Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

في ذكرى وديع حدّاد: شيء عن العنف الثوريّ (ملفّ)

مقالات

 

 

في سِير الشخصيّات التاريخيّة الممتازة جانبٌ ذاتيٌّ يستحقّ النقاشَ، وسبرَ أغواره النفسيّة. ولكنّ الأهمّ والأبقى هو نقاشُ الموضوع الذي انخرطتْ فيه. وفي حالة المناضل الفلسطينيّ وديع حدّاد لن نجد أفضلَ من ذكرى رحيله مدخلًا لنقاش الموضوع الذي ارتبطتْ به حياتُه، وأعني "العنف الثوريّ،" وبخاصّةٍ مع استعار النقاش حول التباسات هذا الموضوع وحدودِه ونجاعتِه.

 

أولًا: العنف الثوريّ وإشكاليّة التعريف 

يصعب تقديمُ تعريف قاطع لفكرةٍ إشكاليّةٍ كـ"العنف الثوريّ،" يميّزُه من أشكال العنف العموميّ الأخرى، مثل الإرهاب؛ إذ يرتبط فهمُنا لهذا التعريف بتصوّراتنا عن الثورة والحركات الثوريّة.

تُعرِّف بيرجيت انتسمان العنفَ السياسيّ باعتباره فعلَ إيذاءٍ فيزيائيّ، يمارسه بشرٌ ضدّ بشرٍ آخرين، لأغراضٍ سياسيّة.(1) وفي محاولتها تمييزَ الثورة من الإرهاب، تعتمد معاييرَ عديدةً مثل: الهدف من العنف، وضحاياه، ومنابع شرعيّته.(2)

لكنّ مقاربة إنتسمان المفيدة تقع في موضعٍ شائكٍ عند تناول حركات إرهابيّة تهدف إلى بناء نظام؛ ففي هذه الحالة يصبح تمييزُ بعض الحركات الثوريّة من الحركات الإرهابيّة صعبًا. ولهذا، يحتاج الموضوع إلى بحث من زاويةٍ إضافيّة.

إذا تخفّفنا قليلًا من المحمولات الشنيعة الراهنة لكلمة "الإرهاب،" فسنجد أنّ التمييز بين العنف الثوريّ والإرهاب مهمّ الآن فقط!(3) أمّا في نقاش الحالات التاريخيّة في زمنها، فلم يكن ضروريًّا، ولم يكن موضعَ تساؤل كبير أصلًا. فباسل الكبيسي ــــ وهو أحدُ قادة "حركة القوميين العرب" ــــ كان يصف التشكيلات التي أسّسها زميلاه جورج حبش وهاني الهندي، في مطلع الخمسينيّات من القرن الماضي، بـ"الإرهابيّة."(4) وليون تروتسكي، في ردّه على كتاب كارل كاوتسكي، الإرهاب والشيوعيّة، لم ينفِ صفةَ الـ"إرهابيّة" ويستبدلْها بمصطلحاتٍ أخرى، بل ثبّتها وناقش محتواها ودورَها في مسار الثورة في كتابٍ يحمل العنوانَ نفسه.(5)

ثمّة مشكلة "مفيدة" في أيّ تعريفٍ يُقدِّم العنفَ الثوريَّ على أساس هدفه العامّ، مجرَّدًا من النقاش الإيديولوجيّ والأخلاقيّ، أيْ باعتباره عنفًا موجّهًا ضدّ الطبقات المسيطِرة، ويهدف إلى إقامة نظام اجتماعيّ واقتصاديّ، وإلى الاستيلاء على السلطة. فهذا التعريف لا يمايز بين الحركات الأصوليّة والثوريّة، بل يجعلنا ننظر إلى "داعش" مثلًا باعتبارها فصيلًا ثوريًّا (أليس هدفُها بناءَ نظام اجتماعيّ واقتصاديّ معيّن؟). ثم إنّ تعريف "العدوّ" الذي يوجَّه العنفُ ضدّه، كما يظهر في تاريخ الثورات والحركات الثوريّة المسلحة، لم يكن ثابتًا وسهلَ الصياغة؛ وعلينا أن نتذكّر هنا أنّ باعثَ روبسبير على إعدام لويس السادس عشر كان أنّ "وجودَ" الملك جريمةٌ في حدّ ذاته لكونه اعتداءً على كرامة الشعب، بغضّ النظر عن أفعال هذا الملك!(6)

