في أكل السّحب
21-06-2017

 

 

...وقد تبيّن لي، بعد تأمّل وتفكير، أنّ للسُّحُب هيئةَ الحلوى الهلاميّة. بيْد أنّني رسمتُ لها في عقلي صورًا أخرى أكثرَ غرابة: كإوزّةٍ حلوةِ المذاق، أو كوساداتٍ بيضاءَ تطير وتنثر السكَّرَ على البسيطة.

كنتُ أقتفي أثرَ السُّحب كلّما وجدتُني بين سماءٍ وأرض، لا سقفَ يحجب عنّي رؤيتَها ولا استكناهَ أسرارها. أسارعُ إلى الخروج من مكتبي عند انتهاء مناوبتي ــــ محرِّرًا مقالاتٍ في صحيفة رياضيّة ــــ وأختار أماكنَ هادئةً لتأمّل السّحب. هذا كلّ ما في وسعي أن أفعله لكي أجزم بأنّ هذا العالم لا يزال رائعًا ومنشرحًا.

اليوم، كُلّفتُ بتغطيةٍ صحفيّةٍ لمباراة كرة قدم في صحراء أفريقيا. لكنّ المعلومات الرسميّة عن المباراة ضئيلة، وكلّ ما وجدتُه في بيانات المهمّة هو: "مباراة تاريخيّة في صحراء أفريقيا الكبرى، جنوب مملكة نوميديا." فكّرتُ أنّها ستكون فرصةً سانحةً لتأمّل سُحبي المفضّلة في مكانٍ لم تسبق لي زيارتُه.

بعد سفر، وجدتُني أتّبع إحداثيّات مكان المباراة في أرضٍ رمليّةٍ دافئة، لا بشر فيها سواي، ولا ظلّ فيها إلّا ظلّي. ووجدتُني أرتحل من هضبةٍ إلى أخرى، ومن سهلٍ إلى آخر. أخيِّمُ عند المساء، وأشدُّ الرّحال صباحًا.

كانت الصحراء المتلألئة برمالها الذهبية قد ترامت أرجاؤها. "هذه الصّحراء تحتويني وأعبرُها، لا أملك إلّا مواصلةَ السيْر فيها،" هذا على الأقلّ ما أفكّر فيه الآن. طويتُ الخيمة القماشيّة، ووضّبتُ أدباشي في الحقيبة. شربتُ جرعتين خفيفتين من الماء، ثمّ يمّمتُ باتّجاه الشمال.

أثناء اجتيازي هضبةً من الكثبان الرمليّة، تيقّنتُ أنّ السُّحب التي ما انفكّت تؤنسني طوال المسير قد تلاشت. كان لذلك وقعٌ سيّئ عليّ إذ لم يبقَ لي إلّا الوحدة. كانت حقيبتي ثقيلة نسبيًّا؛ فقد وضعتُ فيها حاسوبي المحمول، وبضعَ مجلّات ثقافيّة، وبعضَ الطعام والشراب.

ثمّ لمحتُ ضالّتي: مستطيلًا أخضرَ متماوجًا، بسياجٍ حديديّ لامع. وما زلت أقترب في تردّد حتّى تبيّنتُ أنّه مكانُ المباراة المنشودة، فخيّمتُ يومين حذو الملعب أنتظر بدايتها.

يومَ المباراة، بدا لي أنّ اللاعبين كبارُ السنّ. بعضهم كانوا شيوخًا بأزياء من حقبٍ مختلفة: أمازيغَ وعربًا وقرطاجيّين وبيزنطيّين... وبعد محاورة وجيزة مع فتاة قرطاجيّة ألفيتُها واجمةً تنتظر صافرةَ البداية، تمكّنتُ من معرفة هويّة بعض اللّاعبين:

في الفريق الأوّل حمل حنبعل برقة شارةَ القيادة، شاغلًا موقعَ رأس حربة. وكان معه ماسينيسا وبربروس وأقتاوينوس، وكذلك جنسريق وفلافيوس هرقل. ابنُ خلدون اتّخذ مكانَه في الفريق الثاني، وعرفتُ ممّن كانوا معه: ابنَ رشد، وابنَ سينا، وابنَ أبي الضياف، وابنَ بطّوطة، والإدريسيّ.

لم تطل فترةُ الإحماءات كثيرًا، فعاد اللاعبون إلى حجرات الملابس مسرعين، تحدوهم عزائمُ ثابتة، يضغط عليها هياجُ الجماهير.

بدأتِ المباراة، وكنتُ قد صعدتُ تلّةً صغيرةً لأشاهدَ الملعبَ من عل. مكثتُ أتابع المباراة باهتمام شديد. أباركُ المراوغات، وأحيّي المناورات، وأتحمّس للهجمات المرتدّة من الجانبين لأنّني لم أكن منحازًا إلى أحدهما دون الآخر. كان الطقسُ حارًّا ، تكتسحه نسائمُ باردة متقطّعة؛ وهذا ما أوحى إليّ بوهمٍ يلوح ويختفي.

كان اللاعبون مصمّمين على الفوز، وكأنّهم مثلُ الحديد المُذاب ينصهر ويستوي، فلا تعرف لهم تعبًا ولا فتورًا. وبين الشوطين، ومع بحثي عن السُّحب البيضاء التي تنثر السكّرَ على الأرض، شربتُ كوب شايٍ، وانهمكتُ في ملء ألبوم "بانيني" لكأس العالم بصور اللاعبين وشعارات رابطاتهم الكرويّة. ولم أنتبه إلى عودة المباراة إلّا عندما صاحت الجماهيرُ بعد هجمة ضائعة، فعاودتُ المشاهدة بانتباه شديد.

تلبّدت السماءُ بغيوم داكنة، فأدركتُ أنها منحتني فرصةً سخيّة لمشاهدة السّحب البيضاء. ومع هبوب ريح قويّة، أخذت السّحبُ في الابتعاد شيئًا فشيئًا. ولم أكن لأفوّت عليّ مشاهدتها عن كثب؛ ففتحتُ الخيمة القماشيّة وركضتُ في المنحدر الرمليّ، رافعًا إيّاها إلى فوق، حتّى وجدتُني أرتفعُ في الهواء، محلّقًا مثل طيطوى مهاجر، ألاحق سحبي البيضاء الجميلة. اخترقتُها واندمجتُ فيها، ولبثتُ أقضمُها بشغف.

نظرتُ إلى الأرض، هناك حيث ملعبُ كرة القدم. كان الفريقان قد وصلا إلى ركلات الترجيح. تقدّم حنبعل برقة لتسديد الركْلة الأولى. ساد صمتٌ رهيب. لكنْ، لم أكن لأفوّت عليّ حفلة الأكل في الفضاء الرحب بين سحبي المتنقّلة المتغيّرة.

هكذا نسيتُ أمرَ المقال الصحفيّ. ربمّا سأراسل إدارةَ التحرير وأُعْلمهم باستقالتي. حتما سيسألونني عن السّبب. وسأخبرهم أنّ أكل السّحُب أمر مدهش حقًّا.

تونس

جابر السلامي

مهندس وكاتب قصة قصيرة من تونس، ينشر في صحف ومجلّات تونسيّة وعربيّة.