فأكّد إجلاءَ شمعون من القصر. لم يسمع أحدٌ من الشباب صوتَ طوّافة، وساد الاعتقادُ بيننا أنّ شمعون نُقل بحرًا بلا ضجيج. وقدّ تولّد في نفسي الاستنتاجُ أنّ كلّ حركة ذلك اليوم كانت مشاركةً من قبل أبي عمّار في عمليّة تمويه على نقل شمعون سرًّا على يد "فتح."

                                          (الرئيس اللبنانيّ الأسبق كميل شمعون)

انسحب الموكبُ الذي جئتُ فيه عائدًا إلى بيروت من الطريق ذاتها. بقيتُ مع المقاتلين من القطاع الأوسط حتّى الصباح. طلبتُ من أحمد أمين أن يركّز، في حال الدخول إلى القصر، على الوثائق والمستندات، وألّا يَسمحَ للمقاتلين بالالتهاء بالأشياء التي سيروْنها. أمضيتُ الليل مع الشباب، ومرّت أثناء ذلك تسعُ سيّارات لأهالٍ هاربين من الدامور. سألناهم إلى أين يتوجّهون، فقالوا إنّهم ذاهبون إلى "مَن يحميهم،" وكانوا يقصدون بذلك كمال جنبلاط. وبالفعل ساعدناهم على التوجّه من طريق البرجين إلى منطقة الشوف الجنبلاطيّة.

ظُهرَ اليوم التالي، طلب العقيدُ اللبنانيّ التحدّث مع مسؤول من القوّات المحاصِرة. ذهبتُ إليه والتقيتُه في حديقة القصر. عرّفني بنفسه؛ أنّه العقيد أبو ضرغم. أخبرني أنّه ليس في وارد القتال، لكنّه يريد أنْ يضمنَ انسحابَ عناصر الحامية التسعة عشر بأمان إلى منطقة الشوف. ودار بيننا الحوار الآتي:

ــــ أنا ضابط في الجيش، ولن أخرج من دون سلاحي!

ــــ أنتَ وكلُّ العناصر تخرجون معزَّزين مكرَّمين بسلاحكم، شرط ألّا تبدرَ منكم أيّةُ حركة عدائيّة.

ــــ إذًا اتركني أُنجز اتّصالاتي وأجهّز موكبي.

ــــ خذ الوقت الذي تحتاج إليه.

بعد أقلّ من ساعة، وكانت قوّاتُنا قد صارت على باب القصر، قال لي إنّهم جاهزون. وأخبرني أنّ أقاربَ له سوف يأتون إلى هنا لمرافقة القوّة المنسحبة. قدّرتُ أنّهم ليسوا مدنيّين، بل قوّة مواكبة وحماية. سألتُه إن كانت لديهم سيّاراتٌ تكفي القوّة، فأكّد لي ذلك. بعد قليل وصلتْ أربعُ سيّارات تُقلّ رجالًا بلباسٍ مدنيّ. خرجت سيّاراتُ قوّة الحراسة، ورافقناهم صعودًا باتّجاه البرجين، حيث أكملوا طريقَهم وحدهم.

لم يكن القرار الذي اتّخذتُه بتسهيل خروج القوّة متعارضًا مع موقف الجبهة الشعبيّة يومها، لذلك لم أجد ضرورةً للتشاور في الموافقة على خروج العسكر اللبنانيّ؛ فالجبهة لم تكن ميّالةً أبدًا إلى الاشتباك مع الجيش اللبنانيّ، خصوصًا إذا لم تكن هناك مبادراتٌ عدائيّة. وبالفعل، حين عدتُ إلى شاتيلا، اكتفيتُ بتقديم تقرير شفهيّ إلى القيادة المركزيّة للجبهة، ولم يعترض أحد.

تركتُ السعديّات عند العصر، وكان المشهدُ مهيبًا: قصر الرئيس السابق للجمهوريّة، رئيس الحزب الأكثر عدائيّةً لنا، يقف في مواجهة البحر، وحيدًا وخاليًا، وخلفه عشراتُ المقاتلين المعادين، لبنانيين وفلسطينيين، وكأنّهم يحمونه!

 

(في الحلقة القادمة: معركة الفنادق، كيف اعتقلني السوريون، اجتياح 1978، في دروس الحرب)

اتّصل بنا من نحن دار الآداب