للخروج من هذا المأزق، علينا ــــ ابتداءً ــــ التخلّصُ من التبجيل البلشفيّ للتحرّك الثوريّ باعتباره قيمةً معياريّة، والاستفادةُ من التعريف المنقود أعلاه للعنف الثوريّ، لنقول ببساطة: إنّ الحركات الأصوليّة "الإرهابيّة" هي حركاتٌ ذاتُ جانب ثوريّ باتّجاه قرْوَسطيّ، وإنّ أفكار سيّد قطب عن المجتمع الجاهليّ مثلًا هي أفكار ثوريّة باتّجاه رجعيّ.(7) ومع ذلك تبقى المشكلة قائمة: كيف نفرِّق، إذًا، بين مختلف أشكال العنف السياسيّ؟

الثورة ليست قيمةً في ذاتها. ولا تكمن قيمةُ الحركة الثوريّة في وجودها بالذات، وإلّا لكان من السهل التفريقُ بين الحركات المختلفة عبر اعتبار التحرّك الثوريّ تقدّميًّا بالضرورة. واستنتاجي ممّا سبق يقول إنّ مصطلح "العنف الثوريّ" دعائيّ، إيديولوجيّ، غيرُ ذي فائدة في تفسير الظواهر التي نعايشها في العالم العربيّ. وعليه، فالأفضل أن نستخدم مصطلحًا آخر، هو "العنف السياسيّ،" مع تقويمه من خلال القيم الأخلاقيّة والتصوّرات الإيديولوجيّة التي تقبع خلف أغراض العنف،(8) ومن خلال قياس مدى العنف المستخدَم. وفي عمليّة التقويم هذه ندخل، مرّةً أخرى، في الحيّز الإيديولوجيّ... ولكنْ مع الوعي بذلك، ومن دون غرضٍ دعائيّ.

ففي الأهداف العامّة للحركات السياسيّة المختلفة، ثمّة بعدٌ تقدّميٌّ يقوم على أساس فهم معاصر وحديث لقيمتَي الحريّة والعدالة، أو بعدٌ رجعيٌّ ينظر إلى هاتين القيمتين بمنظارٍ قرْوسطيّ. هذا من ناحية. أمّا من ناحية أخرى، فقد يكون الهدفُ تقدّميًّا، والعملُ صادقًا ومحمومًا، والوسيلةُ عنيفةً، ولكنّ هذا كلّه لا يكفي لتقويم هذا الحراك؛ إذ إنّ مستوى العنف ذاته ومدى ضرورته حاسمان في سياق التقويم. فلا يمكننا مثلًا أن نساوي في تقويم عنف تروتسكي وقسوته في الحرب الأهليّة الروسيّة، والجنونِ الإجراميّ لبول بوت وحركة "الخمير الحمر" في كمبوديا!

 

ثانيًا: دور العنف

التنظير للعنف ينقسم إلى معسكرين: المستنِد إلى دوره التخليقيّ، والمستند إلى غايته.

ــــ الاستناد إلى الدور يبدأ من الإيديولوجيا بمعناها الواسع، أي الرؤية إلى التاريخ البشريّ بأسْره، وإلى نفسيّة الإنسان نفسِه؛ فأسطورةُ قابيل وهابيل تقول إنّه "في البدء كان العنف."(9)

وفي القرن العشرين، قد يكون المناضلُ المارتينيّ فرانز فانون أشهرَ أصحاب هذا التأصيل. فالعنف ضدّ الاستعمار، كما يقول، ضروريّ لا لأنّ الاستعمار لن ينصاعَ إلّا به فحسب، بل هو ضروريّ أيضًا لأنّ الإنسان المُستعمَر "يتحرّر في العنف وبالعنف."(10) هذا بالإضافة إلى دور العنف في بناء الأمّة؛ فمن خلاله يتجاوز المجتمعُ الحواجزَ القبليّةَ والجهويّة. ويبدو أنّ فانون كان متأثّرًا بتجربته في الثورة الجزائريّة، التي اندلعتْ في مجتمعٍ متجانسٍ طائفيًّـا، ووسط مناخٍ عربيّ وعالميّ تحرّريّ، وتحت قيادةٍ ثوريّة متماسكة، فأسبغ ذلك كلُّه على العنف هذا الدورَ الصاهرَ؛ وإلّا فإنّ تجاربنا الحاليّة ــــ وضمنها تجربة الجزائر نفسها أيّام "العشْريّة السوداء" ــــ تقول عكس ذلك.

