Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

في صورته الأخيرة

قصة قصيرة

 

 

كيف وَجدتْ صورتُه الأخيرةُ طريقَها إلى عينيَّ، فشغلتْني كلَّ يومي، وما بعده من أيّام؟

هل مشت إلى الأوراق المُتكوّمة في درفة الخزانة، ودنت من المكان الذي سأقصده كما دنت ذكرى رحيله؟ أكانت تريدُني أن أحملها وأتملّى فيها حتّى زوغانِ البصر واختناقِ الصدر بالغصّة؟

ليست ككلّ صُوَره التي رأيتُها. فارقٌ ما أحالها فريدةً. لكنّ عليَّ أن أستغرق فيها لاحقًا؛ سأحاول اكتشافَ ذلك غدًا.

الصورة تطاردني. لا أدري إنْ كانت الصورةَ الوحيدةَ التي ينظر فيها إلى العدسة. التُقطِتْ له خلال معرضه الأخير، ويبدو فيها متحدّثًا إلى أحد الحضور، وعيناه باتّجاه العدسة. ولا أدري لماذا وَزّعتْ زوجتُه نسخًا منها على الأصدقاء: ألكونها الأخيرة، أم أنّها رأت فيها شيئًا لم نره؟

أعدتُها إلى مكانها في الألبوم، ثمّ نمتُ.

حلمتُ أنّني استفقت وذهبتُ إلى الألبوم. بدأتُ أحلّلها: أقطِّعُها بالمقصّ كي أفكّ ألغازها؛ أغيّرُ مواضعَ الأشياء فيها؛ ثمّ أعيدُ تجميعَها. اكتشفتُ أنّه أرسل إلى العدسة ملامحَ وجهه الجديدة: نظراتِ عينيه الجديدة، وابتسامتَه المنتقاةَ بعناية، وبعضَ الشيْب، وخَجَلًا ما، وبعضَ خَبرٍ. حاولتِ العدسةُ المحايدة أن تخبرَه ما رأته يومها في عينيه. خافت قليلًا، أو ربّما تردّدتْ. حين استفاق صباحًا كان غطاءُ العدسة مبلّلًا بدمعٍ حسِبَه ماءً هطل عليها من سقف زَرِبٍ. لم يحفل كثيرًا للأمر. جفّف الغطاءَ. تأبَّط العدسةَ. وخرج.

في صورته الأخيرة تَروُّضٌ، ستستغربه أمّه لو رأتها. ستنكر ولدَها، أو ربّما ستشتبه بأنّ هنالك مَن يحاول انتحالَ وجهه.

في صورته الأخيرة لم أجد رحلته إلى غرفة البحر في ذلك الليل العاصف.

ليلتها، دخل مسرعًا. وعلى الأريكة التي سينام عليها أراح غيتارَه وجعبةً صغيرة، ثمّ شدني للخروج: "هيّا بنا، أريد أن أرى ما تفعله العاصفةُ بالبحر ليلًا." حاولتُ ثنيَه، لكنّه أصرَّ: "جئتُ من دمشق كي أشهد جنونَ البحر، فأَسرعْ!" لم يصطحب الكاميرا معه. مؤكّدٌ أنّه عرف أنْ لا نجوم ولا قمر ليساعده ضوؤها على اصطياد صور الموج.

لم نتكلّم كثيرًا. كان صوتُ البحر يمنعنا من سماع بعضنا البعض. ولم يكن للكلام معنًى أمام الجبروت الذي شاهدناه.

عدنا مبلّليْن برذاذ البحر والمطر. "لم نرَ سوى بياض الموج المجنون وهو يتكسَّر،" قلتُ له.

"أنا رأيت ما أريد،" ردَّ بغبطةٍ، وضحكةٍ أظهرتْ وجهًا مشرقًا.

ونحن نجفّف ثيابَنا أسرّ إليَّ: "أصبحتْ دمشق تخنقني. كلُّ الأماكن تخنقني. لا شفاء لي سوى بالبحر. لكنّ بحرَنا أصبح عقيمًا. أريد أن أذهبَ إلى بحارٍ أخرى، إلى مدنٍ بحريّةٍ أجدُ فيها عملًا، وأصوّرُ فيها أمواجًا جديدةً ووجوهًا جديدةً."

أخرجَ من جعبتهِ شرائط "بلوز" ليوم الغد، وكيسًا من الفستق المُحمَّص. وعلى مهلٍ، جرّد غيتارَه من ثوبه، وبدأ العزف. أكانت مصادفةً أن تَخرج من أصابعه كلُّ أغاني البحر يومَها؟ راح يغنّي بصوته الرخيم الضعيف، فيَجْهد كي يطغى على صوت الريح. ينظر إلى النافذة تارةً؛ ثمّ يشيح بوجهه عنها باتجاه نار المدفأة؛ وينظر تارةً أخرى إلى الكاميرا الهادئة على الطاولة، وكأنّه يريدني أن أوثِّقَ تلك الليلة بصورة.

عبثًا حاولتُ اصطيادَ نظرةٍ منه إلى العدسة. هو الذي يصطاد نظرات الجميع، يعرف كيف يخبئ عينيه. تعبتُ من محاولاتي، فاستسلمتُ.

استيقظتُ صباحًا وتوجّهتُ من فوري إلى صورته. أخرجتُها من الألبوم، وبدأتُ أحاول تفسير ما يختبئُ في نظرته. رأيتُ سنواتِ اعتقاله، وفصلَه من العمل في الجريدة، ثمّ هجرتَه وأسفارَه ومعارِضَه في الخارج، والجوائزَ التي حاز عليها من "الغرباء."

من نافذة الحافلة التي تُقلّني إلى العمل، عادت نظرتُه تُطلُّ عليَّ، كأنّها انعكاسُ صوَر الطريق الطويل الذي مشيناه آخرَ مرّةٍ حين زارني في بيتي الجديد، أو كأنّها انطباعاتُ الخطوات التي تركناها عليه.

كان تعِبًا حينها وقلقًا. جاءني عصرَ يومٍ قائظ. وعلى الشرفة، أخذ يشرب شايَه الثقيلَ بشرود. كان يتكلّم كمن يزيل بالكلام أثقالًا. سرّحَ نظره في ما تيسّر لنا من سماءٍ أطلّت من بين البنايات المتلاصقة. أطال الصمتَ قليلًا، ثمّ أعلن قرارَه: "سأعود قريبًا."

ــــ البلاد دخلتْ في حربٍ لا ضامنَ لنهايتها. تريد العودة، بينما الجميع يخرج؟

ــــ فليكن! لقد تعبتُ من البعد. اشتقتُ إلى جلبة الأصدقاء ومناكفاتهم. أريد أن أعيش ضجرَ هذه المدينة، وحريقَ المدن الأخرى.

ــــ ولكنّنا سنفتقد الضجرَ إنْ بلغتِ الحربُ مدينتنا؛ فالحرب على بعدِ قرًى قليلةٍ منها.

ــــ قد لا أستقرّ هنا. ربّما أعود إلى دمشق، أو إلى إحدى المناطق الحارّة. على هذه الكاميرا أن تكون ما حلمتُ أن تكونه.

عرفنا أنّه قد ناقش هذا الأمر مع زوجته. أودعها ابنتَهما، وصورته الأخيرة، ثمّ عاد.

إيطاليا

اتّصل بنا من نحن دار الآداب