إذن، فانون، ومعه سارتر،(11) ينْظران إلى العنف ضدّ الاستعمار باعتباره أداةَ تطهيرٍ وتخليقٍ للمُستعمَر: فعبر العنف، وقتلِ المستعمِرين، يتخلّص المستعمَرُ من الأمراض وعُقَدِ النقص التي زرعها المستعمِرُ فيه، فـ"يستردُّ إنسانيّتَه." وهذه الفكرة القريبة من عالم المعادن ــــ لكون المعدن يتطهّر ويتنقّى عبر الصهر والحرارة والاحتدام ــــ  شائعةٌ في كتاب فانون، وفي تقديم سارتر لكتابه، معذّبو الأرض. وقد أشارت حنّة إرندت إلى أنّ سارتر، بفكرته هذه، يستعير، بصورةٍ ما، فكرةَ هيغل عن "إنتاج الذات."(12) كما أنّ سارتر، في موضعٍ آخر، نظّر للعنف في سياق فهمه للحرّيّة والثورة: فالحرّيّة عنده هي اعترافُ الحرّيّات المختلفة بعضِها ببعض، وليست تأكيدَ حرّيّة طرفٍ على حساب طرفٍ آخر؛ والثورة هي أن تفرض الطبقةُ الكادحةُ احترامَ حرّيّتها على الطبقة المسيطِرة.(13)

ــــ وهناك نوعٌ من التنظير العائم بين اعتبار العنف أداةَ تخليقٍ يكمن في بنية الحراك الثوريّ، وبين النظر إليه مجرّدَ وسيلةٍ لتحقيق الغاية. وخيرُ مَن يمثّل هذا التنظيرَ ليون تروتسكي. فالعنف في الثورة أمرٌ ضروريّ، في رأيه، وجزءٌ من الثورة، لا مجرّدُ إضافةٍ إليها؛ ذلك لأنّ الثورة المضادّة ــــ عبر دراسة التجارب الثوريّة المختلفة ــــ لن تنهزم إلّا بالإرهاب.(14) وبناءً عليه، فإنّ كلّ مَن يتخلّى عن الإرهاب ضدّ الثورة المضادّة "يتخلّى عن الثورة الاجتماعيّة."(15) هذا بالإضافة إلى العنصر الأكثر أخلاقيّةً في الإرهاب الثوريّ؛ فقتلُ مجموعةٍ من "القتلة" سيحمي أرواحَ الأبرياء.(16)

أهمّيّة طرح تروتسكي لا تنبع فقط من حججه باعتباره مثقّفًا، بل تنبع كذلك من تجربته الناجحة إلى حدّ بعيد، إذ كان هو المؤسِّسَ الفعليَّ للجيش الأحمر. وهو كان وفيًّا لأفكاره؛ بل وصل به الأمرُ إلى حدّ تسجيل أُسر بعض الضبّاط لكي يتّخذها رهينةً في حال إقدامهم على الالتحاق بـ"الحرس الأبيض": فالإرهاب ليس  للإجهاز على الأعداء المحتملين فحسب ، بل لضمان ولائهم أيضًا.(17)

ــــ على أنّ التنظيرَ للعنف غالبًا ما استند إلى الغاية باعتباره "آخر الوسائل،" وإلى أنّ "العدوّ لا يفهم إلّا لغة القوّة." وفي حالات كثيرة، كان فهمُ العنف على هذا النحو يظهر في ممارسته كذلك. والنضال الفلسطينيّ نموذج على ذلك.

فمن الواضح، مثلًا، أنّ فهمَ وديع حداد للعنف السياسيّ، في معركته مع الاحتلال، كان ينبع من معرفته بطبيعة عدوّه، لا لقيمةٍ كامنةٍ في العنف ذاتِه. وهذا يظهر في عمليّة خطف الطائرات في أيلول (سبتمبر) من العام 1970: إذ على الرغم من تهديد الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين بإعدام الرهائن إذا لم يُستجَبْ لمطالبها آنذاك، فإنّ هذا الإعدام لم يحصل، ولم يمسَّ الخاطفون الرهائنَ بسوء.(18) وهذا الأمر بالغُ الدلالة، وإنْ أهمله البعض؛ فعدمُ تنفيذ الوعيد السياسيّ عمومًا يقلِّل من خطر أيّ وعيدٍ قادم، لأنّ الطرف الآخر سيفهم الوعيدَ اللاحقَ "ضغطًا كلاميًّا" لا أكثر؛ وهو ما يُضعف القوّةَ التفاوضيّةَ للطرف المتوعِّد. وهذا يصحّ، أكثرَ ما يصحّ، على عمليّات الخطف والتهديد بالتصفية.(19) ووديع حدّاد كان يعلم ذلك بالتأكيد، ولكنّه لم ينفّذ وعيدَه.

فلسطينيًّا وعربيًّا، لم ينشغل المناضلون ضدّ "إسرائيل" و"الرجعيّة العربيّة" بتأصيل فكرة الكفاح المسلّح، كما فعل فانون أو سارتر أو الثوريّون الشيوعيّون في روسيا؛ أو بنقاش مسألة العنف في عمومها، كما فعلتْ حنّا أرندت. وهذا قد يعود إلى أنّ الكفاح المسلّح كان "معطًى" منذ نكبة 48؛ فدخول الدول العربيّة المواجهةَ العسكريّةَ المباشرةَ مع "إسرائيل" سنة 48 كان "رفعًا للحرج،" وخوفًا من المجتمعات العربيّة بعد سنواتٍ من وعود الملوك العرب الكاذبة بالتفاهم مع البريطانيين على تنفيذ مطالب الفلسطينيين ــــ الرافضةِ للهجرة اليهوديّة المنظَّمة ولخطط إنشاء وطن لليهود ــــ إذا أنهوا إضرابَهم سنة 1936. إذن، الكفاح المسلّح كان بمثابة "تحصيل حاصل،" جزءًا من إدراك العربيّ لنفسه، لا محلَّ نقاشٍ اجتماعيّ وسياسيّ موسّع، ولا سيّما أنّ الأنظمة العربيّة الشموليّة التي أتت في الخمسينيّات لم تسمح أصلًا بنقاش هذا الموضوع في المجال العامّ، واتّخذتْ من تحرير فلسطين واحدًا من منابع شرعيّتها.

وهكذا، انصرف السياسيّون والمثقّفون الفلسطينيّون والعرب إلى نقاش تفاصيل العنف، لا العنف ذاته، وبخاصةٍ بعد نكسة 67، وإلى المَركَسَة المتأخّرة ــــ والمتسرّعة في رأيي ــــ  لـ"حركة القوميين العرب" (عبر تأسيس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين) كردِّ فعلٍ على الهزيمة. نلحظ هذا عند الأديب الفلسطينيّ غسّان كنفاني؛ فهو مشغول بمسألة التنظيم السياسيّ والعسكريّ ومعوِّقات الكفاح المسلّح، ويبني غالبًا على أفكار الشيوعيّ الراديكاليّ الصينيّ ماو تسي تونغ.(20)

 

ثالثًا: أهمّيّة وديع حدّاد في تاريخ العنف السياسيّ العربيّ 

عند تأمّل تاريخ الحركات العنفيّة العربيّة بمختلف توجّهاتها، يبرز السؤالُ عن سبب أهمّيّة حدّاد الملحوظة في سرديّة الكفاح الفلسطينيّ والعربيّ. ذلك أنّ الكفاح المسلّح والعمليّاتِ العنفيّة ضدّ المدنيين والعسكريين، بمستوياتها المختلفة، لم يخترعها عربيًّا الفلسطينيون؛ فالتاريخ السياسيّ المصريّ مثلًا، منذ الحرب العالميّة الأولى، وصولًا إلى يوليو 52، مليء بأنواعٍ شتّى من الحركات السياسيّة العنيفة التي مارست الاغتيالَ السياسيّ و"التخريب." وليس صحيحًا، على كلّ حال، أنّ الإخوان المسلمين هم وحدهم مَن مارسوا هذه العمليّات، إذ مارستْها قوًى أخرى مختلفة في الفترة نفسها. وقد أثّر بعضُ هذه المجموعات في نشأة "حركة القوميين العرب،" والجبهةِ الشعبيّة لتحرير فلسطين بعد ذلك: فأوّلُ تشكيلٍ بناه جورج حبش مع صديقه هاني الهندي كان "كتائب الفداء العربيّ،" التي تشكّلتْ من ثلاث مجموعات، بيروتيّة وسوريّة ومصريّة؛ وهذه الأخيرة كانت "مجموعة إرهابيّة محترفة،" شارك قائدُها في اغتيال الوزير المصريّ أمين عثمان؛ بينما كانت المجموعتان البيروتيّة والسوريّة تتشكّلان من "إرهابيين هواة،" بحسب تعبيرات الكبيسي.(21)

وعليه، فأهميّة حدّاد لم تكن في السبْق أو البدء بالعنف السياسيّ، عربيًّا وفلسطينيًّا، ولكنّها تكمن في أمرين: 

الأوّل هو "نوعُ" العمليّات، سواءٌ تحرير صديقه جورج حبش من السجون السوريّة، أو خطف الطائرات، أو الهجوم على ناقلة النفط الإسرائيليّة في باب المندب، أو توفير التمويل للجبهة الشعبيّة عبر الإتاوة التي فرضها على شركات الطيران حتّى لا تُخطف طائراتُها.(22)

وبالمناسبة فإنّ حدّاد "الطبيب،" شأن أغلب المبتكرين والخبراء في نمط العمليّات السرّيّة وحربِ العصابات الذي شاع في العالم الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين، كتشي غيفارا وفيدل كاسترو وعبد الفتاح إسماعيل، لم يأت من تخصّص عسكريّ.

الأمر الثاني أنّه استطاع استغلالَ التحوّل الماركسيّ داخل "حركة  القوميين العرب" من أجل تطوير العمليّات العسكريّة. فالتعاون مع الساندينيستا في نيكاراغوا، والجيشِ الأحمر اليابانيّ، ساهم في إنجاح عمليّاتٍ كثيرةٍ ومختلفة. كما أنّ هذا التحوّل نحو الماركسيّة ضَمن لحدّاد قاعدةً ودعمًا من الدولة الماركسيّة الوحيدة عربيًّا، وهي اليمن الديمقراطيّ.(23)

ويبقى حدّاد في التحليل الأخير ابنًا للمرحلة التاريخيّة التي ظهر فيها، فعانى ما عاناه الكفاحُ الفلسطينيُّ من مشاكل وإحباطات وانتهازيّة وإفساد للثورة بأموال الدول العربيّة (ليبيا والعراق...)، وعدم مقدرة حركات التحرّر الفلسطينيّة على تحقيق نوع من الاستقلال الذاتيّ النسبيّ عن الدول العربيّة، أو عن الاتّحاد السوفياتيّ، وعدم مقدرتها على تحقيق شكلٍ مؤسّساتيّ صلب. هذا علاوةً على الانشقاقات والانشطارات المخيفة والمتوالية في البناء التنظيميّ. كان حدّاد مُكابدًا هذا كلَّه، وربما مشارِكًا فيه؛ فهذه الأمور لم تروَ بعدُ بالشكل الكافي.

رحل حدّاد في ألمانيا الشرقيّة سنة 1978. وتحوم حول موته شبهاتُ اغتيالٍ بتسهيلاتٍ عراقيّة. وأيًّا يكن الأمر، فإنّ ما نستحضره في ذكرى حدّاد اليوم ليس تفصيلاتِ حياته وملابساتِ نهايته، بل سيرته المشحونة بالأحداث والانحيازات والجدل العالي مع الواقع، وأسئلة شتّى. وهذا إرثُ كلّ سير الممتازين.

ألمانيا

 

1- .Birgit Enzmann (Hrsg.), Handbuch Politische Gewalt (Springer, 2013), p 46

2- .Enzmann, p 47

3-  في المقال أدناه، يلوم أسعد أبو خليل بسّام أبو شريف على عنوان كتابه وديع حدّاد: ثائرٌ أمْ إرهابيّ؟ ويقول إنّ أحدًا خارج إعلام "آل سعود" لا يتّهم حدادًا بالإرهاب. نختلف هنا مع أبو خليل، بغضّ النظر عن رأينا في أبو شريف وبواعثه، أو عن نقدنا لفكرة العنوان نفسها؛ فالنقاش لا يُختزل في مجرّد التجاوب مع وسائل إعلامٍ معيّنة، وموضوعُ التمييز بين أنواع العنف السياسيّ قضيّة مهمة لجيلِ ما بعد الحرب الباردة.

 http://www.al-akhbar.com/node/198046 

4- أنظر: باسل الكبيسي، حركة القوميين العرب. الكتاب موجود على الرابط:

https://docs.google.com/file/d/0BycxF550jDH3NVhMTElsdGwzY3M/view

5- ليون تروتسكي، الإرهاب والشيوعيّة، ترجمة جورج طرابيشي:

6-  https://www.bidayatmag.com/node/334

7- من المفارقات أنّ وصف هذه الحركات بالثوريّة يتطابق مع الاستعمال الأوّليّ لمصطلح "ثورة" باللغات الأوروبيّة، أي يفيد الدورانَ وعودةَ الشيء إلى نقطة سابقة. للمزيد، انظرْ: حنّة أرندت، في الثورة، ترجمة: عطا عبدالوهاب، ط1 (بيروت: المنظمة العربيّة للترجمة، 2008)، ص57 و58.

8- يختلف هذا الطرح عن محاولات أخرى في أنّ هذه الأخيرة حاولت الوصولَ إلى نتيجة أكاديميّة "علميّة" بعيدة عن عنصر التفاعل الإيديولوجيّ، وهو عنصر حاسم لا مندوحة من أخذه في الاعتبار.

9- أرندت، في الثورة، 25.

10- فرانز فانون، معذّبو الأرض، تقديم: ك. شولي، ط جديدة (وزارة الثقافة الجزائريّة، 2007)، ص 53.

11- انظر تقديم سارتر لكتاب فانون معذّبو الأرض:

http://al-adab.com/sites/default/files/aladab_1962_v10_02_0002_0004.pdf

12- حنة أرندت، في العنف، ترجمة: إبراهيم العريس، ط1 (بيروت: دار الساقي، 1992)، ص 14، 82.

13- جان بول سارتر، المادّيّة والثورة: دراسات فلسفيّة، ترجمة: عبدالفتاح الديدي، ط2 (بيروت: دار الآداب، 1966)، ص 62. يعتقد سارتر أنّه يقدّم خطوطًا لنظريّةٍ في العنف من خلال هذه الأفكار. في رأيي المتواضع أنّه يمكن أن نعيد صياغةَ فكرته بالقول إنّ الثورة صراعُ إرادات، وإنّ العنف وسيلةُ انتصار الإرادة الثائرة؛ وبالإمكان بعدها تضمينُ بعدٍ تحرّري يستهدف جميعَ الناس في إرادة "الثائر" الذي يُنظّر له سارتر. ثمّ إنّ سارتر يقدّم تصوّرًا عن الثوريّ يجعله اشتراكيًّا بالضرورة؛ وهذا تصوّرٌ يمكن تفهّمُه بحكم ماركسيّة سارتر، وبحكم أنّ الكتاب أصلًا يناقش الثورةَ بعدّة إيديولوجيّة بالمعنى الضيّق للكلمة، ولكنّ قبول هذا التصوّر أمر آخر.

14- تروتسكي، ص 40.

15- تروتسكي، ص 20.

16- تروتسكي، ص 38.

17- انظر: اسحاق دويتشر، النبيّ المسلّح: تروتسكي (1879-1921)، ترجمه وقدّم له: كميل قيصر داغر، ط1 (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1981)، ص 428.

18- انظر الوثائقيّ عن عمليّة خطف الطائرات:

https://www.youtube.com/watch?v=hTJWM6mz2uI

19- هذا الضعف في القدرة التفاوضيّة الفلسطينيّة مع "إسرائيل" بعد عدم تنفيذ حدّاد تهديدَه بإعدام الرهائن (في عمليّة خطف الطائرات سنة 1970) نلحظه في ردّ الفعل الإسرائيليّ على عمليّة ميونيخ. وكان واضحًا الفهمُ الدقيقُ لحدود العنف تجاه المدنيين عند "منظّمة أيلول الأسود"؛ فلم تصدر الأوامر بقتل أيّ من الرهائن الإسرائيليين في ميونيخ إلّا دفاعًا عن النفس.

20- على سبيل المثال، انظر: غسّان كنفاني، الدراسات السياسيّة: المجلد الخامس، ط1 (قبرص: دار منشورات الرمال، 2015).

21- الكبيسي، ص 35.

22- http://www.aljazeera.net/programs/centurywitness/2005/1/10/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%88%D8%AF-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-3

23-http://www.transeuropeennes.eu/ar/articles/210 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب